المخرج من الأزمة في سورة البقرة

د يوسف بن أحمد القاسم


المخرج من الأزمة في سورة البقرة
بقلم - د يوسف بن أحمد القاسم
نقلا عن موقع الفقه الاسلامى
دعا رئيس الوزراء البريطاني جوردون براون زعماء العالم يوم الإثنين الماضي 14/10/1429هـ إلى إعادة صياغة
النظام المالي العالمي"الرأسمالي" وقال:"أحياناً يستلزم الأمر أزمة؛ لكي يتفق الناس على أن ما هو واضح ـ وكان يجب
أن يتم منذ سنوات ـ لم يعد يحتمل التأجيل, لكن علينا أن نقيم البناء المالي الجديد السليم للعصر العالمي"أهـ, وهذه العبارة
كما وجهها رئيس الوزراء لزعماء العالم, فهي أيضاً رسالة غير مباشرة لبعض بني جلدتنا, ممن يمجدون كل ما هو
مستورد من ضفتي الأطلسي, ولو كان مما يتعارض مع شريعتنا الإسلامية, لمجرد أن عليه طابع الحضارة الغربية,
وحسب..! ولا يمكن أن يستوعب هؤلاء الدرس إلا بعد وقوع الفأس في الرأس, ثم حين يطل علينا الغرب بنظام مالي
جديد سنجد من بني العرب والمسلمين من يسارع إلى تمجيد ذلك النظام..., وهكذا في سلسلة طويلة لا تنتهي ولن تنتهي
إلا حين يشعر المسلم بعزته وعظيم مجده الذي ورَّثه له الإسلام.
لقد جاء في سورة البقرة آيات متتاليات, تحكي ما يجب أن يكون عليه المسلم في جانب من جوانب تعامله مع المال,
سواء مع خاصة نفسه, أو مع الفقير, أو مع المدين, أو مع الرهن, وكأنها تلخص واقع الأزمة المالية العالمية, والتي
أخرست زعماء الرأسمالية, وأحرجتهم أمام العالم, وحولت الدولة المهيمنة على النظام المالي للعالم إلى دولة مدينة
بامتياز, ولنتأمل هذه الآيات بتمعن وحضور قلب, قال الله تعالى: (ليس عليك هداهم, ولكن الله يهدي من يشاء, وما
تنفقوا من خير فلأنفسكم, وما تنفقون إلا ابتغاء وجه الله, وما تنفقوا من خير يوف إليكم وأنتم لا تظلمون. للفقراء الذين
أحصروا في سبيل الله, لا يستطيعون ضرباً في الأرض, يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف, تعرفهم بسيماهم لا
يسألون الناس إلحافا, وما تنفقوا من خير فإن الله به عليم. الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار, سراً وعلانية, فلهم
أجرهم عند ربهم, ولا خوف عليهم, ولا هم يحزنون. الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان
من المس؛ ذلك بأنهم قالوا إنما البيع مثل الربا, وأحل الله البيع, وحرم الربا, فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ما
سلف, وأمره إلى الله, ومن عاد فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون. يمحق الله الربا, ويربي الصدقات, والله لا يحب
كل كفار أثيم. إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات, وأقاموا الصلاة, وآتوا الزكاة, لهم أجرهم عند ربهم, ولا خوف عليهم,
ولا هم يحزنون. يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله, وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين. فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله
ورسوله, وإن تبتم فلكم رؤوس أموالكم لا تَظْلِمون, ولا تُظْلَمون. وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة, وأن تصدقوا
خير لكم إن كنتم تعلمون..., يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه..., وإن كنتم على سفر ولم تجدوا
كاتباً فرهان مقبوضة...). بتأمل هذه الآيات الكريمات, نجد أنها:
أولاً: أثارت في شعور المسلم ووجدانه حس الوقوف مع الإنسان في حال ضرورته أو حاجته ولو كان كافرا, وذلك
حين يحتاج إلى شربة ماء تسد رمقه, أو لقمة تسد جوعته, أو قطعة قماش تغطي بدنه, كما قال تعالى...وما تنفقوا من
خير فلأنفسكم, وما تنفقون إلا ابتغاء وجه الله, وما تنفقوا من خير يوف إليكم وأنتم لا تظلمون. للفقراء الذين أحصروا
