بيع التقسيط وبيع المرابحة

د. رفيق المصري

بيع التقسيط وبيع المرابحة

د. رفيق المصري

في عام 1990م شاركت في دورة مجمع الفقه الإسلامي بورقة عن ( بيع التقسيط )، واستدللت له بأدلة نقلية وعقلية جعلتني أقتنع بأن الزيادة في الثمن لأجل الزمن جائزة عندي بيقين. وقدمت في الورقة نماذج كثيرة لأول مرة من أقوال الفقهاء في هذا الباب على المذاهب الفقهية المختلفة. وناقشت بعض الاستدلالات الخاطئة على جواز هذا البيع، فأنا وإن كنت أجيزه إلا أنني لا أرى الاستدلال لجوازه بأدلة ضعيفة، أو بأي أدلة، فلست من رجال الأحكام المسبقة. ورددت على الشبهات. وحمي النقاش في الجلسة حول بعض النقاط وبعض الأشخاص الذين ذكرتهم في الورقة. وطالب أحد المشايخ بطي ورقتي من أعمال المجمع. فحفزني هذا على إصدراها في كتاب، فصدر الكتاب قبل أن تصدر بحوث المجمع. لكن بحمد الله صدر بحثي في أعمال الدورة دون أي تعديل، فلم يردّوا على المعترض.

 

لما خرجت من الجلسة اقترب مني أحد الإخوة وعرّفني بنفسه قائلاً لي : أنا مدير جامعة صدام في بغداد، وأنا لم أكن قد سمعت بالجامعة ولا بمديرها. ودعاني إلى بغداد وقال لي : الدورة القادمة للمجمع ستكون في بغداد، وستكون أنت على رأس المدعوين. لم أقل له : إن جواز سفري كان يسمح لي بالسفر إلى كل البلدان ما عدا العراق. لا يصعب تفسير هذا المنع، فهو الخلاف بين بعث العراق وبعث الشام أيام صدام. ثم إنه لم تنعقد دورة المجمع في بغداد، لأن الجيش العراقي دخل إلى الكويت!

 

بعد سنة دعيت إلى دورة المجمع في بروناي، فنظرت إلى جواز سفري فإذا به يسمح لي بالسفر إلى جميع البلدان ما عدا العراق وبروناي، لم أكن لأنتبه إلى بروناي، ولم أفهم السبب. توجهت إلى القنصلية بجدة، فقالوا : نرسل أمرك إلى دمشق، فأرسلوه ولم يعد. فلم أسافر إلى بروناي، وتضايق مني الأمين العام الشيخ الحبيب بن الخوجة، فأريته الجواز وما كاد يصدق. وفاتني السفر إلى بروناي وضاعت علي سفرة دسمة، كما علمت من المسافرين بعد عودتهم!

 

عندما كنت أكتب ورقتي عن بيع التقسيط تساءلت : هل أتعرض للمرابحة وأبيّن صلتها ببيع التقسيط؟ إذا لم أتعرض للمرابحة فإن كتابي سيجد رواجًا أكبر، لأني أنا مع التقسيط بيقين، وضد المرابحة بيقين، والبنوك الإسلامية لا تريد من التقسيط إلا المرابحة. فقررت أن أبيّن صلة التقسيط بالمرابحة وغيرها من تورّق وإجارة.

 

مع أن كتابي ( بيع التقسيط ) من أقوى، بل ربما أقوى، ما كتب عن التقسيط، وفيه من النكات واللطائف ما لا يفهمه إلا أهل اللطائف، مع ذلك كله لاقى الكتاب تعتيمًا من الهيئات الشرعية والبنوك الإسلامية، فهم يخشون أن يبدأ القارئ بالتقسيط المريح وينتهي بالمرابحة المزعجة! غلّبت في كتابي اعتبارات العلم على اعتبارات التسويق.

 

دخل إلى مكتبي في جدة رجل يحمل الماجستير في الإدارة على ما أذكر فقال لي : لقد قرأت كتابك في ( بيع التقسيط ) 17 مرة!