لا بد من تكامل الهيئات الشرعية وتطوير أدائها للحد من تضارب الفتاوى

سعد السهيمي _ عثمان ظهير

"الاقتصادية" تناقش سبل تطوير الفتوى والحد من تضاربها (2-2)

لا بد من تكامل الهيئات الشرعية وتطوير أدائها للحد من تضارب الفتاوى
- سعد السهيمي _ عثمان ظهير - 04/05/1428هـ


تواصل "الاقتصادية" مناقشة الفتوى وتضاربها في الواقع الإسلامي وسبل تطويرها والوقوف على مسببات هذا التضارب الذي يحتاج إلى وضع
ضوابط حتى لا يكون تأثيره في المستفتين كبيرا في المستقبل، وقد طرح عدد من المختصين في المجال الشرعي الاقتصادي عددا من الاقتراحات وسبل تطوير الفتوى وجاءت تلك الاقتراحات لتتوافق مع الحاجة الماسة إلى إنشاء لجان شرعية متخصصة للقضاء على هذا التضارب، وفي الجزء الثاني يضع بعض الباحثين المتخصصين إضافات أخرى لحل هذه الإشكالية التي تحتاج إلى وضع الحلول المناسبة في ظل الأطروحات المختلفة التي تطالب بمعالجتها.
واقع فتاوى المعاملات المعاصرة وتضاربها
في البداية أوضح الدكتور عبد المحسن بن عبد الكريم البكر، الباحث في شؤون الاقتصاد الإسلامي وقضايا الأمة ومستشار وزير الشؤون الإسلامية ومستشار شرعي، أن انتشار العلم وتيسير أسباب الوصول إلى العلماء وتنوع وسائلها وسرعتها وحرص كثير من الناس على الكسب الحلال، إذ كل لحم نبت بالسحت فالنار أولى به، ونظرا لكثرة الأمور المستحدثة، زاد شوق المرء المتمسك بدينه أن يعرف حكم الله فيها لأنه ما من فعل يحدث من المكلف إلا وفيه حكم عرفه من عرفه وجهله من جهله والجهل بالحكم الشرعي في دار الإسلام ليس مقبولا مع توافر أهل الذكر الذين يمكن الرجوع إليهم وتطمئن القلوب إلى فتاويهم، لذلك كثرت الفتوى وكثر المفتون، حتى صار المسلم في حيرة من أمره، من فتاوى متعددة في موضوع واحد تبثه الفضائيات، وتحرره الصحف وتنقله وسائل الإعلام المختلفة، وفي هذا خطر عظيم على الإسلام والمسلمين من تشتيت أفكار وعقول الناس بدون علم شرعي، وزاد الطين بلة –كما يقال- أن بعض طلبة العلم - هداهم الله - يتساهلون في أحكام كانت واضحة بالأمس تمام الوضوح – كالشمس في رابعة النهار – بدعوى التيسير على الناس أو بدعوى إجراء المراجعات أو بدعوى عموم البلوى أو تحت ضغط الواقع، حتى أضحى واقع الفتوى شبيها إلى حد ما بمهرجانات التسوق خصوصا تلك الفتوى الفضائية.
سبل تطوير الفتاوى الاقتصادية
ومن جهته قال الدكتور محمد فداء بهجت، محاسب قانوني ومستشار إداري، هناك حاجة ماسة إلى تطوير الجوانب المتعلقة بتطبيق البنوك الإسلامية للشريعة الإسلامية في معاملاتها المختلفة. فالنموذج الحالي السائد في معظم البنوك الإسلامية هو تشكيل هيئة شرعية يتم تعيينها وتحديد مكافآتها ونطاق عملها بواسطة إدارة البنك. هذه الهيئة تقوم في واقع الأمر بأعمال متعارضة مع بعضها البعض، حيث يطلق عليها في بعض الأحيان هيئة الرقابة الشرعية وهي في واقع الأمر لا تقوم بهذه الوظيفة إلا جزئيا، فالرقابة لها أسس و قواعد علمية مستقرة منها الاستقلال ومنها التأهيل الكافي، ومنها بذل العناية المهنية الملائمة. وبنظرة سريعة على واقع هذه الهيئات نجد أن معظمها يفتقد إلى هذه المعايير.إضافة إلى ذلك فإن هذه الهيئات تمارس دورا أقرب ما يكون إلى الفتوى و الاستشارات وليس الرقابة. وهذا في رأيي خلل جسيم إذ إن واقع الأمر أصبح بمثابة أن كل بنك يقوم بالإفتاء لنفسه و الرقابة على نفسه، إذ إن هذه الهيئات كما ذكرنا معينة من إدارة البنك و بمكافآت مرتفعة في معظم الأحيان. وهذا أمر يتعارض مع أبسط قواعد الاستقلال سواء فيما يتعلق بالفتوى أو الرقابة. وعليه فإني أرى أن وظيفة الفتوى هي وظيفة مركزية من صلاحية هيئة الإفتاء سواء في كل دولة على حدة أو من خلال مجامع الفقه على مستوى العالم الإسلامي.
