الأجر على خطابات الضمان المصرفية وضمان الودائع في البنوك الإسلامية

د. عبد الباري مشعل

(قضايا جدلية في التمويل الإسلامية) هذا عنوان الجلسة النقاشية التي عقدت مع طلبة الدراسات العليا في قسم الفقه وأصوله في رحاب الجامعة الإسلامية العالمية في ماليزيا بتاريخ 22/5/2014. وقد تناولت الجلسة المشكلات البحثية في خمسة موضوعات اقترحتها تعميق البحث فيها من قبل طلبة الدراست العليا. وسأعرض في هذا المقال لتحرير المشكلة البحثية في الموضوع الثاني وهو (الأجر على الضمان في البنوك الإسلامية).

1. تكيف خطابات الضمان المصرفية شرعًا كفالة، أو ضمانًا من البنك لعميله لصالح طرف ثالث هو المستفيد من الخطاب. والدافع إلى هذا الخطاب معاملة بين الطرف الثالث وعميل البنك ترتب بموجبها التزام على العميل لصالح الطرف الثالث، واشترط هذا الطرف تقوية هذا الالتزام بتعهد البنك بالدفع على سبيل الكفالة والضمان.

2. والبنوك لا تمنح هذا الالتزام إلا بناء على دراسة لوضع العميل ائتمانيًا ومدى ملاءته المالية، وقدرته على السداد، وتشترط على العميل تقديم ضمانات عينية، أو نقدية، وتسمى الضمانات النقدية الغطاء النقدي لخطابات الضمان، وقد يكون هذا الغطاء بالنظر إلى قيمة خطاب الضمان كلياً أو جزئيًا وقد لا يكون هناك غطاء نقدي.

3. استقر العرف المصرفي التقليدي على أن يأخذ البنك المصدر لخطاب الضمان أجرًا بنسبة من مبلغ خطاب الضمان، وفي بعض البلدان يُحدَّد هذا الرسم من البنوك المركزية ضمن لائحة لأسعار الخدمات المصرفية، ويُفرَّقُ عادة في الرسوم بين خطاب الضمان المُغَطَّى وغير المغطى.

4. لقد اشتهرت ثلاثة أقوال للفقهاء المعاصرين في الأجر على خطابات الضمان، الأول: عدم جواز أخذ الأجر على الضمان إلا بمقدار التكلفة الفعلية التي يتكبدها الضامن في سبيل الموافقة على الضمان. وقد نقل عدد من الفقهاء المعاصرين الإجماع على ذلك. وطبقًا لهذا الرأي لا مانع ان يكون الأجر على شكل شرائح تصاعدية حسب المبلغ إذا كانت التكاليف المتكبدة تختلف بحسب المبلغ كأن تحتاج المبالغ ما فوق 400 ألف دولار للموافقة على لجنة عليا يتكلف اجتماعها أكثر من اللجنة التي تنظر في المبالغ التي تقل عن هذا الحد. وهو قول مجمع الفقه الإسلامي الدولي والأيوفي. وقد ألمح المجمع إلى أن الضمان المغطى فيه معنى الوكالة، ومن ثم يجوز أخذا الأجر عليه خلافًا للاعتماد غير المغطى.

5. وقد استدل للمنع بأن الضمان من أعمال المعروف والإرفاق كالقرض فلا يحل الأجر عليه، وأنه استعداد للإقراض، ولما لم يجز الأجر على القرض، فمن باب أولى عدم جواز الأجر على الاستعداد له، وأنه لو جاز الأجر على الاستعداد للضمان لأنه منفعة، لكان جواز الأجر على القرض نفسه، فهو أكثر منفعة، ولو فرضنا أن الضامن حصَّل أجرًا على الضمان ثم نفذ الضمان بالدفع فكان مقرضًا لأصبح في الأجر شبهة الفائدة على القرض.

6. القول الثاني: جواز الأجر على الضمان مطلقًا لأن الضمان يحقق منافع معتبرة شرعًا للمتعاقدين، وهي منفعة الالتزم وتسهيل إجراء التعاقدات، وتجوز المعاوضة على هذه المنفعة، وأن الإجماع على المنع غير متحقق لوجود المخالف، وينسب هذا القول بالجواز إلى الشيخ عبدالله المنيع. وعلى أساسه أجاز التأمين التجاري أيضًا. وعلى القول بالجواز التجربة الماليزية. وقد نوقش هذا القول بأن المنفعة بالإقراض أعظم من منفعة الضمان، وكلاهما من جنس واحد وهو الإرفاق.

7. القول الثالث: جواز الأجر على الضمان مالم ينته بإقراض البنك للعميل، وذلك من أجل الخروج من شبهة العائد على القرض إن حصل، وهو قول الدكتور نزيه حماد، وكتب فيه بحثًا منشورًا في مجلة أبحاث الاقتصاد الإسلامي الصادرة عن مركز أبحاث الاقتصاد الإسلامي بجدة وقد كتب أحد المعاصرين بعده في ذلك ولم يشر إلى الدكتور نزيه فلْيُتَنَبَّه. ويأخذ بهذا القول بعض البنوك. وقد نوقش هذا القول بأن تعليل المنع بالإقراض ليس هو العلة المتفق عليها، وأن الضمان عقد إرفاق.

