الأساس الشرعي للمصرف

رفيق يونس المصري

الأساس الشرعي للمصرف

 

هناك في الشريعة أساس شرعي للبائع، وأساس شرعي للمؤجر، وأساس شرعي للوكيل،   وأساس شرعي للمُقرض، وأساس شرعي للمُعير، وأساس شرعي للكفيل، وأساس شرعي للواقف، وأساس شرعي للمُودع، وأساس شرعي للواهب، وأساس شرعي للشريك ...

 

ويمكن أن يكون هناك أساس شرعي للبنك الذي يأخذ أموال الناس ويستثمرها لهم ويكون لهم وكيلاً بأجر. لكني بحثت عن الأساس الشرعي لمن يقترض أموال الناس بفائدة ليقرضها إلى غيرهم بفائدة فلم أجد. بل وجدت أن الأساس هنا هو الاقتراض والإقراض بالربا، وهو أساس غير شرعي.

 

لو أن البنك أخذ أموال الناس قِراضًا وقدّمها إلى غيرهم قِراضًا لكان له أساس شرعي، وهو القِراض ( = المضاربة ). والقِراض يتضمن الوكالة، وكلاهما جائز في الشريعة ولو كانت الوكالة بأجر، أو بحصة من الربح. وهذا هو الأساس الشرعي الأول الذي قامت على أساسه المصارف الإسلامية في بداية عهدها من الناحية النظرية.

 

لكن أن يعمل البنك بالبيع، بيع السلع، كما حدث فيما بعد في التطبيق العملي، وكما يحدث اليوم، فهذا يعني أن البنك تحول بائعًا وانطبق عليه الأساس الشرعي للبيع، ولم يعد بنكًا، ولا بد له حينئذ من أن يخاطر مخاطرة التجار، وأن يعمل عمل التجار، فيشتري ويبيع ويخزن، فينقل السلع من زمان إلى زمان، أو من مكان إلى مكان، أو من شخص إلى شخص، ويقوم بوظيفة تحقيق المنافع المكانية والزمانية والشخصية التي يقوم بها التجار.

 

أن يعمل البنك بالبيع المؤجل، فهذا يعني أن البنك تحول بائعًا، كما ذكرنا في الفقرة السابقة، ويعني أيضًا أنه يمكن له أن يمارس البيوع المؤجلة، ولكن كما يمارسها التجار، ويجوز له أن يبيع بثمن مؤجل أعلى من الثمن المعجل، على أن يكون هو البائع للمشتري وهو الممول له في آن معًا، وبدون أي فصل بين البيع والتمويل.

 

لكن لا يجوز للبنك أن يتوسط بين البائع والمشتري، وأن يفصل التمويل عن البيع، ويقوم بدور الممول، تحت ستار البيع، وهو ليس ببائع بل هو ممول. فالزيادة في الثمن المؤجل جائزة للبائع إذا التحمت فيه شخصية البائع وشخصية الممول معًا، ولا تجوز إذا قام هو بدور الممول وترك البيع للتاجر والشراء للمشتري. ذلك لأن صافي العملية عندئذ هو القرض الربوي، مهما حاولنا التستر عليها.

 

لا يجوز للبنك أن يتظاهر بالبيع وهو غير بائع، أو أن يتظاهر بالبيع ونحن غير محتاجين إليه بائعًا. ولو فعل ذلك فإنه سيلتجئ إلى حيل قد تبدو في ظاهرها لبعض الناس جائزة، وهي في حقيقتها غير جائزة. ذلك لأن المصرف هو ابن أمّهِ : الفائدة، فهو سيأخذها صريحة في القروض، أو مستترة في البيوع بطريقة ما من طرق الستر.

 

يجب أن نمكن الأساس الشرعي للمصرف الإسلامي، فهذا هو ما يميز المصرف الإسلامي عن غيره من المصارف. وما لم يتميز المصرف الإسلامي من الناحية الشرعية فلن يكون له أي تميز آخر، لأنه في باقي الأمور الفنية سيستوي مع المصارف التقليدية، وليس في هذه الأمور الفنية أي مشكلة تختص بالمصارف الإسلامية وحدها.

 

وكما أننا لا نستطيع فصل التمويل عن البيع، فإننا لا نستطيع فصل الخبرة الفنية عن الخبرة الشرعية، فالخبرة الفنية يجب أن تستند إلى أساس شرعي متين. وإذا لم تكن قادرة على استبانة هذا الأساس، فيجب على الأقل أن تبحث عن طرق لكي تصل إلى الاطمئنان الشرعي، وإلا فإن جهودها ستكون هباءً منثورًا.

 

وإني أقول بكل صراحة بأنه مهما كانت الخبرة الفنية عالية، هذا إذا وجدت ولم تكن مجرد تقليد، فإنها لن تكون مجدية ولا مفيدة إلا إذا اقترنت بخبرة شرعية عالية. لا يستطيع أي باحث في التمويل ولا في الاقتصاد الإسلامي أن يبتكر شيئًا، أو أن يضيف شيئًا إلى المعرفة، ما لم يكن متمكنًا من الأمرين معًا. وأما الجمع بين المعرفة الفنية من طرف والمعرفة الشرعية من طرف آخر فلن يكون لها إلا أثر محدود جدًا. وربما وصلنا إلى نتيجة فيزيائية، بحيث نجد أنه سرعان ما يحدث الانفصام والانفصال بين الخليطين غير المتحدين كيميائيًا، ويمصل اللبن ويفرط المزيج.

 

جدة في 3/01/1431هـ

        9/12/2010م

                                                                   رفيق يونس المصري