التمويل السلوكي

عبد الرحمان نعجة

تعد المالية على غرار كل من علم التسيير والاقتصاد علما إنسانيا، إذ وبالرغم من سعي الباحثين فيها إلى وضع نماذج رياضية تعكس حركة المتغيرات المتحكمة في الظواهر المالية، ومعايير إحصائية تساعد المستثمرين على اتخاذ القرار المناسب في الوقت المناسب يبقى الإنسان هو المحرك الأول لمعظم هذه الظواهر.
تأتي دراسة الأسواق المالية في صميم النظرية المالية، وسوق المال ليس إلا تجمعا معقدا من العلاقات الإنسانية يلعب فيه الأفراد الدور الأبرز من خلال بناء توقعاتهم "العقلانية" التي تتحكم في العرض والطلب وصولا إلى سعر التوازن. وتفترض النظرية المالية بأن جميع هؤلاء الأفراد يتصرفون برشادة تتجلى من جهة في قدرتهم على بناء توقعات عقلانية، وفي قدرتهم على تعظيم منفعتهم المتوقعة من جهة أخرى.
لقد سمح هذا الافتراض بظهور أهم نظرية في المالية ألا وهي نظرية "كفاءةالأسواق المالية"  التي هيمنت على البحوث الأكاديمية لأكثر من نصف قرن من الزمن، وشكلت مجالا خصبا للدراسة مما سمح بظهور عدة نماذج ونظريات جديدة ذات صلة بها على غرار كل من نموذج تسعير الأصول الرأسمالية CAMP لـ:"وليام شارب" عام 1964 ، نظريات الهيكل المالي لـ "موديجليانيو ميلر" عام 1958 ، ونظرية المحفظة لـ:"هاريماركويتز" عام .1952
تشترك جميع هذه النظريات في كونها ترتكز على المقاربة المعيارية التي تجيب على ما ينبغي أن يكون وتحاول تكييف الواقع بما يتماشى وفرضياتها، الأمر الذي جعلها تضفي طابعا تجريديا وعلميا محضا على النظرية المالية؛ هذا إلى جانب سعي الباحثين إلى الارتقاء بالبحث في هذا المجال إلى أقصى درجات العلمية من خلال تصور الإنسان ككائن عقلاني يساهم في الحياة الاقتصادية ويسعى إلى تعظيم منفعته، أو ما اصطلح على تسميته بـ: " ." Homo Oeconomicus
بيد أن توالي الأزمات و الاختلالات التي شهدتها أسواق المال مؤخرا، إضافة إلى بعد هذه النظرية عن الواقع العملي أدى إلى ظهور جدل كبير في الأوساط الأكاديمية انطلق من التشكيك في نظرية كفاءة الأسواق وذلك على يد عدد من الباحثين الذين قاموا بإثبات وجود عدد من التشوهات في سوق المال، وعلى رأسهم نجد "شيلر: "Shiller و"بانز، "Banzعام1981 ، " دوبونت و تالر:Debondt & Thaler" 1985  ، " شليفر: Shleifer" 1986، إلى التشكيك في صحة ما حوته وما ساهمت في ظهوره من نماذج ليطال التشكيك في نهاية المطاف فرضية رشادة الأفراد؛ إذ تشكل مع مرور الوقت اعتقاد لدى المحللين بأن القرار الاستثماري ليس قرارا عقلانيا رشيدا يقوم في أغلب الأحوال على تحليل العوامل الأساسية وهدفه تعظيم المنفعة، وإنما ينطوي في حقيقة الأمر على جانب كبير من عدم الرشادة تتجلى في كثير من السلوكيات الشاذة التي لا تتماشى مع النموذج الموضوع في النظرية المالية وطفت بذلك على السطح تساؤلات كثيرة قادت إلى ظهور تيار بحثي جديد، يشكك في رشادة المتعاملين في السوق، ويدعو إلى إعادة التفكير في الكيفية التي يجب أن تتم وفقا لها نمذجة السلوك الحقيقي للأفراد، إضافة إلى البحث عن مدى تأثير ومساهمة هذه السلوكيات في خلق التشوهات التي تشهدها أسواق المال حاليا.
ولعل ما زاد من قوة هذا التيار اعتقاد أصحابه بعجز نظرية الكفاءة وما تبعها من نظريات عن تقديم المزيد
للبحث المالي، وهذا تماشيا مع نظرية الفيلسوف "توماسسامويل كان:Thomas Samuel Kuhn"1970، الذي يرى بأن ظهور وتفاقم التشوهات داخل نموذج علمي يعكس مروره بمرحلة أزمة وينبئ بقرب التخلي عنه واستبداله بنموذج جديد.
لقد توج هذا الجدل القائم بظهور ما أصبح يطلق عليه "الماليةالسلوكية"،وهي اتجاه جديد يسعى إلى تفسير حالات الشذوذ في نظريات الكفاءة، إضافة إلى التشوهات الملاحظة عند تطبيقها في أسواق المال وغيرها من المسائل العالقة من خلال المزاوجة بين النظرية المالية وأبحاث علم النفس بغية الوصول إلى نمذجة واقعية للسلوك البشري.
 أهميةالدراسة :
تكمن أهمية هذه الدراسة في سعيها إلى إماطة اللثام عن موضوع جديد قل التطرق إليه في الدراسات الأكاديمية باللغة العربية ألا وهو موضوع "التمويلالسلوكي"، وذلك بالحديث عن كيفية وأسباب ظهور هذا الاتجاه البحثي إضافة إلى أهم ركائزه والتفسيرات المقدمة من طرف أنصاره لأهم النقاط التي عجزت نظرية الكفاءة عن علاجها. ويتزامن هذا مع توالي الأزمات التي عصفت بالأسواق المالية في السنوات الأخيرة، مما يزيد من أهمية هذه الدراسة في هذا الوقت بالذات؛ و ليس هذا فحسب، بل يضاف لهذه الدراسة التطرق لنظرية المحفظة الاستثمارية، مع الاجتهاد في مناقشتها في ظل كل من التفكير الكلاسيكي والتفكير السلوكي بشيء من التفصيل، دون أن يهمل التطرق إلى الأسلوب السلوكي المنتهج في تقييم وتحليل الأوراق المالية ثم محاولة تطبيق ما جاء به كل مدخل. و بالتالي فإن هذه الدراسة يجب ألا تكتفي بالحديث عن ظهور المالية السلوكية و إنما تناول تبعات هذا الاتجاه على كل من نظرية المحفظة الاستثمارية وتقييم وتحليل الأوراق المالية


عبد الرحمان نعجة

كلية العلوم الإقتصادية و العلوم التجارية و علوم التسيير.

الجامعة: الطاهر مولاي- سعيدة- الجزائر.

الهاتف: 0561.421.561

البريد الإلكتروني:nadjabderrahmane@live.fr

.