حلول أزمة الاستثمار بالبنوك الإسلامية

أشرف محمود

حلول أزمة الاستثمار بالبنوك الإسلامية / د.أشرف محمود

شهد النصف الأخير من القرن العشرين ميلاد تجربة المصارف الإسلامية، وقد أعلنت هذه المصارف منذ إنشائها اعتزامها القيام بالمشروعات التنموية، للمساهمة في تحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية في البلدان الإسلامية. ولكن الممارسة العملية لهذه المصارف جاءت مغايرة لما عزمت عليه، فقد اعتمدت على مجموعة من النظم والأساليب لتعبئة الموارد واستخداماتها لا تتفق مع ما حددته لنفسها من أهداف.

فالناظر إلى هذه المصارف منذ نشأتها يجد أن أوعيتها الادخارية لا تلبي الحاجات المتعددة والرغبات المتنوعة للمدخرين. كما أن الاستثمار قصير الأجل يمثل السمة الغالبة لاستثماراتها، على حساب الاستثمار طويل الأجل الذي لم يحظ بأي أهمية تذكر في هذه المصارف، بالرغم من حتميته لتحقيق أهدافها التنموية.

فمدخلات المصارف الإسلامية -سواء كانت حسابات جارية أم استثمارية –تعامل في الغالب معاملة الحسابات الجارية في حق السحب، مما أوقع تلك المصارف في أزمة، فبينما كانت مدخلاتها قصيرة الأجل كانت أهدافها الاستثمارية طويلة الأجل فتحولت من الأسلوب الاستثماري طويل الأجل إلى الأسلوب التجاري قصير الأجل بحثا عن السيولة والربحية.

وكان من نتيجة ذلك أن أصبحت المرابحة بديلا للائتمان في جانب المخرجات، وفى المقابل أصبحت الودائع الجارية في جانب المدخلات، فتحولت بذلك المصارف الإسلامية إلى صورة شبيهة بالمصارف التجارية. (انظر التعريفات المتعلقة بأدوات التمويل الإسلامي سواء أكانت مرابحة أم مشاركة وغيرها في: ألف باء تمويل إسلامي ).

المرابحة تفوق المشاركة

ومن خلال تقييم الاستثمار في المصارف الإسلامية نجد أن الوضع التطبيقي لهذه المصارف جاء متناقضا تماما مع التصورات النظرية المسبقة، والتي أفرطت في إعطاء دور اقتصادي واجتماعي لهذه المصارف حال قيامها، والتي كان من أهمها قدرة هذه المصارف على الاعتماد بصورة أساسية على التمويل بالمشاركة، والقيام باستثمارات طويلة الأجل بصورة كبيرة.

واستنادا إلى دراسة صيغ الاستثمار في كل من البنك الإسلامي الأردني، وبنك دبي الإسلامي، ومصرف قطر الإسلامي (91-1999) تبين أن المرابحة هي الصيغة الاستثمارية الأولى في توظيف تلك المصارف لمواردها بمتوسط نسبي 49.9%، 74.4%، 63.8% على التوالي، بينما بلغت نسبة المشاركة 2.5%، 2.4%، 2.3% للبنوك الثلاثة على التوالي.

ويرجع ذلك في الأساس إلى طبيعة الأسلوب الذي تتبعه المصارف الإسلامية لتطبيق صيغة المرابحة والذي جعل الغرض الأساسي منها تمويليا بحتا، وليس عملية استثمارية بالمعني الذي يفضي إلى تملك الأصول وتحمل المخاطر من أجل الحصول على الربح، فالصورة المطبقة للمرابحة هي التي يسبق فيها الطلب العرض، أما الصورة العامة التي يسبق فيها العرض الطلب، فليست متداولة أو معروفة في معظم المصارف الإسلامية.

وقد اتضح أن تفضيل غالبية المصارف الإسلامية لأسلوب المرابحة، واتجاهها للاعتماد عليه بصورة أساسية لتوظيف مواردها، يرجع بصفة رئيسية إلى اتفاق هذا الأسلوب مع نمط المعاملات القائمة في البنوك التقليدية التي تتمثل في الاقتراض والإقراض، خاصة أن غالبية المصرفيين العاملين في حقل المصارف الإسلامية جاءوا إليها من بنوك تقليدية تتعامل بالفائدة فآثروا المرابحة على غيرها من صيغ الاستثمار.