كما أرى أن ينحصر دور الهيئات الشرعية حاليا في تقديم المشورة للبنوك وهو ما يتناسب مع حقيقة أنهم غير مستقلين عن إدارة البنك.
توحيد الفتوى
وطالب الدكتور عبد المحسن بن عبد الكريم البكر بأن تؤخذ الأحكام عن طريق المفتين الرسميين أو جهات الإفتاء الرسمية في الدولة حيث إنها الجهة المناط لها مثل هذا الاختصاص لتوحيد الفتوى وذلك منعا للتلاعب وتشتيت الآراء والإفهام.
وكذلك يمكن أن تؤخذ ممن كان أهلا للفتيا مطلعا على الأحكام وأدلتها وآراء العلماء الثقاة يمكن أن تؤخذ عنه الأحكام متى اطمأن المستفتي إلى دينه وعلمه.
وأما من عرف عنه الجرأة في الفتيا ومتابعة الأهواء والتساهل، فإنه لا يجوز أخذ الأحكام عنهم، بل يجب على الدولة أن تحجر عليهم وتمنعهم من الضلال والإضلال، مثلما تمنع أدعياء الطب من ممارسته، فإن ضرر هؤلاء متلف لأجسام، وضرر أولئك متلف للدين ومهمة الدولة حماية الناس في أرواحهم ودينهم وأموالهم.
ومن ثم نحذر كل الحذر من فتاوى المنتديات والتي غالبا تأتي من مجهول، أو جاهل، أو معتمد للفتيا والتشكيك والنيل من الإسلام باسم الإسلام.
أسباب اختلاف وتضارب الفتاوي
أما الدكتور أحمد عمر هاشم‏،‏ أستاذ الحديث وعلوم القرآن ورئيس جامعة الأزهر السابق، فيرجع أسباب اختلاف وتضارب الفتاوي والاجتهادات الفقهية إلى اختلاف المذاهب الفقهية بين الأئمة الأربعة مالك وأبو حنيفة وأحمد بن حنبل والشافعي‏،‏ موكدا أيضا أن الاختلاف في الفروع وليس في الأصول‏,‏ وقد كان الأئمة الأربعة يتقبلون آراء بعضهم البعض عكس ما نلاحظه الآن‏,‏ وما نراه من اتهامات بالجهل أو موالاة الحكام مثلا وهنا تكمن الأزمة‏.‏
ويتساءل أحمد عمر هاشم‏:‏ هل اختلاف الأئمة الأربعة كان لأسباب سياسية أو موالاة للحكام يجب أن نرد بذلك على من يروجون لمثل هذا الكلام عندما تختلف الفتاوي والأحكام الفقهية من عالم لآخر‏,‏ أو من بيئة ومجتمع لمجتمع آخر‏,‏ ويكفي هنا أن نشير إلى أن الإمام الشافعي كان له مذهب في العراق‏,‏ وعندما جاء إلى مصر أسس لمذهب فقهي آخر يتوافق مع طبيعة المجتمع والمكان الذي يعيش فيه وظروف وعادات هذا البلد‏.‏ والفقه الإسلامي متجدد‏,‏ ولكل قوم إمامهم ولكل بلد ظروفه‏..‏
فالحلال إذن بين والحرام بين وبين كليهما أمور تشتبه على كثير من الناس هل هي من الحلال أم من الحرام؟ وعن ذلك روي عن الرسول صلي الله عليه وسلم أنه قال‏:‏ "الحلال بين والحرام بين وبينهما أمور مشتبهات لا يعلمها كثير من الناس فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لعرضه ودينه ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام كالراعي حول الحمى يوشك أن يرتع فيه،‏ ألا وإن لكل ملك حمى,‏ ألا وإن حمي الله في أرضه محارمه‏,‏ ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله‏,‏ ألا وهي القلب‏". تلك الأمور التي تشتبه على كثير من الناس وهل هي من الحلال أم من الحرام كانت من نصيب العلماء والفقهاء الذين أمرنا الله تبارك وتعالى بسؤالهم عنها حينما قال جل جلاله "فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون"‏.‏ وحول هذا الحديث وتلك الآية الكريمة وغيرها من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية يكون خلاف الفقهاء في كثير من القضايا التي تمس حياة الكثير ممن لا يعلمون هل هي حلال أم حرام‏!‏
