قضايا تحكيم شهيرة

د. عبد القادر ورسمه غالب

قضايا تحكيم شهيرة

يلعب التحكيم دورا كبيرا في تسوية المنازعات المعقدة وفي فترة زمنية قصيرة جدا تدلل علي وجود العدالة الناجزة، ولذا أصبح العديد يلجأ للتحكيم عبر هيئات التحكيم المختلفة المنتشرة في كل البلدان. ومن الجدير بالذكر أنه صدرت أحكام تحكيمية هامة في العديد من القضايا وهذه الأحكام ستشكل سوابق هامة في طريق التحكيم وتسوية المنازعات. ومن ضمنها مثلا نذكر قضية شركة هولي انترناشونال انتربرايس (قبرص) ضد جمهورية روسيا وهذه القضية مشهورة باسم "قضية شركة يوكوس" وصدر فيها الحكم بدفع أكبر تعويض في قضية تحكيم حتي الآن بمبلغ 50 بليون دولار زائدا 30 بليون دولار. تتمثل الوقائع أنه بعد انهيار ما يعرف بالاتحاد السوفيتي، تم تأسيس شركة "يوكوس" في 1993 بموجب قرار رئاسي كشركة مساهمة وأصبحت أكبر شركة في جمهورية روسيا تعمل في النفط والطاقة وفي أثناء تمددها قامت شركة "يوكوس" بتأسيس عدة شركات فرعية كبيرة تعمل في داخل وخارج روسيا ومن ضمنها تم تأسيس شركة "هولي انترناشيونال انتربرايسس – قبرص".   

منحت الحكومة الروسية شركة "يوكوس" الأموال الضخمة كرأسمال ومنحتها العديد من الاعفاءات الضريبية والامتيازات. ولكن في 2004 فجأة تغير الوضع تماما ولدرجة مغايرة حيث تم وقف الاعفاءات الضريبية وكل الامتيازات الممنوحة من الحكومة الروسية لشركة "يوكوس". وبدأت السلطات الحكومية الروسية في مقاضاة شركة "يوكوس" ومتابعة المدراء وملاحقتهم بالعديد من التهم الجنائية كالسرقة والاحتيال والتزوير وغسل الأموال والتهرب الضريبي ... كما تم اعادة تحديد وفرض الضرائب علي الشركة بمبالغ كبيرة جدا وفرض الغرامات وتم تجميد الأصول وكافة النشاطات، وتطورت الأحداث حتي تم اعلان افلاس شركة "يوكوس" وتم شطبها من السجل التجاري.

في 2004 تقدمت شركة "هولي انترناشونال انتربرايسس – قبرص" بالعديد من المطالبات للرئيس الروسي مباشرة وأوضحت التجاوزات العديدة من شركة "يوكوس" والسلطات الحكومية الروسية. وبعد الفشل في التوصل لأي حلول مرضية تقدمت شركة "هولي انترناشونال انتربرايسس - قبرص" بدعوي تحكيم بموجب قانون تحكيم اليونسيترال 1976 وذلك لعدم التزام حكومة روسيا وخرقها "معاهدة الطاقة الموحدة"، وطالبت الشركة المحتكمة بتعويضات مقدارها 114 بليون دولار لأن حكومة روسيا قامت بالإخلال وفشلت في معاملة استثماراتهم في شركة "يوكوس" بصورة "عادلة" و"منصفة" وفق الممارسات المتعارف عليها اضافة لأحكام العقود المبرمة، كما قامت بمصادرة حقوقهم بما يسبب خرقا واضحا ومخالفة لالتزاماتها في "معاهدة الطاقة الموحدة".

