التورق المصرفي....حيلة ربوية أم بيع مشروع؟

أحمد محمد نصار

التورق المصرفي....حيلة ربوية أم بيع مشروع؟

أحمد محمد نصار alahmedonline@yahoo.com

يسود اليوم خلاف شديد بين المتخصصين في فقه الصيرفة الإسلامية حول شرعية التورق المصرفي مما جعل مجمع الفقه الإسلامي يجيزه مرة ويحرمه مرة أخرى, والتورق المصرفي باختصار أن يقوم عميل المصرف بشراء سلعة بثمن مؤجل من المصرف ومن ثم يقوم بتوكيل المصرف نفسه ببيع هذه السلعة لطرف ثالث بثمن أقل, فتكون المحصلة حصول المشتري (عميل المصرف) على سيولة نقدية حالّة مقابل تحمله الأقساط المؤجلة المترتبة عليه من بيع المصرف للسلعة بثمن أعلى, وقد دعت مجموعة البركة المصرفية إلى عقد ندوة في مدينة جدة بالمملكة العربية السعودية في أوائل شهر رمضان المقبل لحسم الخلاف حوله, بحيث تتحدد ما إذا كانت حيلة ربوية يجب تجنبها أم بيع مشروع موافق لقواعد الشريعة في المبادلات, والواقع أن أكثر من استخدم هذه الصيغة هي الفروع الإسلامية في البنوك التقليدية, لأنها وجدت باستخدامها غطاءاً شرعياً لعملياتها دون تغيير جوهري في أسلوب العمل المصرفي التقليدي, وهنا أود أن أشير إلى بعض القواعد الشرعية الخاصة بعقود المبادلات والتي من خلالها يستطيع القاري الكريم أن يدرك الحكم الصحيح لهذا العقد هل هو حيلة ربوية أم بيع مشروع, وهذه القواعد تم التوصل إليها وتحريرها عن طريق استقراء كثير من الجزئيات الخاصة بفقه عقود المبادلات بحيث يصبح البناء الفقهي الحاكم لها متماسك وغير متناقضة جزئياته مع كلياته, وهذه القواعد هي:

  1. تحقق الغرض من المبادلة بانتقال السلعة إلى المشتري والثمن إلى البائع: إن عقد البيع شُرع لكي يحقق مصلحة لطرفي العلاقة فيحصل البائع على الثمن والمشتري على السلعة, وجَعل السلعة وسيطاً فقط هو خروج عن هدف التبادل وفيه عبث في التشريع, وعبارة الفقهاء كانت واضحة بهذا الخصوص, حيث نص الفقهاء أن ما خرج من اليد وعاد إليها فهو لغو, والشريعة الإسلامية منزهة عن هذا اللغو, والتورق لم يحصل فيه تبادل حقيقي لكن مبرر وجود السلعة هو فقط لكي توصف العملية بأنها بيع وليس قرض بزيادة.
  2. أن لا تؤدي المبادلة إلى خسارة أحد طرفيها مقابل ربح الآخر: والخاسر في بيع التورق هو المشتري فهو يبيع السلعة بأقل من ثمنها الحقيقي وهو مما ينتج عنه إنشاء سوق سوداء لسلع المتورقين تؤثر على الأسعار السائدة في السوق فضلاً عن أن السلعة ليست هي مقصود المبادلة, أما الرابح فهو المصرف الذي تزيد أرصدته النقدية على حساب المشتري دون الدخول في مشاحة البيع والشراء الحقيقيين.
  3. النظر في مآل العقود لانتفاء التناقض فيها: والتورق في بدايته بيع وفي مآله قرض بزيادة, وهذا تناقض يدركه العقل ويثير الحيرة عند وضع الأحكام والضوابط الشرعية له, هل نطبق أحكام القرض أم أحكام البيع, لأن ما يجوز في البيع مثل الزيادة في الثمن مثلاً لا يجوز في القرض لان أي قرض جر نفعاً فهو ربا.

إن الانتقائية وتشهي الآراء الفقهية دون ضبطها منهجياً بالأصول والقواعد العامة للشريعة هو الذي يقودنا إلى تجويز هذه المعاملة, لذلك أدعو المتعاملين بهذه الصيغة الابتعاد عنها لأنها من الحيل الربوية المنافية لمقاصد وقواعد التشريع, والله تعالى أعلم.