فتوى باكستانية تحرم التعامل مع البنوك الإسلامية باعتبارها نسخة من التقليدية

محمد الخنيفر

فتوى باكستانية تحرم التعامل مع البنوك الإسلامية باعتبارها نسخة من التقليدية

محمد الخنيفر من الرياض-هاتفيا من كراتشي - - 20/09/1429هـ
أكدت لـ "الاقتصادية" مصادر مصرفية أن مجموعة من الفقهاء الباكستانيين قد أصدروا فتوى يحرمون فيها علانية المنتجات الإسلامية التي يقدمها القطاع المصرفي لديهم، وذلك عقب تزايد الانتقادات الموجة لمنتجات بعض البنوك الإسلامية الخليجية التي يشوبها الجانب الاستغلالي.
ويخشى مراقبون أن تتأثر استثمارات البنوك الخليجية، التي تمتلك نوافذ إسلامية، في حالة امتثال ما يصل إلى 160 مليون نسمة من الباكستانيين لهذه الفتوى التي تعد الأولى من نوعها في الدول الإسلامية.
واعتبر علماء دين ينتمون إلى "المجلس الفقهي" في كراتشي أن الصيرفة الإسلامية بشكلها الحالي مخالفة للشريعة ومحرمة، وقضوا في بيان لهم أن البنوك التي تعمل باسم الصيرفة الإسلامية لا تختلف عن البنوك الأخرى، وأن التعامل معها لا يجوز شرعاً.
وناقش الاجتماع الذي ترأسه سليم الله جان رئيس تنظيمات المدارس وحضره عدد من كبار العلماء من جميع أنحاء باكستان بالتفصيل البحوث المصرفية التي أعدها العلماء وتجاربهم الشخصية في ضوء الأسئلة والمشكلات التي ترد إلى المراكز المعنية من العامة.
وهنا قال سليم الله جان، في تصريح نشرته صحيفة "ذا نيوز" الباكستانية، إن علماء الدين كانوا على اتصال بالبنوك التي تدعي أنها تزاول الأنشطة البنكية الإسلامية وأجروا أبحاثاً على الممارسات البنكية السائدة في ضوء ما ورد في القرآن الكريم والسنة، فضلاً عن ذلك فقد عقدوا اجتماعات مع خبراء البنوك الاقتصاديين. وقال في هذا الصدد إن العلماء أعلنوا بالإجماع بعد دراسة مفصلة أن البنوك الإسلامية مخالفة للشرع.
"الاقتصادية" بدورها تحدثت مع أحد كبار فقهاء البنوك الذي أمضى 17 عاماً في باكستان، حيث أكد صحة تلك الفتوى. وأضاف الفقيه الذي فضل عدم الكشف عن هويته أن باكستان بلد تسوده الانقسامات والخلافات، وتعتبر الانقسامات التي تقوم على عوامل دينية هي المصدر الحقيقي للمتاعب التي يواجهها هذا البلد.
وتابع "إن ما لا يدركه الأجانب من مسلمين وغيرهم عن باكستان، وخاصة عن مجتمعها الديني هو أن هذه الخلافات الدينية التي هي في الغالب أمور بسيطة بين المذاهب الفقهية، يجري تضخيمها على يد الأئمة، لن أقول عنهم علماء لكيلا يحولونها إلى قضايا حياة وموت، وبدورها، تنزل جموع الشعب البسيطة وغير المتعلمة إلى الشوارع، حيث تحول هذه القضايا إلى قضايا حياة وموت. "إنا لله وإنا إليه راجعون."
استخدام الدين لتوليد الأرباح
وكانت "الاقتصادية" قد نشرت مقالاً لشاكر حسين المدير التنفيذي لشركة Creative Chaos Ltd الباكستانية، قبل عام ذكر فيه أن الدين يستخدم دون خجل أو وجل لتوليد الأرباح للشركات وذلك بطرق وأساليب لم يشاهد مثلها في أي مكان آخر من العالم.
