أدوات تداول السيولة

ناصر الزيادات

دوات تداول السيولة
- ناصر الزيادات - 05/05/1429هـ
nziyadat@gmail.com
تشير العديد من الدراسات إلى أن البنوك الإسلامية تواجه بعض التحديات في إدارة السيولة على المديات القصيرة، حيث إن البنوك الإسلامية تحتفظ بأحجام سيولة أعلى في ميزانياتها نسبة إلى إجمالي الأصول منها في البنوك التقليدية. ويعود السبب في ذلك إلى قلة أدوات إدارة السيولة المتوافقة مع الشريعة، بالإضافة إلى عدم توافر سوق حقيقية متوافقة مع الشريعة لتداول تلك السيولة.وللخروج من هذا المأزق تمت هيكلة أداة مالية متوافقة مع الشريعة عرفت باسم المرابحة على السلع الدولية أو المرابحة الدولية قصيرة الأجل. ورغم وجود بعض الأدوات غير تلك الأداة، إلا أن غالبية البنوك والمؤسسات المالية الإسلامية تستخدم المرابحة على السلع الدولية لإدارة سيولتها. وفي المرابحة على السلع الدولية يتعامل عادة البنك الإسلامي مع بنك أجنبي تقليدي ويوكله لشراء سلعة دولية من سمسار أو تاجر لتلك السلعة بالسعر الفوري ومن ثم يبيعها البنك التقليدي لتاجر أو سمسار آخر بثمن آجل مع زيادة في السعر. ويشكل الفرق بين عمليتي الشراء الفوري والبيع الآجل الربح على تلك العملية الذي يستفيد منه البنك الإسلامي ووكيله الأجنبي. وهذا هو الإطار النظري العام لعملية مرابحة على السلع الدولية يكون فيها البنك الإسلامي مستثمراً بمبلغ من المال على المدى القصير. فهل هذا ما يحصل في الواقع العملي التطبيقي؟
في الواقع العملي، لا يكون هناك قبض حقيقي للسلعة المباعة والمشتراة، بل ربما يكون قبض حكمي من خلال إيداع السلعة باسم البنك التقليدي (باعتباره وكيلا للبنك الإسلامي) لدى السمسار الأول وبالمقابل إيداع قيمة السلعة المشتراة في حساب السمسار الأول لدى البنك التقليدي. ثم يقوم البنك التقليدي ببيع تلك السلعة التي قبضها ربما قبضاً حكمياً بيعاً آجلاً لسمسار آخر مع زيادة على السعر بسبب تأجيل الدفع، وهنا أيضاً لا يتم قبض حقيقي للسلعة من قبل السمسار الثاني بل يتم خصم حساب البنك التقليدي لديه بما يساوي تلك السلعة. وفي نهاية المدة الزمنية يتم دفع المبلغ الأساس للبنك الإسلامي مع هامش ربح العملية بعد خصم عمولة البنك التقليدي وعمولات السماسرة.
إن هذا العملية التطبيقية أثارت وتثير حفيظة العديد من الخبراء والمنظرين وحتى الممارسين في الصناعة المالية الإسلامية.. فهم يرون أنها مجرد تعامل صوري من أجل أخذ مال زائد على أصل المال. بل إن أحد الاشخاص– حسب روايته- قام بزيارة إلى إحدى الدول الأوروبية حيث تتم عملية المرابحة على السلع الدولية وطلب مشاهدة تلك السلع وفوجئ أنها لا تتناسب مع حجم التعاملات التي تتم عليها لا قيمة ولا نوعاً. وهذه ربما حجة قوية لمعارضي المرابحة على السلع الدولية... ولكن ما هو البديل؟ وهل بالإمكان إيجاد بديل أفضل من تلك الأداة؟ في حقيقة الأمر كان هناك عدد من البدائل الفردية هنا وهناك ومنها صناديق السيولة... ولكن الأمر لم يؤخذ بجدية من قبل كافة الأطراف ذات العلاقة!!
إن مسألة إدارة السيولة وأدواتها وسوقها المتوافقة مع الشريعة ليست مسؤولية بنك واحد ولا مجموعة بنوك وحسب وإن كانوا هم أطرافا مهمين في تلك السوق.. بل الأمر يتعدى ذلك ليكون مسؤولية السلطات الإشرافية التي يتعين عليها أن ترعى وتدعم إيجاد مثل تلك السوق وتشرف على آليات التداول فيها، كما يتطلب الأمر من مؤسسات البحث والتطوير إيجاد أدوات مالية متوافقة مع الشريعة لإدارة السيولة، ويتطلب وجود مؤسسات مالية إسلامية ضخمة تلعب دور صناعة السوق وفقاً للأسس المتعارف عليها... وبعد هذا يمكن لأي كان أن ينتقد المؤسسات المالية الإسلامية على استخدامها للمرابحة على السلع الدولية..وحتى ذلك الحين، فإنه من المأمول من المؤسسات المالية الإسلامية التي تتعامل في المرابحة على السلع الدولية أن تمحص جيداً في السلع التي يتم التعامل عليها من حيث كمها ونوعها والتأكد التام من أن تطبيق عملية المرابحة يتم وفق الأسس الشرعية الموضوعة لها من قبل العلماء المختصين وذلك لأن تلك المؤسسات إنما تدير وتتعامل بأموال أناس استأمنوها عليها لتدار وتنمى وفقاً للشريعة.
باحث في التمويل الإسلامي، جامعة درم – المملكة المتح