الهيئات الشرعية في البنوك الإسلامية تلتزم الصمت حيال تحريم التورق المنظم

محمد الهمزاني

الهيئات الشرعية في البنوك الإسلامية تلتزم الصمت حيال تحريم التورق المنظم
«هيئة المحاسبة الإسلامية» تنفي تصريحات عضو مجمعها الشرعي حول إصدار قرار المنع
عدد من العلماء والمتخصصين في الاقتصاد الإسلامي أثناء ندوة «البركة المصرفية» التي نظمت قبل أيام في جدة («الشرق الاوسط»)
الرياض: محمد الهمزاني
نفت هيئة المحاسبة والمراجعة للمؤسسات المالية الإسلامية أن تكون قد أصدرت قرارا بتحريم التورق، أو أن يكون أحد من أعضاء مجلسها الشرعي أصدر مثل هذا الحكم على وجه الإطلاق.
وبينت الهيئة في ردها على ما نشرته «الشرق الأوسط» في صفحة المصرفية الإسلامية اخيرا، أن اللبس الذي كان في تصريحات الدكتور حسين حامد حسان أستاذ الفقه الإسلامي وعضو العديد من الهيئات الشرعية في المؤسسات المالية الإسلامية، يتعلق بمعيار (التورق) الذي أصدرته الهيئة وطبعته حديثا.
وقال الدكتور محمد نضال الشعار الأمين العام لهيئة المحاسبة والمراجعة للمؤسسات المالية الإسلامية، إن معيار «التورق» الذي أصدرته الهيئة كأحد معاييرها الشرعية ينظم عملية (التورق) ويجيزها بشروطها وضوابطها التي اتفق عليها أعضاء المجلس الشرعي الخاص بهيئة المحاسبة والمراجعة.
وأضاف الشعار أن الدكتور حسين حامد حسان عضو في المجلس الشرعي الخاص بالهيئة، و«أنه كان من الموافقين على إصدار معيار التورق»، مبينا أن المجلس الشرعي يضم نخبة من كبار علماء وفقهاء الأمة الإسلامية في هذا المجال.
وكان الدكتور حسين حامد حسان قد أكد لـ«الشرق الأوسط» في حديث خاص أن فقهاء العصر أقروا بالإجماع أخيرا عدم مشروعية «التورق» وأن تطبيقاته في البنوك لم تكن دقيقة، وشابها بعض الشبهات التي دفعت العلماء إلى الإجماع على تحريم «التورق المنظم». وقال الدكتور حسان في حينه وعلى هامش ندوة البركة الثامنة والعشرين للاقتصاد الإسلامي التي نظمت مطلع شهر رمضان الجاري إن سبب تحريم التورق يعود إلى أنه لا يحتمل الخسارة التي ينطلق منها الاقتصاد الإسلامي في تحمل نسب المخاطرة والخسارة، مؤكدا أن «هذا الإجماع على التحريم يدعمه قرار من هيئة المحاسبة والمراجعة للمؤسسات المالية الإسلامية صدر قبل أيام».
وأبان حسان والذي يرأس الهيئة الشرعية لبنك دبي الإسلامي أن ما تطرحه بعض البنوك الإسلامية أو التقليدية ولديها فروع في المصرفية الإسلامية حاليا مخالفة صريحة. وزاد بالقول إن «التورق انتهى، ومن يأتي يقول إن التورق الموجود إسلامي نقول له (لا)، ليس هناك فقيه قط يوافق على هذا». وكانت ردود أفعال كثيرة قد وردت لـ«الشرق الأوسط» بعد نشر التصريحات، والتي كانت في أغلبها من متخصصين في الفقه والشريعة الإسلامية وعملاء تعاملوا بـ«التورق»، تستفسر عن صحة ما ذكره الدكتور حسن حامد حسان، والصمت الملاحظ من الهيئات الشرعية للبنوك التقليدية والإسلامية وعدم الرد بالإيجاب أو القبول لرأي الدكتور حسان.