8. تأثرت العديد من التطبيقات بالرأي الأول، وقرَّرت رسوم الضمان بالتكلفة الفعلية على شرائح، ولم يكن الأمر في الحالين عادلاً، بل يدعو للتندُّر. فقد حددت بعض البنوك رسم خطاب ضمان بملايين الدولارات بمبلغ مائتي دولار فقط، وهو مبلغ ضئيل جدًا لا يغطي جلسة الاجتماع المنعقد، فضلاً عن الأعمال الأخرى، وفي تطبيقات أخرى حُدِّد الأجر بخمسة عشر شريحة تصاعدية، كما لو أنه تحايلًا للوصول على الرسم بنسبة من مبلغ الضمان.

9. وبغرض تحقيق المناط وتحرير محل النزاع يجب التفرقة بين ثلاثة مراحل يمر بها أي التزم مصرفي بالدفع وهي: مرحلة الدراسة الاتئمانية، ومرحلة قرار الموافقة، ومرحلة الإصدار أو التبليغ. وقد انتهى معيار الاتفاقية الائتمانية الصادر عن الأيوفي إلى جواز أخذ أجر المثل على الدراسة الائتمانية بصفتها عملاً قابلًا للاستقلال عن الضمان، بشرط أن تتاح للعميل عند الطلب. كما انتهى مجمع الفقه الإسلامي إلى جواز أخذ أجر المثل على الإصدار والأعمال الإدارية وعمليات الدفع. أما الضمان نفسه فلا يجوز فيه سوى الأجر الفعلي كما سبق بيانه.

10. وعليه فإن إصدار الضمان من المصرف عملية مركبة من ضمان وعمليات سابقة ولاحقة تصنَّفُ في عمليات الإجارة والوكالة. ولا مانع أن يكون الأجر على هذه العمليات نسبة من مبلغ الضمان أو مبلغًا مقطوعًا أكبر من التكاليف الفعلية. ويجوز للبنوك أن تأخذ أجر كل مرحلة برسم مستقل بضوابطه الشرعية، ويجوز أن تدمجها جميعًا في رسم موحد هو رسم إصدار الضمان، شريطة ألا يُراعى في ذلك جانب الضمان، بمعنى أن يتم الالتزام بالأجر العادل في الدراسة الائتمانية، وعمليات الإصدار، أما قرار الموافقة على الضمان فلا يؤخذ فيه أكثر من التلكفة الفعلية.

11. وعند التأمل في صورة الرسم الموحد إذا أخذ على شكل نسبة من مبلغ الضمان، تنشأ الحاجة إلى قرينة على عدم مراعاة جانب الضمان، وهذه القرينة فعلية وتعززها قرينة شكلية. ويقصد بالقرينة الفعلية هو وجود تسعير فعلي لخدمات الدراسة الائتمانية والإصدار كخدمة مصرفية تتطلب بذل عمل بصرف النظر عن كون الضمان مغطى أم غير مغطى، ويضاف إليها المصاريف الفعلية لقرار منح الموافقة على الضمان، والقرينة الشكلية توحيد أو تقارب الرسم الموحد بين خطاب المغطى وغير المغطى. ولا يتعين النظر إلى اختلاف الرسم بين المغطى وغير المغطى كقرينة على مراعاة جانب الضمان، بل إنه قد توجد مسوغات موضوعية لهذه الزيادة تتمثل في زيادة أعمال الدراسة الائتمانية في حال غير المغطى، وكذلك عمليات الإصدار.

إن الجهود المبذولة لتدعيم الأجر الفعلي على خطابات الضمان، أو حتى أجر مقطوع، يبدو أنها لا تصمد عند النظر الدقيق وتحقيق المناط في النازلة محل النظر، ولا تعد تطبيقًا صحيحًا بالضرورة لمجمل الأحكام الشرعية التي تم عرضها، ويبقى من الممكن أخذ الأجر على شكل نسبة من مبلغ الخطاب دون أن تشوبه شائبة الأجر على الضمان إذا تم تحييد جانب الضمان في الرسم الموحد؛ بل إن الرسم القائم حاليًا والمفروض من قبل بعض البنوك المركزية قد يكون مقبولاً، إذا علم أن الدافع للتفرقة بينهما هو ما يتطلبه غير المُغًطَّى من أعمال إضافية. وقد قبلت الأيوفي أن تكون عمولة فتح الاعتمادات المستندية بنسبة من مبلغها استنادا إلى أعمال الوكالة والإجارة المصاحبة للضمان وهي العمولة المطبقة في البنوك التقليدية. وبالمثل فإن الجهود المبذولة في تدعيم قول الجواز قد لا تبدو الحاجة إليها ماسَّة، لما سيؤول إليه الأمر في التطبيق من تقارب بين القول الأول والثاني. وسيبقى القول الثالث أقل الأقوال إغراءً للبنوك.