غياب الرقابة الشرعية المركزية أسهم في إضعاف بعض أدوات المصرفية الإسلامية

فتح الرحمن يوسف

الموضوع: غياب الرقابة الشرعية المركزية أسهم في إضعاف بعض أدوات المصرفية الإسلامية

عبد الباري مشعل: غياب الرقابة الشرعية المركزية أسهم في إضعاف بعض أدوات المصرفية الإسلامية
مدير شركة «رقابة للاستشارات البريطانية» لـ «الشرق الأوسط» : البنوك المركزية تهتم بجوانب الائتمان والمخاطر
فقط
عبد الباري مشعل
فتح الرحمن يوسف
أكد الدكتور عبد الباري مشعل، المدير العام لشركة رقابة للاستشارات في بريطانيا، أن الرقابة الشرعية في البنوك
الإسلامية تعاني من ضعف الاستقلالية، مما يؤثر على الكفاءة والموضوعية في أداء أعمالها، بالإضافة إلى تقاعس
السلطات الإِشرافية، وما في حكمها، عن إكمال الإطار المهني والتشريعي للرقابة الشرعية، بجانب ضعف القدرات
والمهارات الرقابية من الناحية المهنية لدى أغلبية ممارسي التدقيق الشرعي في البنوك والمؤسسات المالية الإسلامية.
وأوضح مشعل في حديث خاص لـ «الشرق الأوسط» أن هناك غياباً شبه كامل للرقابة الشرعية المركزية، مشيراً إلى
أن البنوك المركزية تهتم بجوانب الائتمان والمخاطر دون الاهتمام بما يتعلق بالرقابة الشرعية بأي شكل من الأشكال،
الأمر الذي يجعل دورها ضعيفاً في تطوير الصناعة المالية الإسلامية.. إلى تفاصيل الحوار: > ما تقييمكم لواقع الرقابة
الشرعية والدور المنوط بها في تطوير صناعة المصرفية الإسلامية؟ ـ في الجملة، يمكن القول إن الرقابة الشرعية في
البنوك الإسلامية تعاني من ضعف في ثلاثة جوانب، الأول الاستقلالية مما يؤثر على الكفاءة والموضوعية في أداء
أعمالها، والثاني تقاعس السلطات الإِشرافية وما في حكمها عن إكمال الإطار المهني والتشريعي للرقابة الشرعية،
والثالث ضعف القدرات والمهارات الرقابية من الناحية المهنية لدى أغلبية ممارسي التدقيق الشرعي في البنوك
والمؤسسات المالية الإسلامية. لذلك نجد أنه على مستوى الاستقلالية فإن الرقابة الشرعية تعاني خلطاً بين الرقابة
الشرعية الداخلية والرقابة الشرعية الخارجية، كما تعاني من غياب الرقابة الشرعية المركزية، وحتى يفهَم هذا الجانب
من الضعف، يجب أن أوضح أن الرقابة الشرعية في البنوك والمؤسسات المالية الإسلامية، كنظرية مدعومة
بالممارسة وبالتجارب المماثلة على صعيد المراجعة المالية، يجب أن يكون لها ثلاثة أقسام مساندة، وهي المراجعة
الشرعية الداخلية وتعني وجود فريق للمراجعة يتبع لجنة المراجعة التابعة لمجلس إدارة المؤسسة، وتكون تبعيته إدارية
وفنية ومالية، أي في جوانب التعيين والفصل والمكافأة والمساءلة والتقرير، ويستهدف هذا النوع من المراجعة مساعدة
إدارة المؤسسة على قيامها بالمسؤولية الملقاة على عاتقها وهي تنفيذ المعاملات بشكل مطابق لقرارات هيئة الرقابة
الشرعية للمؤسسة.