اعترضت جمهورية روسيا بعدم اختصاص هيئة التحكيم وتقدمت بدفوع قانونية مبدئية في مجملها عدم انطباق معني "المستثمر" و"الاستثمار" الوارد في المعاهدة التي تم الاستناد اليها، وكذلك الدفع بعدم اختصاص هيئة التحكيم وذلك استنادا الي وبموجب نظرية "فورك ان ذا رود" حيث يوجد "مفترق الطرق" لأن هناك طريقا آخرا لنظر النزاع بدلا عن اختيار هذا الطريق الذي سلكته الشركة المحتكمة، وكذلك لأن المحتكمة أتت وهي بدورها ينطبق عليها "أن كلين هاندس - غير نظيفة الأيادي" وبما يخالف الامتيازات الواردة في المعاهدة.أصدرت هيئة التحكيم قرارات أولية تتعلق بالاختصاص وقررت أنها تملك الاختصاص لنظر القضية والسير في اجراءات التحكيم وتناولت بالتفصيل كل المبادئ القانونية التي أثارها المحتكم ضده وأوضحت رأيها حيالها. وبعد ذلك قررت هيئة التحكيم أن المحتكم ضدها، جمهورية روسيا، خالفت أحكام "معاهدة الطاقة المتحدة" فيما يتعلق بالعديد من التصرفات التي قامت بها السلطات الحكومية الروسية في مواجهة شركة "يوكوس" والتي ترقي لدرجة المصادرة ثم اعلان الافلاس وبعد ذلك الشطب من السجل التجاري.

وكل هذا التصرفات غير العادلة وغير المنصفة والتي باشرتها السلطات الحكومية الروسية أدت لفقدان الشركة المحتكمة للكثير من العقود والأموال وفوائد الاستثمارات الكبيرة لفترة طويلة من السنوات. وقررت هيئة التحكيم أن تتحمل جمهورية روسيا الجزء الأكبر من هذه التكاليف والخسائر لأنها نتجت بسبب تصرفاتها المخالفة للمعاهدة والاتفاقيات وعليه قامت هيئة التحكيم بالزام المحتكم ضدها بدفع مبالغ كبيرة تتجاوز 50 بليون دولار زائدا 30 بليون دولار، شاملة تكاليف التحكيم (تكاليف التحكيم تجاوزت 11 مليون دولار) وأتعاب المحاماة (وعليه دفع ما يعادل 60% من التكلفة التي تحملتها المحتكمة وهذا يتجاوز 60 مليون دولار).

كان أصل المطالبة في حدود 114 بليون دولار أمريكي، ولكن هيئة التحكيم رأت أن الشركة المحتكمة ساهمت وشاركت في بعض الأخطاء، وعليها تحمل نسبة من التكاليف ولذا تم اصدار القرار النهائي بمبلغ أقل من المطالبة تطبيقا لمبدأ "تحمل نسبة المشاركة في الخطأ" من حيث الأخطاء التي ارتكبتها الشركة المحتكمة. من الجدير بالذكر، أن هذه القضية تعتبر من السوابق في قضايا التحكيم اضافة لأن مبالغها كبيرة جدا من حيث المطالبة والمبلغ المحكوم به. ومبلغ الحكم الصادر من هيئة التحكيم يعتبر أكبر مبلغ يصدر في حكم "قرار" نهائي من هيئة تحكيم. ولقد اكتسبت القضية اهتماما خاصا وأبعادا سياسية تتعلق بالأوضاع في جمهورية روسيا بعد وبسبب تفكك الاتحاد السوفيتي وما ظهر من سياسات جديدة اتبعتها حكومة روسيا في مجال شركات النفط والاستثمارات الأجنبية. أيضا في هذه القضية تعرضت هيئة التحكيم لمناقشة العديد من المبادئ القانونية المتعلقة بالقانون الدولي العام والمعاهدات الدولية مثل نظرية " فورك ان ذا رود " من حيث اختيار أفضل الطرق عند الوصول لمكان "مفترق الطرق"، ونظرية " أن كلين هاندس" وكذلك تعريف "الاستثمار" و"المعاملة العادلة \ المنصفة" و"المصادرة " كما ورد في المعاهدة.

وهكذا يلعب التحكيم وهيئات التحكيم، المتمتعة بالاستقلال التام والحياد الكامل والكفاءة المقتدرة، دورا محوريا وحاسما في تسوية المنازعات تحقيقا للعدالة، وهذا يتم في سرية ومهنية بارعة ومهما كان حجم النزاع وتعقيداته المتعددة. كل هذا يبين لنا أهمية التحكيم ومدي نجاعته في تسوية المنازعات...

د. عبد القادر ورسمه غالب