الاستثمار في الأسهم

د. علي محيي الدين القره داغي

يقول الدكتور : علي محيي الدين القره داغي
كلية الشريعة والقانون والدراسات الإسلامية - جامعة قطر
فيما سطره بعنوان :

الاستثمار في الأسهم

القسم الثاني : أسهم لم تتوافر فيها الشروط السابقة .
و هي أسهم لشركات قد تودع في بعض الأحيان بعض أموالها في البنوك بفائدة ، أو تقترض منها بفائدة ، أو قد تكون نسبة قليلة من معاملاتها تتم من خلال عقود فاسدة كمعظم الشركات في الدول الإسلامية ، والشركات في الدول غير الإسلامية مما يكون محلها أموراً مباحة كالزراعة ، والصناعة والتجارة
حكم هذا القسم من الأسهم : بعد ذكر تلك المبادئ نعود إلى حكم هذا القسم من الأسهم ، واختلاف المعاصرين ، وأدلتهم مع الترجيح .
لقد اختلف المعاصرون على رأيين :
الرأي الأول : هو حرمة التصرف في هذه الأسهم ما دامت لا تقوم على الحلال المحض ، وبعضهم فضل وجود هيئة رقابة شرعية لها .
أنظر ( الأسواق المالية للأستاذ الدكتور علي السالوس ، بحث مقدم لمجمع الفقه الإسلامي بجدة في دورته السادسة ) .
الرأي الثاني : إباحة الأسهم ( السابقة ) والتصرف فيها .

هذا وقد قال الكثيرون بإباحة الأسهم في الدول الإسلامية مطلقاً دون التطرق إلى التفصيل الذي ذكرته ، منهم الشيوخ : علي الخفيف ، وأبو زهرة ، وعبد الوهاب خلاف ، وعبد الرحمن حسن ، وعبد العزيز الخياط ، ووهبة الزحيلي ، والقاضي عبد الله بن سليمان بن منيع ، وغيرهم على تفصيل وتفريع لدى بعضهم يجب أن يراجع .
أنظر ( الشركات للشيخ علي الخفيف ص ( 96 – 97 ) ؛ وبحث الشيخ أبي زهرة المنشور في منشورات المؤتمر الثاني لمجمع البحوث الإسلامية ( 2 / 184 ) ؛ ود. الخياط : الشركات في الشريعة الإسلامية والقانون الوضعي ط. الرسالة (2/187)؛ وبحث د. وهبة الزحيلي المقدم لمجمع الفقه الإسلامي في دورته السادسة، ص ؛ ود. صالح بن زابن : المرجع السابق ص ( 342 ) ؛ وبحث القاضي عبد الله بن سليمان المشار إليه سابقاً ) .
وقد بنى أصحاب الرأي الأول رأيهم على أن هذه الأسهم ما دام فيها حرام ، أو تزاول شركاتها بعض أعمال الحرام كإيداع بعضها بعض أموالها في البنوك الربوية فتصبح هذه الأسهم محرماً شراؤها ، بناء على النصوص الدالة على وجوب الابتعاد عن الحرام ، والشبهات ، وعلى قاعدة : إذا اجتمع الحلال والحرام غلب الحرام .
أما المبيحون فهم يعتمدون على أن الأسهم في واقعها ليست مخالفة للشريعة ، وما شابها من بعض الشوائب والشبهات والمحرمات قليل بالنسبة للحلال ، فما دام أكثرية رأس المال حلالاً ، وأكثر التصرفات حلالاً فيأخذ القليل النادر حكم الكثير الشائع ، ولا سيما أنه يمكن إزالة هذه النسبة من المحرمات عن طريق معرفتها من خلال الميزانية المفصلة ، أو السؤال عن الشركة ، ثم التخلص منها . (65)
ويمكن تأصيل ذلك من خلال القواعد الفقهية ، ونصوص الفقهاء ، المبنية على عموم الشريعة ومبادئها في اليسر ، رفع الحرج على ضوء ما يأتي :
أولا ً: اختلاط جزء محرم لا يجعل مجموع المال محرماً عند الكثيرين ، حيث أجازوا في المال الحلال المختلط بقليل من الحرام التصرفات الشرعية من التملك والأكل والبيع والشراء ونحوها، غير أن الفقهاء فرقوا بين ما هو محرم لذاته وما هو محرم لغيره ، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية : "إن الحرام نوعان": حرام لوصفه كالميتة والدم ولحم الخنزير، فهذا إذا اختلط بالماء والمائع وغيره من الأطعمة، وغير طعمه، أو لونه، أو ريحه حرم ، وإن لم يغيره ففيه نزاع...