أما القسم الثاني فيتعلق بالمراجعة الشرعية الخارجية، وتعني وجود فريق للمراجعة يتبع الجمعية العامة للمساهمين،
وتكون تبعيته إدارية وفنية ومالية، أي في جوانب التعيين والفصل والمكافأة والمساءلة والتقرير، وتكون مسؤوليتها
تقديم رأي مستقل للمساهمين عن مدى التزام المؤسسة بأحكام الشريعة الإسلامية، وفقاً لقرارات الهيئة الشرعية
للمؤسسة، ومن المفترض أن يقوم بذلك الدور هيئة الرقابة الشرعية للمؤسسة، التي لها مهمتان؛ الإفتاء والمراجعة
الشرعية، بغرض تقرير عن مدى الالتزام للجمعية العمومية للمؤسسة. ويفترض أن ترتبط هيئة الرقابة الشرعية
بالجمعية العمومية للمؤسسة أيضاً، من حيث التعيين والفصل والمساءلة والمكافأة والتقرير، ويقصد بالتقرير ما يتعلق
بنتائج المراجعة الشرعية الخارجية. أما القسم الثالث فهو التفتيش الشرعي من البنك المركزي، ويستهدف هذا النوع من
الرقابة تقويم بيئة العمل في المؤسسات وهيئاتها الشرعية من حيث ملاءمتها لضمان الالتزام بأحكام الشريعة
الإسلامية. > هل تعني أن الأنواع الثلاثة من الرقابة الشرعية غير متوافرة في المؤسسات المالية الإسلامية ولدى
السلطات الإشرافية كالبنوك المركزية ومؤسسات النقد؟
ـ للأسف هناك غياب شبه كامل للرقابة الشرعية المركزية، فنجد أن بعض البنوك المركزية تهتم بجوانب الائتمان
والمخاطر دون الاهتمام بما يتعلق بالرقابة الشرعية بأي شكل من الأشكال. بيد أنه لا بد من الإشارة إلى وجود بدايات
في هذا الشأن في بعض الدول، وعلى البنوك المركزية العمل على تغطية هذه الثغرة المهمة على مستوى الرقابة
الشرعية، والتي تظهر فاعلية السلطة الإشرافية، وحضورها، حمايةً لشرعية التصرفات والممارسات على مستوى
المؤسسات الخاضعة لسلطة البنوك المركزية. أما الخلط بين المراجعة الشرعية الداخلية والخارجية فحدّث عنه ولا
حرج عند بعض البنوك، ونلاحظ وجود هيئة للرقابة الشرعية مرتبطة بالجمعية العمومية للبنك، لكن نجد أن الهيئة
الشرعية نفسها لا تقوم بالرقابة الشرعية بنفسها أو من خلال أحد أعضائها، وإنما تسند هذه المهمة إلى فريق المراجعة
الشرعية الداخلية، وهذا الفريق داخلي من حيث التعيين والفصل والمكافأة والمساءلة، أي يتبع إدارة المؤسسة،
وخارجي من حيث التقرير أو يقدم التقرير للهيئة الشرعية المرتبطة بالجمعية العامة. ويلاحظ على هذا الوضع
التنظيمي أمران؛ الأول افتقاد المؤسسات للمراجعة الشرعية الداخلية رغم وجود الفريق الداخلي، وضعف استقلالية
المراجعة الشرعية الخارجية لأنها اعتمدت على فريق غير كامل الاستقلالية لارتباطه بالمؤسسة من حيث التعيين
والفصل والمكافأة والمساءلة (الناحية الإدارية والمالية) كما أوضحنا. وهذه السمات للوضع التنظيمي للمراجعة
الشرعية منسحبة على بعض البنوك الإسلامية. ومع ذلك هناك تجارب مشرقة في بعض المؤسسات حيث يقوم أحد
أعضاء الهيئة الشرعية فيها بأخذ العينات، وفحصها من الناحية الشرعية، بالإضافة إلى عمل المراجع الشرعي الداخلي
الموظف في المؤسسة والذي يمارس عمله بشكل مستمر على مدار الفترة. > كيف تؤثر الرقابة المصرفية الشرعية
والهيئة الشرعية في البنوك على بعضها البعض سلباً وإيجاباً؟ ـ الرقابة الشرعية الخارجية هي جزء من عمل الهيئات
