التمويل بالمضاربة والمشاركة

ناصر الزيادات

لتمويل بالمضاربة والمشاركة
- ناصر الزيادات - 12/05/1429هـ
nziyadat@gmail.com
لما نشأت فكرة أول بنك إسلامي قبل أكثر من ثلاثة عقود كانت وفق نموذج أعمال مبسط يستند إلى شريحتي مضاربة Two-Tier Mudaraba: أي الحصول على مصادر الأموال (أو معظمها) وفقاً للمضاربة (البنك مضارب في هذه الحالة)، ومن ثم إعادة توظيف الأموال وفقاً للمضاربة أيضا (البنك رب المال في معظم الحالات). ويبدو أن هذه الفكرة ما زالت تدور في خلج العديد من الأشخاص الذين – ومن باب الحرص على الصناعة المالية الإسلامية والله أعلم – يطالبون بتصحيح النموذج الحالي لأعمال البنوك الإسلامية.
إن هذا الرأي يجعلك تحلق بمخيلتك نحو آفاق تتخيل فيها تطبيقاً حقيقياً لمبادئ الاقتصاد الإسلامي الذي يسعى إلى تعزيز وتحفيز الإنتاجية من خلال توظيف الأموال في استثمارات حقيقية تعود بالمنفعة الاقتصادية والاجتماعية على جميع الأطراف ذات العلاقة لا سيما في الدول العربية والإسلامية التي هي في أمس الحاجة للتنمية الاقتصادية والاجتماعية.. ولكن مع الأسف!! لا يزال هذا الرأي نظرياً يصعب إسقاطه على الواقع بشكل فعال في هذه الأيام نظراً لاصطدامه بالعديد من المعوقات.
ربما يشاركني القارئ الكريم الرأي أن أكثر الناس حاجة للتمويل بالمضاربة أو المشاركة هم أصحاب المنشآت الصغيرة والمتوسطة وهي تشكل غالبية ما يعرف اليوم في عالم الأعمال بشركات "الأسهم الخاصة" Private Equity التي يعد تمويل رأس المال الجريء Venture Capital جزءاً من مراحل نموها. ومن باب الثناء على أصحاب نظرية التوسع في تمويل المضاربة والمشاركة لمثل تلك المشاريع الخاصة أورد هنا بعض الإحصائيات حول المشاريع الصغيرة والمتوسطة في أمريكا والتي تم تمويلها برأسمال جريء: فقد فاق إجمالي الوظائف التي خلقتها تلك المشاريع 10.4 مليون وظيفة في العام 2006 في حين فاق إجمالي مبيعاتها 2.3 تريليون دولار وأسهمت بما يقارب من 17.6 في المائة من الناتج الإجمالي المحلي الأمريكي في العام ذاته وفقاً للجمعية الوطنية لرأس المال الجريء - أمريكا.. ولكن لماذا في أمريكا أو أوروبا تنجح أفكارنا النظرية؟ وما معوقات إسقاطها في واقعنا؟ وهل صحيح أن البنوك والمؤسسات المالية الإسلامية مقصرة في عدم التوسع في التمويل بالمضاربة والمشاركة لا سيما في قطاع المنشآت الصغيرة والمتوسطة غير المدرجة في أسواق الأسهم؟
دعونا نتأمل الموضوع من كافة جوانبه. فالسلطات الإشرافية في كثير من الدول تضع حداً أقصى (لا يتجاوز نسبة معينة من رأس المال) للبنوك لدخول في الصفقات الاستثمارية، وهذا يشكل عائق ربما يتم التغلب عليه من خلال إنشاء الصناديق التي تستثمر في الأسهم الخاصة على اعتبار أنها خارج الميزانية العمومية للبنوك الإسلامية.. ومن ناحية أخرى، هناك البيئة التنظيمية والتشريعة لمكان تواجد الشركات الخاصة وهو ما يندرج تحته أمور تشجيع الاستثمار والمخاطر وما إلى ذلك، وهنا نجد أن غالبية الدول الإسلامية تعاني ضعفا في البيئات الاستثمارية التي من شأنها اجتذاب المستثمرين – بل وربما تؤدي إلى تنفيرهم في بعض الأحيان.
أما العنصر الأهم فهو الفكر الريادي في تطوير الأعمال entrepreneurship والذي يندرج تحته وجود أشخاص قادرين على تطوير أفكار الأعمال الإبداعية وإدارتها لجعلها جذابة للتمويل بالمضاربة، إضافة إلى وجود سجل ائتماني تاريخي لتلك المشاريع وأصحابها حتى يطمئن البنك الإسلامي على أمواله التي سيمول بها، أو وجود قوانين وتشريعات تشعر البنك بالأمان لدى تمويله تلك المشاريع.
ربما يكون العنصر البشري الريادي هو الأمر الأكثر صعوبة في طريق تطبيق المشاركة والمضاربة، فالمجتمعات العربية في الغالب تعد الوظائف هي الوسيلة الآمنة لتحصيل الدخل حتى وإن كان قليلاً، إضافة إلى أن المناهج التعليمية والتدريبية لا ترقى لمستوى تطوير وتنمية الفكر الريادي والإبداعي، وهذا ما جعلنا نفاجأ ذات مرة - ونحن في مهرجان لاكتشاف الشباب الرواد العرب ومشروعاتهم المستقبلية التي يطلبون عليها تمويل بالمشاركة أو المضاربة - أن منهم من تقدم بمشروع "تنسيق الزهور" وآخر بمشروع لـ "نسخ أقراص مدمجة"!! في الوقت الذي كان فيه مشروع لطالب صيني في كلية الهندسة يجتاح الصين وأوروبا نظراً لفكرته الريادية حول تدوير المخلفات.
وبعد هذا، هل ما زال هناك لوم على المؤسسات المالية الإسلامية لأنها لا تتوسع بالتمويل بالمضاربة والمشاركة؟ فبعد توسعها من خلال إنشاء صناديق لتلك الغايات اكتشفت أن المكان الأفضل لمثل تلك الاستثمارات هو أمريكا وأوروبا وآسيا والباسيفك لأن هناك فكراً إبداعياً وأشخاصا موهوبين وكفاءات عملية وقوانين وتشريعات تجتذبهم للاستثمار خارج الدول العربية والإسلامية.
إننا بأمس الحاجة إلى تطوير البنية التحتية (معلومات ائتمانية، موارد بشرية، فكر ريادي...، وما إلى ذلك) اللازمة لتطبيق تمويل المضاربة والمشاركة بكل سلاسة وكفاءة، وهذه العملية تكون المؤسسات المالية الإسلامية طرفاً فيها ولكن ليس الطرف الرئيس الذي تلقى عليه الملامة.