شركة المقارضة (المضاربة)

شركة المقارضة (المضاربة)

 

ورد السؤال التالي: ما هي شركة المقارضة؟ وما أحكامها؟

فكان الجواب: القراض بكسر القاف ويقال له المقارضة لأن كلا منهما مصدر قارض، ويقال له أيضاً: المضاربة من الضرب بمعنى السفر قال تعالى:} وإذا ضربتم في الأرض{ ] النساء: 4/101[ ، أي سافرتم لا شتماله عليه غالباً. والقراض والمقارضة لغة أهل الحجاز، والمضاربة لغة أهل العراق.

والأصل فيه: الإجماع والحاجة، لأن صاحب المال قد لا يحسن التصرف، ومن لا مال له يحسنه، فيحتاج الأول إلى الاستعمال والثاني إلى العمل.

وأنه r ضارب لخديجة بمالها إلى الشام وأنفذت معه غلامها ميسرة.

وهو لغة: مشتق من القرض وهو القطع، تقول قرضت الثوب قرضاً إذا قطعته بالمقراض، وإنما كان القراض مشتقاً من القرض وهو القطع لأن المالك قطع للعامل قطعة من مال ليتصرف فيها، وقطعة
 من الربح.

وشرعاً: عقد يقتضي دفع المالك مالاً للعامل ليعمل فيه والربح بينهما، فالقراض اسم للعقد لا للدفع، وهو عقد جائز-أي غير لازم، أي أن هذا العقد غير لازم إذا لم يشرع العامل في العمل أما إذا شرع فيه فعند المالكية هو عقد لازم وهو عقد يورث وعند أبي حنيفة والشافعي هو عقد غير لازم وهو عقد لا يورث، ولا يفسخ إلا بعلم المتعاقد الآخر، وإذا انفسخت المضاربة ورأس المال عروض واتفق العاقدان على بيعه أو فسخه جاز وإن طلب العامل البيع ورفض رب المال يجبر رب المال على البيع لأن حق العامل
 في الربح.

أركانه ستة:

1.    مالك: وشرط فيه ما شرط في الموكل بأن يكون المال له التصرف فيه بنفسه.

2.    وعامل: وشرط فيه ما شرط في الوكيل بأن يكون بالغاً عاقلاً.

3.    ومال: وشرط فيه أن يكون من النقود فلا يصح أن يكون سلعاً تجارية، وأن يكون معلوم المقدار ومعيناً فلا تصح المضاربة على ما في الذمة، أو على ما في هاتين الصرتين، وأن يكون بيد العامل أي مسلماً إليه فهو وحده الذي يتصرف فيه.

4.    وعمل: وشرط فيه أن يكون تجارة، وأن لا يضيق التصرف على العامل مثل معاملة شخص معين كقوله لا تشتر إلا من فلان، ولا تبع إلا له، أو شراء سلعة معينة لأن المقصود من القراض حصول الربح، وقد لا يحصل فيما يعينه فيختل العقد، أو يقول له: لا تشتر شيئاً حتى تشاورني فقد ضيق عليه التصرف وقد لا يجده حين الشراء.

5.    وربح: وشرط فيه أن يشرط للعامل منه جزءاً معلوماً منه بالجزئية كنصف وثلث، أو ثلاثين بالمائة أو أكثر أو أقل إلى غير ذلك، بخلاف ما لو شرطه كله لأحدهما كأن قال: ولي كل الربح، أو ولك كل الربح فلا يصح فيهما، ولا شيء للعامل في الأولى لأنه عمل غير طامع أي أنه متبرع فيه، وله أجرة المثل في الثانية والربح كله للمالك فيهما، ولا يصح أن يشرط لغيرهما منه شيئاً، نعم إن كان الغير غلاماً لأحدهما صح لأن المشروط له راجع لمتبوعه.

6.    وصيغته: وهي الإيجاب والقبول بألفاظ تدل على الرضى بهذا العقد وهذه الشركة، فالإيجاب كقوله: ضاربتك، أو قارضتك وعاملتك، وكقوله: خذ هذه الدراهم واتجر فيها، وما يحصل من ربح بيننا مناصفة أو أكثر أو أقل ونحو ذلك.

والقبول: أن يقول العامل المضارب. قبلت ذلك أو رضيت، ويشترط في الصيغة أن تكون منجزة غير معلقة، وأن تكون متصلة بالإيجاب عرفاً، فلو فصل بينهما سكوت طويل، أو كلام لا علاقة له بالعقد لم يصح. ومتى فسد القراض استحق العامل أجرة المثل ولو علم الفساد لأنه لم يعمل مجاناً وقد فاته المسمى فيرجع لأجرة المثل إلا إذا قال المالك والربح كله لي كما سبق لأنه عمل غير طامع، أي متبرعاً به.