وإذا كانت نسبة المشاركة تعكس مدى ما تتسم به تلك الصيغة من ضآلة وهامشية في المصارف الإسلامية، فإن هذا يبرز التناقض التام بينه وبين ما توصلت إليه حركة التنظير الأولى لفكرة المصارف الإسلامية، والتي رأت أن أسلوب المشاركة يمثل الصيغة الأساسية الأكثر ملاءمة لتوظيف مواردها المالية، ولم يكن في حسبانها أن تكون المرابحة الصيغة الأساسية الأولى بهذه المصارف.

كما يتناقض هذا الوضع أيضا مع ما أعلنت عنه المصارف الإسلامية في المرحلة الأولى لبداية نشاطها من أن الهيكل الحالي لأساليب الاستثمار والذي يعتمد على أسلوب المرابحة بصفة رئيسية هو وضع مؤقت لأنه مرتبط بظروف خاصة ببداية نشاط هذه المصارف، وسوف يتم تعديله تدريجيا في المراحل اللاحقة تجاه تزايد الاعتماد على أسلوب المشاركة في توظيف مواردها.

وتعكس بيانات مجمعة تتمثل في الميزانية المجمعة، ونتائج الأعمال والمؤشرات المالية لـ 22 بنكا ومؤسسة مالية أعضاء بالاتحاد الدولي للبنوك الإسلامية عن سنة 1990م أن التوظيف قصير الأجل يستحوذ على الوزن النسبي الأكبر من استثمارات البنوك الإسلامية، حيث بلغت نسبته 75.6 %. وفى نفس الوقت لم يحظ الاستثمار متوسط وطويل الأجل بشيء يذكر، فقد بلغت نسبته 5.4%. كما أن دراسة ميزانيات بعض البنوك الإسلامية عن فترات لاحقة (92-2000) تبين أن المتوسط النسبي للاستثمار طويل الأجل إلى إجمالي الاستثمارات حقق نسبة 3.28% في البنك الإسلامي الأردني، و3.08% في بنك فيصل الإسلامي في مصر، و1.09% في المصرف الإسلامي الدولي، و0.82% في بنك التمويل المصري السعودي، وهذا يعني أن السمة الغالبة المسيطرة على استثمارات هذه المصارف أنها ليست طويلة الأجل.

المودعون وعامل الضمان

ويمكن إرجاع تدني نسبة الاستثمارات طويلة الأجل في المصارف الإسلامية إلى أسباب عديدة منها أن أصحاب الأموال يميلون نحو تفضيل عامل الضمان لأموالهم، دون الاستعداد للمشاركة في الربح والخسارة، ويحرصون على الحصول على عائد لا يقل عن فوائد المصارف التقليدية لمودعيها، مع رغبتهم في توافر إمكانية السحب من هذه الأموال بسهولة ويسر في أي وقت يريدونه أو في آجال قصيرة، متجاهلين الدور الاستثماري للمصارف الإسلامية.

أما المصارف الإسلامية فإنها تحت ضغط رغبة أصحاب الأموال في سحب أموالهم في أي وقت يشاءون، ومن أجل منافسة البنوك التقليدية وجذب مودعيها قام الكثير منها بصياغة أنظمة قبول أموال الاستثمار بها على نسق أنظمة الودائع الآجلة بالبنوك التقليدية، وذلك بإعطاء أصحاب الأموال الاستثمارية نفس الشروط والمميزات التي يوفرها البنك التقليدي للمودع لديه، وخاصة فيما يتعلق بالقدرة على السحب من وديعته في آجال قصيرة أو عند الطلب، ودون مراعاة لأهدافها الاستثمارية طويلة الأجل، وزاد من عمق المشكلة قصور عمليات الاجتهاد الفقهي والابتكار الفني بهذه المصارف.