في سبيل الله, لا يستطيعون ضرباً في الأرض, يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف, تعرفهم بسيماهم لا يسألون الناس
إلحافا, وما تنفقوا من خير فإن الله به عليم) وهذه الآيات تصوِّر عدل الإسلام مع هذا الجنس الضعيف من الناس, كما
أنها تذكِّر المسلم بجَوْر الرأسمالية التي تحترم الغني, وتخضع له البنك المركزي, ووزارة المالية أو الخزانة, وتقول
لرئيس البنك أو الوزارة عبارتها الشهيرة:"دعه يعمل, دعه يمر" أما الفقير, فتقول له بلسان الحال:"دعه يترنح, دعه
يموت...!"فلا ترفع له رأساً إلا عبر بعض الشعارات, التي تمكِن زعمائها من إقناع فقرائهم للتصويت لهم للوصول إلى
سدة الحكم, أو عبر تلك الشعارات التي تروَّجها من أجل التدخل في سياسات بعض الدول الضعيفة, وشؤونها الداخلية,
أو عبر بعض المنظمات التي تغلفها بطابع الإغاثة, وهي في الحقيقة تقوم بدور التنصير, والقليل منها جدا من يعمل من
أجل ابتغاء وجه الله, وهذا ما ألمحت إليه الآية الكريمة؛ بأن تكون النفقة على المحتاج والمسكين أياً كان نوعه أو
جنسه, أن تكون ابتغاء وجه الله, لا ابتغاء وجه السياسة, أو ابتغاء وجه المصلحة...! وبالتالي فإنه لا يوجد في الإسلام
استغلال للفقير, أو ابتزاز له؛ لتحقيق مكاسب دينية, أو سياسية.., وهذا ما تفتقر إليه الرأسمالية, والتي لا تعمل إلا بما
يحقق المصلحة الخاصة, وحسب, سواء لحساب الفرد, أو الحزب, أو الدولة..! ولهذا لا تتذكر الفقير والمسكين إلا عند
حلول وقت الاقتراع للانتخابات, أو عند التدخل في شؤون الدول وسياساتها, أما الإسلام فقد أمر بتذكر الفقير في كل
حين الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار, سراً وعلانية, فلهم أجرهم عند ربهم, ولا خوف عليهم, ولا هم يحزنون).  
ثم تدرج الشارع الحكيم من الحديث عن الذين يتناسون الفقير المحتاج, ويتجاهلونه, إلى الذين يبتزونه بالربا, فيستغلون
ظروفه المالية بالمزايدة عليه, فقال تعالى الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس؛
ذلك بأنهم قالوا: إنما البيع مثل الربا, وأحل الله البيع, وحرم الربا, فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف,
وأمره إلى الله, ومن عاد فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون. يمحق الله الربا, ويربي الصدقات, والله لا يحب كل
كفار أثيم. إن الذين آمنوا الصالحات, وأقاموا الصلاة, وآتوا الزكاة, لهم أجرهم عند ربهم, ولا خوف عليهم, ولا هم
يحزنون. يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله, وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين. فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله
ورسوله, وإن تبتم فلكم رؤوس أموالكم لا تَظْلِمون, ولا تُظْلَمون) فنجد أن الله تعالى حذر من الربا, وبيَّن عظيم عقوبتهم
يوم القيامة, ثم بيَّن سطحية تفكير أولئك الذين يجيزون الربا باسم البيع...! وهذا يذكرنا بالرأسمالية الغربية وأتباعها
الشرقيين, والذين يشرعون الربا, أو يجيزون الربا باسم الفائدة, أو يجيزون السندات باسم حرية السوق, حتى أثبتت
الأزمة المالية اليوم, أن الربا والسندات والديون الربوية ليست كالبيع, وأن السوق القائم على معدل الربح ليس كالسوق
القائم على معدل الفائدة الربوية, لمعادلة بسيطة جداً, وهي أن الأسواق القائمة على البيوع"عبر التصنيع, والإنتاج,
والزراعة..."لم تمس بأذى, أما الأسواق القائمة على الربا والديون والسندات فقد أصابها ما أصابها, بمعنى أن الاقتصاد
الحقيقي لا يمكن أن يتسلل إليه أوضار تلك الأزمة, أما الاقتصاد الوهمي المبني على النقود المولِّدة للنقود, فهذا وحده
الذي أصيب بحوادث الانهيار والإفلاس. وهكذا كل بنك أو مؤسسة أو شركة... وقعت في شراك تلك الأسواق الغارقة
في الديون..., ولو كان بينها وبينها محيطات وأراضي شاسعة ومفاوز...!