ويعرّف «التورق» بشراء العميل طالب السيولة سلعة بثمن مقسط مؤجل من البنك، ثم بعد ذلك يبيع السلعة، ويقضي بثمنها الحاجة التي أراد من أجلها المال، وهو من الأدوات المالية التمويلية التي شهدت إقبالا من أكثر البنوك في منطقة الخليج.
في المقابل يرى خبراء في المصرفية الإسلامية أن تصريحات الدكتور حسان جاءت لتؤكد أن تطبيقات «التورق» التي تمارس في البنوك التقليدية التي فتحت نوافذ أو فروع للمصرفية الإسلامية، غير شرعية وتشوبها الشبهات في الكيفية التي تمارس بها العقود الموقعة بين العميل والبنك.
ويوضح أحد خبراء الصيرفة الإسلامية (فضل عدم ذكر اسمه) أن التزام الهيئات الشرعية في البنوك التي تقدم «التورق» يؤكد الإجماع على تحريمه، وأن هذا السكوت يطلق عليه في مصطلح الفقه الإسلامي باسم (إجماع السكوت) أي رضا علماء الاقتصاد الإسلامي المعاصرين بما ذكره الدكتور حسين حامد حسان.
ويرى الخبير أن ما يدعم صحة ما ذكره الدكتور حسان هو مكانته العلمية وخبرته الطويلة في مجال البحوث في الاقتصاد الإسلامي المعاصر، إلى جانب أنه أحد رموز الصيرفة الإسلامية وواحدا من أهم أعضاء المجالس الإسلامية، وأنه أشار إلى هيئة المحاسبة والمراجعة للمؤسسات المالية الإسلامية باعتباره عضوا في مجلسها الشرعي الخاص.
وبين الخبير أن الدكتور حسان لا يمكنه أن يتكلم في موضوع «التورق» إلا بعد أن رأي سوء تطبيقاته في البنوك التقليدية والإسلامية، وأنه «يبعد عن الشيخ حامد أن يفتئت على إخوانه العلماء الموجودين في البنوك والذين التزموا الصمت حتى الآن وهو دليل على إجماعهم بالسكوت»، مؤكدا أن البنوك غرقت كثيرا في (التورق) ومعظم عملياتها حاليا في هذا المنتج.
وأشار الخبير إلى أن معايير هيئة المحاسبة والمراجعة «غير ملزمة» للبنوك، وأن القول إن البنوك تستند إلى معايير الهيئة ومنها معيار التورق مردود عليها، لأنها لا تلزم به، بل وغير ملزمة نهائيا بتطبيق هذا المعيار وغيره، مؤكدا أن تصريحات الدكتور حسان لا تندرج تحت ما ذكره الأمين العام لهيئة المحاسبة والمراجعة للمؤسسات المالية الإسلامية، على اعتبار أن مجمع الفقه الإسلامي حرم بالإجماع «التورق المنظم» الذي يمارس ويطبق حاليا في معظم البنوك التقليدية والإسلامية.
وشهد «التورق» منذ إقبال البنوك عليه، جدلا واسعا وكبيرا من قبل كثير من علماء الاقتصاد الإسلامي وعملاء البنوك الذين ظلوا حائرين من كثرة الفتاوى التي تبيح التورق تارة وتحرمة تارة أخرة.
