الوعد والمواعدة الملزمة والبيوع المعلقة

د. عبد الباري مشعل

(قضايا جدلية في التمويل الإسلامي) هذا عنوان الجلسة النقاشية التي عقدت مع طلبة الدراسات العليا في قسم الفقه وأصوله في رحاب الجامعة الإسلامية العالمية في ماليزيا بتاريخ 22/5/2014. وقد تناولت الجلسة المشكلات البحثية في خمسة موضوعات تستحق مزيدًا من الدراسة. وسأعرض في هذا المقال لتحرير المشكلة البحثية في الموضوع الأول وهو (الوعد الملزم والمواعدة الملزمة والبيوع المعلقة في التمويل الإسلامي):-
1- لا ينبغي وضع الوعود في التمويل الإسلامي في سلة واحدة، فمتعلق الخلاف في كل صيغة مختلف عن الأخرى. فمتعلق الخلاف في الوعد بالشراء في المرابحة هو بيع ما لا يملك، وفي الوعد بالتمليك في الإجارة المنتهية بالتمليك هو البيع المضاف للمستقبل، وفي الوعد من الوكيل بالاستثمار والمضارب والمدير الشريك بالتعهد بالاسترداد أو الإطفاء للصكوك بالقيمة الاسمية هو ضمان رأس المال.

2- من يمنع الوعد الملزم والمواعدة الملزمة في المرابحات المحلية، فإنه يعمل به في المربحات الدولية، لأن المعاملات الدولية تقوم على المواعدة الملزمة التي يعقبها العقد. ولو كان الوعد والعقد متساويين حكمًا لما فرقت المعاملات الدولية بين مصطلح promise و contract.
3- إن الأثر المترتب على الوعد والمواعدة الملزمة في المرابحات هو التعويض عن الضرر، وهو حق شخصي متعلق بذمة المتسبب بالضرر، أما الآثار المترتبة على عقد البيع فهي حق عيني متعلق بالسلعة المبيعة والثمن المعين، وحق شخصي متعلق بالثمن غير المعين والذي يكون التزامًا بالذمة. فهل يمكن التسوية بين الوعد والعقد مع وجود هذه الفروق؟
4- لقد ذهب الدكتور نزيه حماد في بحثه عن الوعد والمواعدة في المرابحات إلى أن الوعود في المرابحة هي مواعدة ملزمة، وهي بمثابة البيع المعلق على شرط تملك المصرف للسلعة، كما قدم الدكتور العياشي فداد في بحث له في ندوة البركة مقترح البيع المعلق كبديل عن الوعد الملزم في المربحة تخفيفًا لحدة الخلاف في هذه المسألة. فهل التعليق مخرج شرعي ملائم للخلاف حول الوعد الملزم أم أنه يصطدم بالنهي عن بيع ما لايملك في المرابحات ؟
5- إن الوعد الملزم بالتمليك في الإجارة يجيزه بعض من يمنع الوعد في المرابحة، وحجتهم في ذلك أن البنك مالك للعين، ويمكنه بيعها، ومن باب أولى أن يعد ببيعها لأن الوعد أقل رتبة من البيع، ومن ثم فهو أولى بالجواز. فهل هذا التخريج كافٍ أم أنه يصطدم بالخلاف حول البيع المعلق الذي يمنعه الجمهور، ومجمع الفقه الإسلامي الدولي.
6- إن الوعد الملزم في عقود الأمانات (الوكالة والمضاربة والشركة) بضمان رأس المال غير جائز، وقد قامت الممارسات على بعض الحلول التي تبيَّن ضعفُها لاحقًا. ومن ذلك الوعدُ بالضمان بوثيقة مستقلة عن العقد، وكذلك الوعدُ بالضمان بعد العقد عملًا برأيٍ للمالكية، وأكثرُ تطبيقات الصكوك وخاصة في المضاربة قامت على الوعد من المضارب بشراء أصول المضاربة بقيمتها الاسمية أي بتكلفتها قياسًا على الوعد في المرابحة، ولم تنجح هذه التطبيقات عندما عُرضت على هيئة المحاسبة والمراجعة للمؤسسات المالية الإسلامية (AAIOFI) وعلى مجمع الفقه الإسلامي الدولي.
إن مسائل الوعد والمواعدة تحتاج لمزيد من البحث والتحرير لأن الحاجة إليها من الناحية التطبيقية مُلِحَّة، ومن المُهِم أن تتناولها الأبحاثُ بالفرز والتحرير، والتحليل الفقهي المعمَّق، وتقديم الحلول والبدائل للتطبيقات التي بان ضعفُها، خاصةً على مستوى الوعد في عقود الأمانة. ولا يحسن التوقف في ظل تزايد التطبيقات وانتشارها والاحتياج العملي لتطبيق الوعود الملزمة. وسأتناول في المقال القادم موضوع (التسعير بآلية لايبور + هامش ((LIBOR plus في التمويل الإسلامي في ضوء مقاصد الشريعة).
د.عبدالباري مشعل
26/5/2014