ثم أمر الله تعالى بإنظار المعسر, فقال عز وجل وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة, وأن تصدقوا خير لكم إن كنتم
تعلمون) وهنا أتساءل: لو أن البنوك الغربية قد أنظرت المعسرين بالسداد, فهل ستنهار أسعار بيوت الرهن العقاري إلى
الحد الذي أصبحت معه تلك البيوت لا تساوي شيئاً, مما أدى إلى إفلاس تلك البنوك...؟ لقد تحدثت الآيات أولا: عن
حال الفقراء الذين تجاهلتهم الرأسمالية. ثم تحدثت الآيات ثانياً: عن خطر الربا الذي تجيزه الرأسمالية. ثم تحدثت
الآيات ثالثاً: عن المحق الذي أورث الأزمة المالية. ثم تحدثت الآيات رابعاً: عن إنظار المعسرين الذي تجاهلته البنوك
الرأسمالية. ثم تحدثت الآيات خامساً: عن الديون والرهون...., وبعض ضوابطهما الشرعية..., واستدل بعض أهل العلم
على آية الرهن, بأن الرهون لا تكون إلا في حالات استثنائية...., وما ذكروه محل نظر وتأمل, والله تعالى أعلم,
وأحكم.
 
--  
مدربة المحاسبة / سلمى الفرا
مركز الدكتور سامر قنطقجي لتطوير الأعمال
www.kantakji.com
 
--~--~---------~--~----~------------~-------~--~----~
You received this message because you are subscribed to the Google Groups "Kantakji
Group" group.  
To post to this group, send email to kantakjigroup@googlegroups.com  
To unsubscribe from this group لفك الاشتراك من المجموعة أرسل للعنوان التالي رسالة فارغة, send
email to kantakjigroup+unsubscribe@googlegroups.com  
For more options, visit this group at  
http://groups.google.com/group/kantakjigroup?hl=en  
سياسة النشر في المجموعة:  
- ترك ما عارض أهل السنة والجماعة.  
- الاكتفاء بأمور ذات علاقة بالاقتصاد الإسلامي وعلومه ولو بالشيء البسيط. ويستثنى من هذا مايتعلق بالشأن  
العام على مستوى الأمة كحدث غزة مثلا.  
- عدم ذكر ما يتعلق بشخص طبيعي أو اعتباري بعينه. باستثناء الأمر العام الذي يهم عامة المسلمين.  
-  تمرير بعض الأشياء الخفيفة المسلية ضمن قواعد الأدب وخاصة منها التي تأتي من أعضاء لا يشاركون عادة،
والقصد من ذلك تشجيعهم على التفاعل الإيجابي.  
- ترك المديح الشخصي.
-~----------~----~----~----~------~----~------~--~---