وأضاف "ما عليك إلا أن تفتح الجريدة حتى تقع عيناك على صورة للكعبة مع عبارة تشجعك على شراء منتج والمشاركة في سحب قد تفوز عبره بزيارة للأراضي المقدسة لتأدية الحج أو العمرة. وترى بعدها عبارات مثل "اشتر بنزيناً وادخل في سحب للفوز برحلة إلى الأراضي المقدسة".
وأردف قائلا: "تعد الصيرفة الإسلامية ظاهرة أخرى من الظواهر التي اعتبر أنها محيرة بالنسبة لي شخصياً لأن استبدال كلمة "فائدة" بكلمة "ربح" والحصول على فتوى من أحد علماء الدين لإجازة هذا المنتج لا يجعله حلالاً في رأيي". ويواصل "إن الضرب على وتر الدين لزيادة الإيداعات لا يعد في نظري طريقة نظيفة لجني الأموال. هل هذا هو ما انحدرت إليه الأمور؟ إن البنوك الإسلامية تشبه البنوك الأخرى ولم يؤسسها أصحابها من المستثمرين ليضمنوا الراحة الدينية لعملائهم، بل لكي يجنوا أرباحاً طائلة - لا أكثر ولا أقل".
ويخشى المراقبون أن تكون هناك تداعيات لهذه الفتوى على البنوك الخليجية الإسلامية. وتبعاً للبنك المركزي توجد ستة بنوك إسلامية تعمل في باكستان من ضمنها بنك البركة الإسلامي الذي يعمل كبنك أجنبي، وهو ثاني أقدم بنك إسلامي.
وتبلغ الحصة السوقية لبنك البركة الإسلامي من حيث الودائع والتمويل وإجمالي الأصول في الباكستان نحو 12 في المائة، ويعمل في البلاد منذ عام 1991 ولديه 18 فرعاً حتى نهاية عام 2007، وتبلغ قاعدة الودائع لديه نحو 238 مليون دولار وإجمالي أصوله قدره 308 ملايين دولار.
وبالنسبة لبنك ميزان، فهو مملوك بنسبة 30 في المائة للشركة الباكستانية ـ الكويتية للاستثمار. ويمتلك بنك شامل البحريني، وشركة نور المالية للاستثمار التي تتخذ من الكويت مقراً لها، والبنك الإسلامي للتنمية على التوالي 26 و16 و9 في المائة من بنك ميزان.
من ناحية أخرى، قلل خبير مصرفي غربي من ردة الفعل الدولية لهذه الفتوى. مستبعدا في حديثه المقتضب مع "الاقتصادية" أن تتحول تلك الفتوى لكرة ثلج تتدحرج نحو الدول الإسلامية الأخرى. يقول المصدر الذي امتنع عن الكشف عن هويته "لا خوف من ذلك. فلن يمتد أثر تلك الفتوى إلى الدول الأخرى. إنني أعتقد أن صناعة المال الإسلامية، بمؤسساتها وبنوكها، ستتجاهل هذه الفتوى".
الصكوك المنقذة
يوجد لدى باكستان 12 بنكا تقليديا. بينما وصلت فروع شبكة الصيرفة الإسلامية إلى 289 فرعا في 2006، بعد أن كانت 150 فرعا.
وتحاول باكستان إنعاش اقتصادها الذي تضرر جراء ارتفاع أسعار النفط الخام والصراعات السياسية المستمرة منذ ما يربو على العام عبر إصدار صكوك إجارة لسد العجز في ميزانيتها. فقد بلغ التضخم في ثاني أكبر اقتصاد في منطقة جنوب آسيا العام الماضي أعلى مستوى له في 30 عاماً، واتسع عجز الميزانية ليصل إلى 7 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي أيضا. وتعد باكستان ثاني أكبر بلد إسلامي في العالم بعد إندونيسيا، وتبلغ نسبة المسلمين فيها 97 في المائة من عدد السكان البالغ 160 مليون نسمة.