علاجات مقترحة :

وما سبق يضع على عاتق المصارف الإسلامية الوقوف مع ذاتها وتشخيص أوضاعها، بما يمكنها من الخروج من هذا المأزق، وذلك من خلال المواءمة بين مواردها القصيرة الأجل وأهدافها الاستثمارية طويلة الأجل عن طريق تنويع أوعيتها وتطوير استثماراتها من خلال الاعتماد على سوق الإصدار وسوق التداول في أسواق رأس المال.

ومن خلال سوق الإصدار يمكن للمصارف الإسلامية القيام بالاستثمار المادي بطرح العديد من الأدوات المالية للاكتتاب العام، ممثلة في:

1- شهادات الاستثمار القابلة للتداول: وتمثل شهادات يصدرها المصرف الإسلامي وفقا لنظام المضاربة الشرعية مقابل أموال المستثمرين، لتمويل المشروعات الاستثمارية طويلة الأجل. ويصدر المصرف الإسلامي نوعين من هذه الشهادات أولهما: شهادات الاستثمار المخصصة، وتخصص حصيلتها للاستثمار في مشروع معين، أو نشاط اقتصادي محدد، أو صيغة استثمارية معينة بذاتها. أما النوع الثاني فهو شهادات الاستثمار العامة، وتخصص حصيلتها للاستثمار في أنشطة البنك المتنوعة، ومشاريعه المتعددة، وصيغه الاستثمارية المختلفة.

2 - وثائق صناديق الاستثمار: وتصدرها صناديق الاستثمار من غير القيم المنقولة في المصرف الإسلامي مقابل أموال المستثمرين، وفقا لنظام المضاربة الشرعية. ويصدر صندوق الاستثمار نوعين من الوثائق:

2/1- وثائق إدارة: وتمثل حصة المصرف الإسلامي في رأسمال صناديق الاستثمار التي ينشئها، وتتيح له حق الإدارة، واتخاذ القرارات، وغيرها من التصرفات.

2/2 - وثائق مضاربة: وتمثل حصة المستثمرين في رأسمال صناديق الاستثمار التي ينشئها المصرف الإسلامي، ولا يكون لأصحابها الحق في التدخل في إدارة الصناديق.

3 - أسهم الشركات المساهمة: وتصدرها الشركات المساهمة التي ينشئها المصرف الإسلامي مقابل رأسمال الشركة، وتتعدد إصدارات الأسهم وفقا لنشاط الشركة المصدرة. وفي هذا الإطار يمكن إصدار:

3/1- أسهم تأجير التمويلي: وتصدرها شركات التأجير التمويلي في المصرف الإسلامي، وتقوم هذه الشركات بشراء الأصول الرأسمالية وتأجيرها بعقد طويل الأجل.

3/2 - أسهم B.O.T: وتصدرها شركات B.O.T في المصرف الإسلامي، وتتولى هذه الشركات إنشاء المرافق العامة وإدارتها والاستفادة بعوائدها طوال فترة الامتياز، ثم تنتقل ملكية المرفق للدولة في نهاية المدة.

3/3 - أسهم رأس المال المخاطر: وتصدرها شركات رأس المال المخاطر في المصرف الإسلامي، وتستثمر هذه الشركات أموالها في المشروعات الشابة (المتوسطة والصغيرة)، والمشروعات المتعثرة.

ومن خلال سوق التداول يمكن لتلك المصارف:

أ - تداول الأدوات المالية التي تقوم بإصدارها في سوق الإصدار.

ب – الاستثمار المالي في تشكيلة متنوعة ومنتقاة من الأوراق المالية الإسلامية من خلال:

ب/أ - إنشاء صناديق استثمار القيم المنقولة.

ب/ج - إدارة وتكوين محفظة أوراق مالية.

وبذلك تعدد المصارف الإسلامية الخيارات الاستثمارية أمام المدخرين للاستثمار الشرعي الخالي من شبهة الربا، وبما يتناسب مع حاجتهم لتحقيق الربحية والسيولة والأمان. كما تتعدد مصادر التمويل طويلة الأجل أمام المصارف الإسلامية ذاتها، مما يمكنها من استثمار أموالها بصورة طويلة الأجل، وهو ما يساهم في تحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية في المجتمعات الإسلامية، فضلا عن تحقيق أهدافها الخاصة بتعظيم الربحية، وتخفيض مخاطر السيولة، وتحقيق أكبر قدر للأمان.

