على حافة جهنم: تطبيق من داخل البنوك الإسلامية

د.عبد الباري مشعل

1. "حُطْ بينك وبين النَّار مُطَوِّع" مثلٌ يعرفه أهل نجد، ويُقصد بالمطوع المتطوع، وقد درج إطلاق الكلمة على المشايخ وأهل العلم، ومن يظهر على سيماهم أنهم كذلك، ويقصدون به أن يستفتي الإنسان فيما يعمل ويريح باله، ويصبح بالتالي إثم عمله على من أفتى له بالجواز. وسيبدو هذا الحرص كبيرا مع قدوم شهر رمضان.
2. هذا المثل ينطبق على هيئة الرقابة الشرعية في البنوك في علاقتها برئيس مجلس الإدارة أو الرئيس التنفيذي للبنك، فمن يحجب من عن النار المجلس أم الهيئة؟
3. هذا سؤال حساس ولا يدركه إلا من عاصر وجرَّب. لأن العلاقة بين الطرفين تمر بمراحل يشوبها الشد والجذب والمد والجزر خاصة في الحالات التي تتوقف فيها الهيئة عن إجازة بعض الأعمال، أو تجري عليها تعديلات جوهرية، أو عندما تحكم بتجنيب أرباحها.
4. في الحالات الثلاث وفي مرحلة الدراسة تبدي إدارة البنك عدم ارتياحها لتوجه الهيئة وتبذل كل ما في وسعها لتقديم التوضيحات والمسوغات والظروف والملابسات لعل وعسى أن تغير من توجهها.
5. وفي بعض الحالات الأكثر خطرًا وفي ظل شروح وتفصيلات تتقدم بها الإدارة تضطر هيئة الرقابة الشرعية إلى إجازة بعض الأعمال التي يبدو أمر إجازتها ضربًا محفوفًا بمخاطر شرعية كبيرة، غير أن الهيئة تتخذ شكلاً من الفتوى يمكن تسميته بالفتوى الافتراضية وتتجاوز تحقيق المناط في الواقعة أو النازلة محل السؤال.
6. ويقصد بالفتوى الافتراضية هي التي تتضمن شروط الجواز بـ (إذا)، و باستخدام تقنية "إذا" تصدر الفتوى بالجواز مع قيد ("إذا" كان العمل مطابقًا للشريعة الإسلامية)، أو ("إذا" خلا عن الفوائد الظاهرة والمستترة). وأحياناً يصدر الجواز على تصور حالة افتراضية لا تنطبق على الحالة محل السؤال، ولكن يتخذ البنك من الفتوى أساسًا لإجازة الحالة محل السؤال.
7. ويوازي "إذا" الافتراضية، أن تشتمل الفتوى الصادرة بالجواز على ثغرة، يمكن للمؤسسة استغلالها في عمليات لا يمكن أن تجيزها الهيئة بشكل صريح مثل عمليات قلب الدين وفسخ الدين بالدين، فتصدر الفتوى خالية عن التصريح بالشرط المانع، وينفتح الباب على مصراعية في التطبيق استنادًا إلى تلك الفتوى في ظل تصور لدى الإدارة أن الفتوى تغطي التصرف، وتصور لدى الهيئة أن الإدارة تجاوزت في التطبيق.
8. في بعض الحالات تتعمد الإدارة إخفاء حقيقة ما يجري في الواقع عن هيئة الرقابة الشرعية، ورغم علمها يقينًا بمخالفته لأحكام الشريعة الإسلامية غير أنها تستمرئ العمل به، وتتحمل إثم المساهمين، والعملاء، وجانبًا من إثم هيئة الرقابة الشرعية. وفي هذا الحالة لا يخلو عمل الإدارة من تعدِّ وتقصيرِ في عملها كأمين، وتتحمل بموجب ذلك الضمان لمن وكَّلها في الاستثمار طبقًا للشريعة الإسلامية وهو ما أقرت به على نفسها عند توليها إدارة الأعمال طبقًا للشريعة الإسلامية.
11. ورغم أن الإدارة تتحمل مسؤولية ظاهرة ومستقلة، غير أن ذلك لا يعني أن هيئة الرقابة الشرعية في البنك معفية من المسؤولية، بل إن واجبها التدقيق الشرعي على العمليات المنفذة للتأكد أنها مطابقة للفتاوى الشرعية الصادرة عنها، واتخاذ ما يلزم تجاه المخالفات التي تجدها أولًا بأول، وتعدُّ الهيئة شريكة في التقصير بأداء الأمانة الملقاة على عاتقها من قبل المساهمين والعملاء في حال لم تقدم بهذا الواجب وفق الأصول المهنية.
12. وفي كل الأحوال يجب على هيئة الرقابة الشرعية أن تتحمل مسؤولية إبداء الرأي الشرعي في مدى التزام البنك بأحكام الشريعة الإسلامية في جميع معاملاته وليس بعضها ، واتخاذ الإجراءات الكفيلة بمعالجة ما يوجد من أخطاء ومخالفات شرعية، وتجنيب آثارها المالية المحرمة من إيرادات البنك حتى تخلو هذه الإيرادات من الشوائب والعوائد المحرمة، وتطيب بذلك للمساهمين والعملاء على حد سواء.