  • لا يصح العقد إذا كان الربح المشروط لأحدهما قدراً معيناً بالعدد كألف ليرة سورية أو أكثر
     أو أقل.
  • وكذلك الحال لو شرط للعامل نصيب جزئي من الربح، ومقدار معين منه كأن يشترط راتباً شهرياً قدره ألف ليرة مثلاً وخمسة في المائة من الربح. وبذلك يتبين فساد الكثير من تصرفات الناس في هذا الزمان حيث يتعاقدون مع من يعمل بأموالهم على أن يتقاضى راتباً شهرياً معيناً، ويكون له نسبة معينة من الأرباح عند الجرد السنوي أو غيره.
  • لا تصح المضاربة إذا شرط فيها أن يشارك صاحب المال العامل في العمل والتصرف، وإذا لم يشرط ذلك واستعان العامل بصاحب المال في العمل جاز ذلك.
  • العامل المضارب يده يد أمانة على المال الذي استلمه، وكذلك السلع التي اشتراها به أو بجزء من بمعنى أنه لا يضمن ما تلف في يده من أموال المضاربة إلا إذا تعدى أو قصر في واجبه، ومن التعدي أن يفعل ما ليس له فعله.
  • ولما كانت يد المضارب يد أمانة كانت الخسارة عند انتهاء المضاربة على صاحب المال وهو غير ضامن لذلك طالما أنه لم يتعد ولم يقصر.
  • لا يجوز للعامل أن يشتري للقراض بأكثر من رأس المال المدفوع إليه، وما يحصل معه من ربح لأن المالك لم يرض أن يشغل ذمته بأكثر من ذلك.
  • لا يجوز أن يسافر بالمال إلا بإذن من صاحبه، ولا يبيع بالنسيئة أي بتأجيل الثمن إلا إذا أذن له المالك بذلك.
  • لا ينفق على نفسه من مال المضاربة حال الإقامة في بلده قولاً واحداً، لأن العرف لا يقضي بذلك، ولأن النفقة قد تستغرق الربح كله.
  • على العامل أن يقوم بكل عمل يلزم للمضاربة إذا كان من عادة أمثاله القيام به، أو كان من عادة التجار ونحوهم القيام به بأنفسهم، فإذا استأجر على القيام بما يلزمه فعله عرفاً كانت الأجرة في ماله خاصة لا في مال القراض، وما لا يلزمه القيام به من العمل حسب العرف له أن يستأجر عليه من مال المضاربة لأنه من تتمة التجارة ومصالحها والعرف لا يلزمه بالقيام به حتى ولو اعتاد فعله، ولكن لو قام به بنفسه كان متبرعاً، ولم يجز له أن يأخذ أجرة مثله من مال المضاربة.
  • والأظهر أن العامل لا يملك حصته من هذا الربح حتى تباع السلع جميعاً، ويعود المال نقداً، ثم يتقاسم المالك والعامل الربح بعد تمييز رأس مال المضاربة منه.
  • لو اختلف العامل والمالك في الربح فقال العامل لم أربح شيئاً، أو لم أربح إلا كذا صدق بيمينه لأن الأصل عدم الربح، فإذا أقر بربح قدر معين ثم ادعى خطأ في الحساب لم يقبل قوله لأنه رجوع عما أقر به من حق لغيره فلا يقبل.
  • يجوز تعدد المالكين لرأس المال فلمالكين أو أكثر يقارضا واحداً ويكون الربح بينهم وبين العامل حسب الاتفاق فيأخذ العامل نصيبه عليه والآخرون يقتسمون كل على حسب ماله.
  • لقد وهم بعض الكاتبين في معنى القراض، والقرض فقال في بعض كتاباته بعد ذكر التعاون المتبادل على أساس أن لا يضار بأحد منهما أو يستغل أحدهما الآخر، وهو أن يقرض الرجل أخاه لمثل هذه الحاجة ثم يشرط عليه أن يقاسمه الربح الذي قد يأتيه عن طريقه إذا ربح..

فالقرض: تمليك شيء مالي للغير على أن يرد بدله من غير زيادة مشروطة ويسميه أهل الحجاز سلفاً فهو إذن عقد إرفاق.

أما المقارضة: فهي عقد اتفاق يقتضي دفع المالك مالاً للعامل ليعمل فيه والربح بينهما، فالقراض اسم للعقد وبذا يفترق القرض عن المقارضة، والله تعالى أعلى واعلم.