والثاني : الحرام لكسبه : كالمأخوذ غصباً ، أو بعقد فاسد فهذا إذا اختلط بالحلال لم يحرمه ، فلو غصب الرجل دراهم ، أو دنانير أو دقيقاً ، أو حنطة ، أو خبزاً، وخلط ذلك بماله لم يحرم الجميع لا على هذا ولا على هذا بل إن كانا متماثلين أمكن أن يقسموه ، ويأخذ هذا قدر حقه ، وهذا قدر حقه .
فهذا أصل نافع ، فإن كثيراً من الناس يتوهم أن الدراهم المحرمة إذا اختلطت بالدرهم الحلال حرم الجميع ، فهذا خطأ ، وإنما تورع الناس فيما إذا كانت – أي الدراهم الحلال– قليلة ، أما مع الكثرة فما أعلم فيه نزاعاً... مجموع الفتاوى، ط. الرياض (29/320-321) .
وعلى ضوء ذلك فمسألتنا هذه من النوع الثاني حيث كلامنا في أسهم شابتها بعض تصرفات محرمة كإيداع بعض نقودها في البنوك الربوية .
وحتى تتضح الصورة أكثر نذكر نصوص الفقهاء في هذه المسألة :
يقول ابن نجيم الحنفي : " إذا كان غالب مال المهدي حلالاً فلا بأس بقبول هديته، وأكل ماله ما لم يتبين أنه حرام ، وإن كان غالب ماله الحرام لا يقبلها، ولا يأكل إلا إذا قال: إنه حلال ورثه، أو استقرضه " ثم ذكر أنه إذا أصبح أكثر بياعات أهل السوق لا تخلو عن الفساد والحرام يتنزه المسلم عن شرائه، ولكن مع هذا لو اشتراه يطيب له .
وقال أيضاً: "إذا اختلط الحلال والحرام في البلد فإنه يجوز الشراء ، والأخذ إلا أن تقوم دلالة على أنه من الحرام ، كذا في الأصل" الأشباه والنظائر لابن نجيم ص (112، 113، 114)؛ ويراجع حاشية ابن عابدين (4/130) .
وقال الكاساني : "كل شيء أفسده الحرام ، والغالب عليه الحلال فلا بأس ببيعه". بدائع الصنائع (6/144) .
قال ابن رشد : " وأما الحال الثانية : وهي أن يكون الغالب على ماله الحرام فالحكم فيما يجب على صاحبه في خاصة نفسه على ما تقدم سواء .( فتاوى ابن رشد (1/631 – 649) تحقيق : المختار بن الطاهر التليلي ، ط. دار الغرب الإسلامي ؛ ومواهب الجليل (5/277) .
وقال العز بن عبد السلام : "وإن غلب الحلال بأن اختلط درهم حرام بألف درهم حلال جازت المعاملة... (71) ومثله قال الزركشي " قواعد الأحكام (1/72 – 73) .
بل إن السيوطي ذكر أن الأصح عند فقهاء الشافعية – ما عدا الغزالي - أنهم لم يحرموا معاملة من أكثر ماله حرام إذا لم يعرف عينه ، ولكن يكره .
قال في الإحياء: "لو اختلط في البلد حرام لا ينحصر لم يحرم الشراء منه بل يجوز الأخذ منه إلا أن يقترن به علامة على أنه من الحرام " .
وقال : ويدخل في هذه القاعدة تفريق الصفقة ، وهي أن يجمع في عقدين حرام وحلال ، ويجري في أبواب ، وفيها غالباً قولان ، أو وجهان أصحهما الصحة في الحلال ، والثاني البطلان في الكل... ومن أمثلة ذلك في البيع أن يبيع خلًّا وخمراً... الأشباه والنظائر للسيوطي ص (120 – 121)؛ وحاشيتي: القليوبي مع عميرة على المنهاج 2/186.
وقال ابن المنذر : اختلفوا في مبايعة من يخالط ماله حرام ، وقبول هديته وجائزته ، فرخص فيه الحسن ، ومكحول ، والزهري والشافعي ، قال الشافعي : "لا أحب ذلك، وكره ذلك طائفة..." المجموع للنووي (9/353)، ط. المنيرية.
وقد ذكر ( شيخ الإسلام ابن تيمية ) أن خلط الحرام بالحلال لا يحرم جميع المال .