الشرعية؛ لكن الهيئات في رأيي لا تحرص على حماية هذا الجزء بالقدر الذي تحمي به مهمة الفتوى، ولعل غياب
التصور الصحيح لدى بعض أعضاء الهيئات يقف وراء تقاعس الهيئات عن تحقيق هذا الهدف. ومن الواضح أن هناك
ترابطاً بين الهيئات والرقابة على مستوى تحقيق صفة الإسلامية الكاملة للبنك الإسلامي. وإيضاح ذلك أن الهيئات
الشرعية تمكن البنوك الإسلامية من اكتساب الهوية الإسلامية، ومن المسلّم به أنه ليس لأي بنك أن يعلن نفسه إسلامياً
إلا بوجود هيئة للرقابة الشرعية تتمتع قراراتها بالإلزام. أما اكتساب المصداقية الشرعية أمام الجمهور فليس لأي بنك
أن يكتسبها إلا بوجود دعم كافٍ لأعمال الرقابة الشرعية الخارجية والداخلية، وإذا كانت التجربة الحديثة قد غطت على
هذه المصداقية لفترة من الزمن بسبب العاطفة التي يحملها الجمهور تجاه العمل الإسلامي، إلا أن هذه التغطية لن تدوم
خاصة في ظل كثرة التطبيقات وتمايزها من جهة أولى، ومن جهة ثانية انكشاف الخلل أمام الجمهور وازدياد هذا
الانكشاف في ظل الأزمة العالمية الحالية. وهذا الوضع يفرض على هيئات الرقابة الشرعية أن تزيد من عنايتها بأعمال
الرقابة الشرعية الخارجية التي هي جزء من نطاق عملها، وأن يمتد عملها إلى توجيه المؤسسات التي تشرف عليها
لتعزيز بيئة الالتزام الشرعي الداخلية، التي تشمل تقوية الرقابة الشرعية الداخلية وتطوير أدلة العمل المتكاملة والفصل
بين الوظائف المتعارضة واستقطاب الكفاءات المؤمنة بالتجربة والاحتفاظ بها وهو أكبر تحد تواجهه المؤسسات
المالية الإسلامية. > ما تقديركم لحجم الهيئات الرقابية الشرعية وعدد العاملين فيها في المصارف الإسلامية.. وما
المشاكل التي تعاني منها؟ ـ أي متابع يرى قلة في عدد الأعضاء الممارسين فعلا في هيئات الرقابة الشرعية، وهو ما
جعل ظاهرة تكرار العضو في أكثر من هيئة ظاهرة على مستوى الصناعة المالية الإسلامية، وإذا كان لهذه الظاهرة
إيجابيات من حيث نقل الخبرات والتجارب فإن لها سلبيات من حيث إمكانية عقد اجتماعات الهيئة في الوقت المناسب
للمؤسسة، وعند الحاجة، فضلا عن ضعف الرقابة الشرعية، وهو الجانب الأهم في موضوعنا. > ما هي أهم التحديات
التي تواجه عمل الرقابة الشرعية بالمصرفية الإسلامية؟
ـ هناك عدد من التحديات، منها المهنية، وهذا التحدي يفرض وضع إطار تشريعي ومهني على غرار الإطار الذي يحكم
عمل المراجعين الداخليين والمحاسبين القانونيين، بحيث تكون لدينا شهادة مهنية، وسجل للمراجعين الشرعيين
الخارجيين، وجمعية للمراجعين، ورقابة على المهنة من داخلها. وقد بدت بوادر هذا الشيء بظهور شهادة المراقب
والمدقق الشرعي من هيئة المحاسبة والمراجعة للمؤسسات المالية الإسلامية. ونتمنى أن نرى السلطات الإشرافية في
الدول التي فيها بنوك إسلامية قد وضعت هذا الإطار التشريعي وألزمت به رسمياً على غرار المراجعة المالية. وأخيراً
تحدي الاستقلالية، والذي يفرض التحدي على السلطات الإشرافية قبل غيرها لتصحيح الأوضاع القائمة التي تتضمن
ضعفاً في الاستقلالية وجانباً من تعارض المصالح على مستوى بعض أعضاء هيئات الرقابة الشرعية. ونتمنى أن
نرى التصحيح قد بدأ بفرض استقلالية الهيئات وما يتبعها من أجهزة عن الهيكل التنظيمي للمؤسسة، وتحديد الأتعاب
الكاملة للهيئات وما يتبعها من أجهزة من قبل الجمعية العامة للمساهمين