وتبدو أخيرا أهمية التنسيق بين المصارف الإسلامية عالميا لإنشاء أسواق مالية إسلامية تنضبط بالضوابط الشرعية، وتتداول فيها أوراق مالية إسلامية بما يتيح لهذه المصارف تدعيم استثماراتها طويلة الأجل، كما ينبغي على المصارف الإسلامية أن تولي عملية التطوير والابتكار العناية الفائقة والاهتمام بالبحوث الاقتصادية ودراسات الجدوى، بحيث تعمل على استحداث وابتكار أدوات وأساليب جديدة لتعبئة الموارد وتوظيفها بما يدعم استثماراتها ويحقق أهدافها التنموية.

 

****************************************************************

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

تقويم الموارد البشرية بالبنوك الإسلامية / أشرف محمود  (2006/01/14)

 

تعتبر الموارد البشرية العنصر الأساسي لنجاح أي مؤسسة على الإطلاق، إذا ما تم وضع العنصر البشري المناسب في مكانه الصحيح، من خلال التنسيق بين قدرات الأفراد وخصائص الوظائف. وحتى يكون الشخص مناسبا للوظيفة ينبغي أن يتوفر فيه شرطان:

الأول: إلمامه بطبيعة ومهام وظيفته إلماما علميا وعمليا، بما يحقق له الكفاءة في فهم طبيعة تلك الوظيفة، وما تقتضيه من أعمال.

الثاني: الأمانة في أداء عمله، بما يمكنه من حفظ ما استودع بين يديه من أعمال.

ويكاد يجزم المرء بأن هذين الشرطين هما الأساس الذي يقوم عليه علم إدارة الموارد البشرية، وقد أشار القرآن الكريم إلى هذين الشرطين كأساس للمورد البشري الناجح، في قوله تعالي: "يا أبت استأجره إن خير من استأجرت القوي الأمين" (سورة القصص: 26).

فأداء الوظيفة بكفاءة أو قوة فهم لخصائصها دون أمانة يؤدي بالعنصر البشري إلى الانحراف، كما أن توافر الأمانة دون كفاءة أو قوة فهم لطبيعة الوظيفة يؤدي بالعنصر البشري إلى ضعف قدرته الفنية والإدارية، وبخاصة إذا كان من هم دونه أكثر منه قدرة على فهم المهام المنوطة بعملهم.

المواصفات النظرية 

ومن خلال ما سبق، يمكن القول إن تحقيق المصارف الإسلامية لأهدافها التي وضعتها منذ نشأتها والممثلة أساسا في المساهمة في تحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية في البلدان الإسلامية جنبا إلى جنب مع تحقيق الربحية، مرهون بمدى  توافر الموارد البشرية الملائمة والمؤهلة شرعيا وفنيا، لممارسة تلك المصارف لعملها. فالنشاط التمويلي والاستثماري والخدمي في المصارف الإسلامية يعتمد على المبادئ والقواعد الشرعية لفقه المعاملات الإسلامي، ولذلك فهناك ضوابط شرعية تحكم هذا النشاط، وهذا يتطلب بطبيعته ضرورة توافر العلم بهذه الضوابط وفهمها لمن يقوم على تطبيقها.

فالمصارف الإسلامية تحتاج إلى موارد بشرية قادرة على جذب المودعين، وفهم طبيعة العلاقة التي تربط المودع بالمصرف الإسلامي، وكذلك تتطلب عمالة قادرة على تقديم الخدمة المصرفية بالسرعة والجودة الملائمة ووفقا لقواعد الشريعة المنظمة لذلك.

إضافة إلى القدرة على توجيه الأموال للاستثمار وفق الصيغ الشرعية بأنواعها المتعددة، ووفق أولويات المجتمع، وهذا يتطلب بدوره نوعية من الموارد البشرية قادرة على البحث عن الفرص الاستثمارية الملائمة، ودراسة جدواها وتقويمها وتنفيذها، ومتابعتها في إطار هذه الضوابط الشرعية.