كما ذكر أن المجهول في الشريعة كالمعدوم والمعجوز عنه ، ولذلك إذا لم يعلم صاحب اللقطة حل لملتقطها بعد التعريف بها ، ومن هنا ، فإذا لم يعلم حال ذلك المال الذي بيده بنى الأمر على الأصل ، وهو الإباحة مجموع الفتاوى (29/311 – 323) .
وذكر ( شيخ الإسلام ) في جواب سؤال حول التعامل مع من كان غالب أموالهم حراماً مثل المكاسين وأكلة الربا ؟
فأجاب : "إذا كان الحلال هو الأغلب لم يحكم بتحريم المعاملة وإن كان الحرام هو الأغلب ، قيل بحل المعاملة ، وقيل : بل هي محرمة ، فأما المعاملة بالربا فالغالب على ماله الحلال إلا أن يعرف الكره من وجه آخر .
وذلك أنه إذا باع ألفاً بألف ومائتين فالزيادة هي المحرمة فقط وإذا كان في ماله حلال وحرام واختلط لم يحرم الحلال ، بل له أن يأخذ قدر الحلال ، كما لو كان المال لشريكين فاختلط مال أحدهما بمال الآخر، فإنه يقسم بين الشريكين ، وكذلك من اختلط بماله الحلال والحرام أخرج قدر الحرام، والباقي حلال له" مجموع الفتاوى (29/272 – 273) .
وسئل ( شيخ الإسلام ) عن الرجل يختلط ماله الحلال بالحرام ؟ .
فأجاب : يخرج قدر الحرام بالميزان فيدفعه إلى صاحبه ، وقدر الحلال له ، وإن لم يعرفه وتعذرت معرفته تصدق به عنه مجموع الفتاوى (29/308) .
وقريباً من ذلك يقرره ابن القيم موضحاً أن " التحريم لم يتعلق بذات الدرهم – أي الدرهم الحرام الذي اختلط بماله – وجوهره ، وإنما تعلق بجهة الكسب فيه ، فإذا خرج نظيره من كل وجه لم يبق لتحريم ما عداه معنى... وهذا هو الصحيح في هذا النوع ، ولا تقوم مصالح الخلق إلا به " بدائع الفوائد (3/257).
وعلى ضوء هذا المبدأ نرى كثيراً من أهل العلم أجازوا التعامل مع من كان في ماله حرام ، ولكن غالبه حلال ، ومن هنا يمكن القول بإباحة التعامل في هذا النوع من الأسهم ، ولكن يخرج صاحبها بقدر نسبة الحرام فيها إلى الجهات الخيرية العامة ، مع مراعاة الضوابط التي نذكرها في الأخير بدائع الفوائد (3/257).
ثانياً : قاعدة : يجوز تبعاً ما لا يجوز استقلالاً.
وعلى ضوء ذلك فهذا النوع من الأسهم وإن كان فيه نسبة بسيطة من الحرام لكنها جاءت تبعاً، وليست أصلاً مقصوداً بالتملك والتصرف ، فما دامت أغراض الشركة مباحة ، وهي أنشئت لأجل مزاولة نشاطات مباحة ، غير أنها قد تدفعها السيولة أو نحوها إلى إيداع بعض أموالها في البنوك الربوية ، أو الاقتراض منها .
فهذا العمل بلا شك عمل محرم يؤثم فاعله ( وهم من وافق عليه بمجلس الإدارة ) لكنه لا يجعل بقية الأموال والتصرفات المباحة الأخرى محرمة ، وهو أيضاً عمل تبعي وليس هو الأصل الغالب الذي لأجله أنشئت
الشركة .
ثالثاً : قاعدة : للأكثر حكم الكل .
وقد ذكرنا فيما سبق نصوص الفقهاء في حكم المال المختلط بالحرام ، حيث إن الجمهور على أن العبرة بالأغلب .
وقد ذكر الفقهاء لهذه القاعدة تطبيقات كثيرة في أبواب الطهارة ، والعبادات، والمعاملات ، اللباس –كالحرير- والصيد ، والطعام ، والأيمان ، وغيرها . يراجع : جُمل الأحكام للناطقي، رسالة ماجستير بالأزهر، تحقيق حمد الله سيد ص (370 – 381).
