بيع المرابحة في المصارف الإسلامية

د. رفيق المصري

بيع المرابحة في المصارف الإسلامية

د. رفيق المصري

يجري هذا البيع في بعض المصارف الإسلامية بأن يقدم العميل إلى المصرف فاتورة نقدية لشراء سيارة مثلاً من أحد المعارض، فيقوم المصرف بشرائها من المعرض مع خيار الردّ خلال أسبوع مثلاً. ويكون العميل بالخيار : إذا نفذ وعده بالشراء قام المصرف بدفع الثمن النقدي للسيارة إلى المعرض، وسجل في ذمة العميل الثمن المؤجل. أما إذا لم ينفذ العميل وعده خلال الأسبوع فإن المصرف يردّ السيارة إلى البائع.

 

ظاهر الأمر هنا أن الوعد غير ملزم، واحتاط المصرف لذلك بشراء السيارة مع خيار الردّ، خلال أسبوع. فالأسبوع هو مدة الخيار بالنسبة للمصرف مع البائع، وهو نفسه مدة الخيار في الوعد بالنسبة للعميل مع المصرف. وقد تكون المدة الثانية أقل من الأولى بقليل.

 

وربما تكون حقيقة الأمر أن المصرف لا يشتري ولا يردّ، بل البائع يقدم له خيار الشراء بالثمن المعجل خلال أسبوع.

 

لو أن البائع يبيع السيارة إلى العميل بثمن مؤجل أعلى من الثمن المعجل لم يكن هناك مشكلة من حيث الحكم الشرعي، لأن البيع الآجل بثمن أعلى جائز شرعًا بين البائع والمشتري عند جمهورالعلماء في جميع المذاهب.

 

لكن المشكلة هنا أن البائع يريد بيع السيارة بثمن معجل، ولا يريد بيعها بثمن مؤجل. ولهذا تم الترتيب بين الأطراف الثلاثة : البائع والمشتري ( العميل ) والمصرف، على أن يسدد المصرف الثمن المعجل للبائع، ويسجل الثمن المؤجل في ذمة المشتري. فالبائع لا يريد أن يمول المشتري، بل يريد أن يقوم بذلك طرف ثالث هو المصرف. وبهذا انفصل التمويل عن البيع، بمعنى أن الجهة الممولة هي غير الجهة البائعة.

 

لو نظرنا إلى المصرف لوجدنا أن دوره دور الممول، وليس دور التاجر البائع، فهو يريد أن يكسب من التمويل فرق الثمنين، دون أن يتحمل أي مخاطرة. ومن ثم يَرِدُ على هذه المعاملة :

-       ربح ما لم يضمن، فالمصرف هنا يكسب بدون مخاطرة.

-       بيع ما ليس عنده. فالبائع الحقيقي ليس المصرف، بل هو تاجر السيارات. وما قد يتظاهر به المصرف من تملك شكلي أو لحظي ( للحظة واحدة ) أو غير ذلك من الحركات والأوراق ليس إلا نوعًا من التظاهر بالبيع للتستر على حقيقة التمويل المستقل عن البيع.

-       يقدم المصرف هنا للعميل مبلغًا هو الثمن المعجل ويستردّ منه بالشرط مبلغًا أكبر هو الثمن المؤجل، وتكون فائدة التمويل هو الفرق بين الثمنين. وهذا هو ربا النسيئة الذي حرمه علماء الهيئات الشرعية أنفسهم على المصارف التقليدية.

 

والخلاصة فإن البيع بثمن مؤجل أعلى هو جائز إذا كانت العلاقة ثنائية بين بائع ومشتر، وغير جائز إذا دخل بينهما وسيط ( مصرف ) لأن المصرف يكون له دور الممول، لا دور التاجر الحقيقي. وعندئذ لا فرق بين مصرف إسلامي في هذا الباب وبين مصرف تقليدي. فالمصرف التقليدي يقرض بفائدة صريحة، والمصرف الإسلامي يقرض بفائدة ملتوية، عن طريق الوعود والخيارات، متنصلاً في ذلك من تحمل مخاطر تجارة السيارات ونفقات تخزينها.

 

ومن العجيب أن تفتي الهيئات الشرعية بمثل هذه الحيل، ومن العجيب كذلك أن تنطلي هذه الحيل على جمهور الناس الذين يظنون أنهم يتعاملون مع مصارف إسلامية حقيقية. قد لا يستطيعون الاستدلال بالأدلة فيلجؤون إلى الاستدلال بالمشايخ. ويعتقدون أن وجود الشيخ في المصرف هو الدليل على إسلامية هذا المصرف! لو عرف هؤلاء الناس كم منصبًا يحتل هذا الشيخ من مناصب الهيئات الشرعية، وكم تبلغ إيراداته منها لربما غيّروا رأيهم في هذا الشيخ.