وأمام ذلك كشفت دراسة علمية عن مخالفات وتجاوزات في تطبيق الأدوات الاستثمارية في سوق الأوراق المالية السعودية، وتحديدا في «التورق». وتوصلت الدراسة التي ناقشت «مدى شرعية الأدوات الاستثمارية في سوق الأوراق المالية السعودية» والتي أعدها معهد البحوث والخدمات الاستشارية في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، أن فريق الدراسة وجد أن الوسيلة المتاحة حاليا في البنوك هي «التورق الإسلامي في المعادن». وقالت الدراسة التي كانت «الشرق الأوسط» قد نشرتها في وقت سابق، إن تطبيقات «التورق» في كثير من البنوك لا تتوافق مع الشريعة الإسلامية، على الرغم من وجود هيئات ومستشارين شرعيين فيها، نظراً لعدم وجود هيئة للرقابة على الممارسات الفعلية للعمليات المقرة من اللجنة الشرعية بالبنوك المحلية. وتبرز دائما قضية جدوى فتوى الهيئات الشرعية في البنوك لمنتج (التورق) في الوقت الذي تدور شبهات وشكوك حول مدى جدية والتزام البنوك نفسها بما أجازته الهيئات الشرعية، خاصة أن مفهوم واستيعاب المصرفية الإسلامية غير واضح ومفهوم من قبل كثير من العاملين في البنوك التي تقدم خدمات مصرفية إسلامية، وندرة المتخصصين في هذا المجال. وكان الشيخ سليمان المنيع عضو هيئة كبار العلماء السعودية وأحد أبرز الشخصيات العاملة في الهيئات الشرعية في معظم البنوك السعودية والدولية، قد نبه في أحد حواراته مع «الشرق الأوسط» بأنه «لا يجوز في عملية التورق أن يبيع العميل البضاعة على البنك، بل ينبغي أن يبيعها على طرف ثالث، لأنه لو باعها على البنك صار من بيع الرنة، وبيوع الرنة هي حيلة من الحيل الموصلة إلى الربا، وفي نفس الأمر ينبغي أن تكون السلعة التي يشتريها العميل معلومة إما بالصفة أو بالرؤية». ويستند المنيع في تنبيهه إلى أن السلع التي تشترى من الأسواق الدولية مثل أسواق هولندا أو انجلترا أو نيويورك، وتعتبر من السلع المجهولة لأن المشتري لا يعرف أي نوع من المعادن هي، ولا كميتها، وإنما يقوم بتوكيل البنك الذي باع له البضاعة، من دون أن يعلم نوعية المعادن التي اشتراها. وأمام الضغوط التي تواجهها الهيئات الشرعية من قبل كثير من العملاء، لجأت البنوك نفسها إلى استخدام (التورق) في السلع المحلية في نفس الدول عن طريق إبرام اتفاقيات مع شركات ومصانع الحديد أو مع أحد مستوردي الحديد والصلب، غير أن واقع الحال في التطبيق الفعلي يؤكد أن معظم العملاء لا يسألون عن السلع التي اشتراها ولا أين مكانها. ويتم تطبيق «التورق» في عدد من البنوك بهدف توفير السيولة النقدية لشريحة مهمة من عملاء المصارف من خلال أداة تمويلية إسلامية من دون تعريضهم لخسائر مالية كبيرة. ويتمثل تطبيق منتج «التورق» في المصارف الإسلامية من خلال شراء البنك كمية من السلع التي تتسم بالثبات النسبي في أسعارها والتي يمكن ضبطها ووصفها للعميل بما ينفي الجهالة.
وقد يتم شراء هذه السلع من السوق الدولية عبر وسطاء للبنك وترتيبات مع أطرف مختلفة أو يتم الشراء من السوق المحلية، ومن ثم يتقدم العميل بطلب لشراء كمية من هذه السلع المملوكة للبنك على أن يسدد ثمنها على عدد أقساط شهرية أو سنوية أو حسب الاتفاق بينهما. وبعد دراسة طلب العميل وموافقته يتم التوقيع على عقد بيع آجل أو مرابحة بين البنك والعميل، ثم يتملك العميل السلعة وله الحق في قبضها والتصرف بها أو بيعها. ويوكل العميل عادة البنك ببيع هذه السلعة لحسابه نقدا وإيداع ثمنها في حسابه، بشرط أن يتم البيع على طرف ثالث خلاف الطرف الذي سبق أن اشترى منه البنك هذه السلعة، وفي بعض البنوك يوكل العميل المورد ببيع السلعة نيابة عنه وتحويل قيمتها إلى حسابه طرف البنك، على ألا يضمن البنك للعميل بيع السلعة بثمن معين في السوق، ولكن يبيعها بأفضل سعر حسب ظروف العرض والطلب وقت البيع.