إضافة إلى قاعدة : " الحاجة العامة تنزل منزلة الضرورة "–كما سبق ذكرها- وقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية أن الشراء ممن في ماله شبهة لا كراهة فيه إذا وجدت الحاجة إليه. مجموع الفتاوى (29/ 241) كما ذكر قاعدة الاعتبار بالأغلب فيمن في ماله حرام .
وتنزيل هذه القاعدة على موضوعنا من حيث إن حاجة الناس إلى أسهم الشركات في عالمنا الإسلامي مُلِحَّة ، فالأفراد كلهم لا يستغنون عن استثمار مدخراتهم ، والدول كذلك بحاجة إلى توجيه ثروات شعوبها إلى استثمارات طويلة الأجل بما يعود بالخير على الجميع .
لكن لو أقدم على شرائها المسلمون المخلصون لأصبحوا قادرين في المستقبل على منع تعاملها مع البنوك الربوية ولغيروا اتجاه الشركة لصالح الإسلام .
وهذا لا يعني أن المسؤولين القادرين في الشركة وفي غيرها على التغيير معفون عن الإثم ، بل هم آثمون ، لكن عامة الناس لهم الحق في شراء هذه الأسهم حسب الضوابط التي نذكرها، ولذلك لو كان المساهم قادراً على منع الشركة من إيداع بعض أموالها في الشركة لوجب عليه ذلك .
مناقشة الرأي الأول المانع من تداول هذا النوع من الأسهم :
أولاً: أن وجود نسبة ضئيلة من الحرام في المال الحلال لا يجعله حراماً، وإنما يجب نبذ المحرم فقط –كما سبق تفصيله-.
ثانياً:
أن اشتراط البعض في حل الأسهم أو التعامل مع الشركات وجود رقابة شرعية لشركتها لا نجد له دليلاً من كتاب ، أو سنة ، أو إجماع ، أو قياس صحيح ، فالمسلمون مؤتمنون على دينهم وعلى الحل والحرمة ، وهم مستورون ، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية :
"والمسلم إذا عامل معاملات يعتقد جوازها كالحيل..." التي يفتي بها من يفتي... جاز لغيره من المسلمين أن يعامله في ذلك المال ، ثم قال: "وأما المسلم المستور فلا شبهة في معاملته أصلاً ، ومن ترك معاملته ورعاً كان قد ابتدع في الدين بدعة ما أنزل الله بها من سلطان" مجموع الفتاوى (29/319- 324 ) .
بل إن التعامل مع الكفار جائز فيما ليس محرماً بالاتفاق ، يقول ابن تيمية :
"... وحينئذ فجميع الأموال التي بأيدي المسلمين واليهود والنصارى لا يعلم بدلالة ولا أمارة أنها مغصوبة ، أو مقبوضة لا يجوز معه معاملة القابض، فإنه يجوز معاملته فيها بلا ريب ولا تنازع في ذلك بين الأئمة أعلمه". مجموع الفتاوى (29/327).
نعم لا شك أن معرفة الحلال والحرام ضروري لكل من يدخل في السوق حتى يحافظ على دينه ، ويعلم الحلال والحرام إما بنفسه ، أو عن طريق السؤال عن أهل الذكر.
لكن لا ينبغي الحكم بعدم جواز التعامل معهم ، أو مع شركاتهم إلا مع وجود رقابة شرعية ، فهذا الشرط تعسف وتضييق لما وسعته الشريعة .
وصحيح أن وجود الرقابة الشرعية للشركة يعطي الأمان للمتعاملين معها لكن اشتراط حل التعامل بوجودها أمر يستدعي إعادة النظر.
الرأي الراجح مع ضوابطه :
الذي نرى رجحانه –والله أعلم– هو أن هذا النوع من الأسهم بالنسبة للشركات التي يمتلكها المسلمون هو ما يأتي :
أولا : أن مجلس الإدارة ، والمدير المسؤول لا يجوز لهم قطعاً مزاولة أي نشاط محرم ، فلا يجوز لهم الإقراض أو الاقتراض بفائدة .
ثانياً: أما مشاركة المسلمين في هذه الشركات السابقة وشراء أسهمها ، والتصرف فيها فجائزة ما دام غالب أموالها وتصرفاتها حلالاً، وإن كان الأحوط الابتعاد عنها .
ولكن ينبغي على من يشترك مراعاة ما يلي :
1- أن يقصد بشراء أسهم هذه الشركات تغييرها نحو الحلال المحض من خلال صوته في الجمعية العمومية، أو مجلس الإدارة .