وكل هذا يتطلب عقلية تتصف بالمهارة والخبرة والابتكار لدى العاملين القائمين على التطبيق العملي لفكرة المصرفية الإسلامية، حتى يتسنى لهم الربط بين الواقع ومتغيراته من ناحية، وبين فقه النص الإسلامي من ناحية أخرى.

إن وجود الكفاءات البشرية القادرة على تسيير دفة النشاط المصرفي الإسلامي  يستلزم وجود فئة خاصة من العاملين مدربة على العمل المصرفي من جهة، ومزودة بما يلزم من القواعد الشرعية اللازمة للمعاملات، وناضجة بالنسبة للأهداف الاقتصادية للمجتمع الإسلامي، وملتزمة ببذل أقصى جهد في سبيل تنفيذ هذه الأهداف من جهة أخرى، ووجود هذه الفئة من العاملين ضرورة لنجاح النشاط المصرفي الإسلامي في تعبئة الموارد للتنمية، أما عدم وجودها أو ندرتها أو اختلال تركيبها فإنه يترك الفرصة هائلة أمام نمو النشاط المصرفي الربوي حتى بفرض تطبيق الشريعة داخل المصارف الإسلامية.

ماذا يحدث بالتطبيق؟

وإذا انتقلنا إلى المجال التطبيقي فإننا نجد أن تجربة المصارف الإسلامية قد عانت منذ بداية نشاطها من عدم توافر العناصر البشرية المؤهلة والمناسبة لطبيعتها الخاصة، وتكاد تكون هذه الصعوبة قد مثلت المشكلة الأم لحركة المصارف الإسلامية خلال الفترة الماضية من تجربتها لأن هذه المؤسسات تمثل نظاما مصرفيا جديدا له طبيعة خاصة، ومن ثم يتطلب مواصفات خاصة كذلك من حيث المهارات والسمات والقدرات التي يلزم أن تتوافر في العاملين في هذا المجال.

وقد توصلت أكثر من دراسة علمية ميدانية إلى أن غالبية المصارف الإسلامية ما زالت تواجه للآن مشكلة بشأن توفير الكوادر التي يتطلبها العمل المصرفي الإسلامي والتي تجمع بين المعرفة الشرعية، والخبرة المصرفية الإسلامية؛ ما كان له تأثير غير محمود ومشكلات عديدة في التطبيق العملي للنموذج المصرفي الإسلامي.

ويرجع ذلك في الأساس إلى اعتماد تلك المصارف منذ نشأتها على العمالة الوافدة من بنوك تقليدية، دون الاهتمام بالنواحي المعرفية الشرعية، وقد أخذت تلك العمالة سبيلها في الترقي، حتى تولى بعضها إدارة العديد من المصارف الإسلامية، فازداد برقيهم تدني الجانب الشرعي في بعض المصارف الإسلامية.

وتكشف إحدى الدراسات عن حجم تلك المشكلة التي تمثل بطبيعتها العامل الأهم في تطبيق المنهج الإسلامي أو عدم تطبيقه من عدمه في المصارف الإسلامية. وفي هذا الصدد يشير د. عز الدين خوجة الأمين العام للمجلس العام البنوك والمؤسسات المالية الإسلامية في دراسة حول الصناعة المالية الإسلامية في عام 2005 إلى أن عدد الموظفين في المؤسسات المالية الإسلامية يصل إلى 250 ألف موظف، أكثر من نصفهم في الشرق الأوسط.

 لكن الدراسة تشير أيضا إلى أن 85% من الكوادر في المؤسسات المالية الإسلامية لهم خلفيات مالية تقليدية. وتفسر هذه النسبة ما آل إليه الحال من انفصام بين النظرية والتطبيق في بعض المصارف الإسلامية.