فقد أنزل الله تبارك وتعالى على نبيه الكتاب‏,‏ وبين فيه للأمة ما تحتاج إليه من حلال وحرام كما قال جل جلاله‏:‏ "ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء" أو كما قال رسول الله صلي الله عليه وسلم‏:‏ "تركتكم علي المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك‏".‏ وما ترك الله ورسوله حلالا إلا مبينا ولا حراما إلا مبينا‏,‏ لكن بعض هذا الحلال أو الحرام كان أكثر توضيحا وبيانا في آيات قرآنية وأقل وضوحا في بعضها، ومن هنا قال العلماء إن القرآن يفسر بعضه بعضا‏,‏ وما لم يكن مفسرا أو موضحا بالقرآن فسرته وأوضحته السنة النبوية الشريفة‏.‏ وما كان غير واضح بأنه حلال أو بأنه حرام وما استجد في حياة المسلمين من أمور وقضايا هي في حاجة دائمة إلى بيان حكم الشرع فيها فقد ألقى الله بالمسؤولية على عاتق علماء الفقه والشريعة حين قال‏: "‏فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون" وهؤلاء أيضا هم من خصهم الرسول صلي الله عليه وسلم في حديثه لا يعلمها كثير من الناس فتلك الأمور المشتبهة وهل هي حلال أم حرام هناك من الناس من يعلمها وهي مشتبهة على من لا يعلمها‏.‏
أهم ضوابط الفتاوى
كما أوضح الدكتور محمد فداء بهجت أنه بالنسبة لدور الرقابة الشرعي فمن الضروري الاتفاق على نموذج يتوافر فيه أسس ومعايير الرقابة العلمية حتى يكون هذا الدور دورا حقيقيا يؤدي إلى اطمئنان المتعاملين بالالتزام التام بالشريعة الإسلامية شكلا وجوهرا وروحا من خلال جهة مستقلة ومؤهلة تأهيلا كافيا وتمارس عملها ببذل العناية المهنية اللازمة و تقوم بتوصيل نتائج أعمالها إلى فئات المتعاملين المختلفة بوضوح.
وأفاد الدكتور عبد المحسن بن عبد الكريم البكر أنه لما كان أكثر الأنظمة والمعاملات مستحدثة، مما لم يتعرض له علماؤنا الأوائل-رحمهم الله – كان لزاما على من يتعرض للفتيا في هذه المسائل الجديدة مراعاة الضوابط الشرعية والتي من أهمها ما يلي:
أن يحاول تكييفها تكيفا صحيحا وذلك بالاستعانة بأهل الخبرة في الشؤون المالية والاقتصادية لفهم واقع المسألة محل الفتوى.
فإن أمكن ردها إلى نص الكتاب والسنة فلامحيص أن تكون فتياه مطابقة للكتاب والسنة، وإلا كان متبعا للهوى متقولا على الله ورسوله مستحقا لغضب الله وأليم عقابه والعياذ بالله.
وإن كان بعد التكييف الصحيح للنازلة الجديدة يمكن أن يردها إلى مسألة تنازع فيها علماؤنا الأقدمون، وكانت أدلتهم فيها متقاربة، فمهمة المفتي في هذا العصر –حسبما أظن- أن بفتي بالرأي الذي يغلب على ظنه أنه أوفق للمصلحة وأيسر على الناس إذ ليس العلم الذي يحرم على الناس فكل إنسان يستطيع ذلك وإنما العالم الذي يحلل للناس على نور من كتاب الله ورسوله كما يقول سفيان - رحمه الله - وذلك أخذا بقوله –صلى الله عليه وسلم-(يسروا ولا تعسروا).
وأما إذا تبين للمفتي بعد التكييف الصحيح أن هذه المسألة لم يتعرض لها الأقدمون لا من قريب ولا من بعيد فليحكم في ذلك قواعد الشريعة العامة مغلبا المصلحة الشرعية مراعيا –قدر الإمكان- قاعدة درء المفاسد مقدم على جلب المصالح.
ومما ينبغي أن يكون محلا للاعتبار أن الأحكام المبنية على الأعراف والعادات تتغير بتغير الأعراف والعادات، وهذا معنى قول الفقهاء في كثير مما اختلف فيه علماؤنا الأولون: ((ليس هذا اختلاف حجة وبرهان وإنما هو اختلاف عصر وأوان)).
وأميل في نهاية الأمر إلى أن تكون الفتوى الاقتصادية فتوى جماعية، وذلك بقصد توحيد جهة الفتوى، ومنع تضاربها.