2- أن يبذل جهده وماله لتوفير المال الحلال الطيب المحض ما أمكنه إلى ذلك سبيلاً، ولا يتجه نحو ما فيه شبهة إلا عند الحاجة الملحة ومصلحة المسلمين، واقتصادهم من المشاركة في التنمية والاستثمار والنهوض باقتصادهم من خلال الشركات الكبرى .
3- أن صاحب هذه الأسهم عليه أن يراعي نسبة الفائدة التي أخذتها الشركة على الأموال المودعة لدى البنوك، ويظهر ذلك من خلال ميزانية الشركة، أو السؤال عن مسؤولي الحسابات فيها، وإذا لم يمكنه ذلك اجتهد في تقديرها، ثم يصرف هذا القدر في الجهات العامة الخيرية .
4- لا يجوز للمسلم أن يؤسس شركة تنص في نظامها الأساسي على أنها تتعامل بالربا إقراضاً واقتراضاً، ولا يجوز كذلك التعاون في تأسيسها ما دامت كذلك؛ لأنه تعاون على الإثم والعدوان، إلا لمن يقدر على تغييرها إلى الحلال .
ثالثاً: أن الحكم بإباحة تداول هذه الأسهم – مع هذه الضوابط– خاص بما إذا كانت الأسهم عادية ، أو ممتازة لكن ليس امتيازها على أساس المال .
وأما غيرهما فسيأتي حكم كل نوع على حدة .
وقد انتهت ندوة الأسواق المالية من الوجهة الإسلامية التي عقدت في الرباط 20- 25 ربيع الآخر 1410 هـ إلى أن أسهم الشركات التي غرضها الأساسي حلال لكنها تتعامل أحياناً بالربا... فإن تملكها، أو تداولها جائز نظراً لمشروعية غرضها ، مع حرمة الإقراض ، أو الاقتراض الربوي ، ووجوب تغيير ذلك ، والإنكار والاعتراض على القائم به ، ويجب على المساهم عند أخذ ريع السهم التخلص بما يظن أنه يعادل ما نشأ من التعامل بالفائدة بصرفه في وجوه الخير .

وكذلك ندوة البركة للاقتصاد الإسلامي حيث أجازت باتفاق المشاركين شراء أهم الشركات العاملة في البلاد الإسلامية لقصد العمل على أسلمة معاملاتها ، بل اعتبروا ذلك أمراً مطلوبا، لما فيه من زيادة مجالات التزام المسلمين بأحكام الشريعة الإسلامية .
وأجازوا بالأغلبية شراء أسهم الشركات العاملة في البلاد غير الإسلامية ، إذا لم يجدوا بديلاً خالصاً من الشوائب. ( الفتاوى الشرعية في الاقتصاد، ص 17 ط. مجموعة بركة سنة 1411 هـ. ) .
والقول بالجواز إن كان نظام الشركة لا ينص على التعامل في الحرام ، ومع الضوابط السابقة هو الذي يتناسب مع روح هذه الشريعة القائمة على التيسير، ورفع الحرج ، ومراعاة حاجات الناس في الاستثمار ؛ وذلك لأنه إذا وجد فيه حرام فهو نسبة ضئيلة لا تؤثر في باقي المال وكذلك يمكن التخلص منها عن طريق إعطائها للجهات الخيرية العامة ، بالإضافة إلى أن محل البيع المعقود عليه في جملته أمور مباحة ، وأن المشاركة في ذلك جائزة ، ولم يمنع أحد من الرعيل الأول التعامل مع أهل الكتاب في الجملة ، بل كان رسول الله صلى الله عليه وسلم والصحابة الكرام يتعاملون معهم ، مع أن معاملات أهل الكتاب وأموالهم لم يكن جميعها على الشروط المطلوبة في الإسلام ، فقد ترجم البخاري : باب المزارعة مع اليهود ، فقال الحافظ ابن حجر : "وأراد بهذا : الإشارة إلى أنه لا فرق في جواز هذه المعاملة بين المسلمين وأهل الذمة " صحيح البخاري، مع فتح الباري 5/15 ط. السلفية .
كما صح أن النبي صلى الله عليه وسلم اشترى من يهودي طعاماً إلى أجل ورهنه درعه صحيح البخاري ، مع فتح الباري 5/15 ط. السلفية .
وكذلك الأمر عند الصحابة _رضي الله عنهم_ حيث كان التعامل معهم سائداً في الجملة .
( إنتهى كلام الدكتور علي محيي الدين القره داغي ) .