 إستراتيجية للعلاج

ما سبق يضع على عاتق المصارف الإسلامية إعادة ترتيب مواردها البشرية، للخروج من هذا المأزق، والمحافظة على كيانها، ومنهج عملها من خلال تبني إستراتيجية مصرفية وشرعية لمواردها البشرية، تقوم على الآتي:

1- تربية كوادر تمارس العمل المصرفي الإسلامي من خلال إعطاء الفرصة أمام العمالة في المصارف الإسلامية نحو الحراك الوظيفي، وعدم اللجوء إلى كوادر من المصارف التقليدية، إلا بعد التأكد من أهليتها لممارسة العمل المصرفي الإسلامي.

2- الاهتمام بأنظمة الاختيار والتعيين لتقوم على الكفاءة، لا على "الواسطة"، والرجوع بالمصارف الإسلامية في نظام الاختيار والتعيين إلى سابق نشأتها من خلال وضع معايير إسلامية في اختيار العاملين قائمة على الكفاءة والأمانة.  فقد شهدت تجربة عدد من المصارف الإسلامية وجود نوعية من العاملين لا يملكون من المقومات الشرعية والمصرفية ما يمكنهم من أداء مهام عملهم، حتى وجدنا من لا يفرق بين العائد والفائدة، والمرابحة والقرض بفائدة.

3- الاهتمام بأنظمة تقييم الأداء لترك المجال متاحا للحراك الوظيفي أمام العناصر ذات الكفاءة المصرفية والشرعية، بما ينمي من التجربة المصرفية الإسلامية.  وهذا يتطلب تقييم العاملين وفقا لكفاءتهم لا لولائهم وارتباطهم بقادتهم، وتكشف بعض تجارب المصارف عن جمود في الحراك الوظيفي لأبنائها في العديد من تلك المصارف، في نفس الوقت الذي يتم فيه التجديد لمن بلغوا سن المعاش باسم الاستفادة من خبراتهم، مما يحول بين العاملين والحراك الوظيفي، ويؤثر سلبا على تحفيزهم وولائهم لمؤسساتهم.

4- الاهتمام بأنظمة التدريب لإعداد موارد بشرية قادرة على فهم متطلبات العمل المصرفي الإسلامي، فقد شهدت أنشطة التدريب بالمصارف الإسلامية في السنوات الأولى لإنشائها اهتماما متزايدا نحو المعرفة المصرفية والشرعية، ثم أصبحت أجهزة التدريب في العديد من تلك المصارف بعد ذلك تهتم بدراسة الجانب المصرفي دون إعطاء أولوية للجانب الشرعي.

 وكشفت دراسة عن عدد من المصارف الإسلامية في الدول العربية اعتمادها في تدريب كوادر الإدارة العليا على البرامج التدريبية المقدمة من المصارف التقليدية في الداخل والخارج، حتى أقيمت دورات تدريبية لعدد من كوادر بعض المصارف الإسلامية في سويسرا والولايات المتحدة.

وامتدت تلك الدورات لما يقارب العام ولم يتضمن برنامجها التدريبي ولو ساعة واحدة عن الجوانب المصرفية الشرعية، وقد تولى العديد من هؤلاء بعد رجوعهم إدارة عدد من المصارف الإسلامية، بل وجدنا عددا من المصارف الإسلامية في الدول العربية لا تعرف اللغة العربية لها سبيلا في معاملاتها، وهذا يمثل خللا لا يمكن قبوله، فإذا كان العمل المصرفي يتطلب الكفاءة في اللغات الأجنبية، فيجب ألا يكون ذلك على حساب إهمال اللغة العربية.

وختاما فإننا من خلال ما سبق نحاول أن نعكس واقع الموارد البشرية في المصارف الإسلامية بصورة بناءة، فليست القضية قضية انتقاد وتصيد أخطاء بل إن الهدف هو توصيف للواقع مع السعي لتقديم الحلول الممكنة لمشكلاته، فالتجربة إذا كان ينظر إليها على أنها مرآة للإسلام، فيجب ألا تعاقب ببعض الممارسات الخاطئة من بعض أبنائها، وهذا يحتم الوقوف على تلك الممارسات ومعالجتها بما ينمي من تلك التجربة وبخاصة أنها ما زالت حديثة عهد.