شراء الشركات أسهمها

د. عبد القادر ورسمه غالب

 

خلال هذه الأيام من كل عام تنشط شركات المساهمة في دعوة مساهميها لاجتماعات الجمعية العمومية العادية وغير العادية لمناقشة كافة الأمور المتعلقة بالشركة وما تم خلال العام وما لم يتم وماهي الخطوات المستقبلية للشركة وفق توجهات مجلس الادارة وخطط الادارة التنفيذية العليا. ومن النقاط الهامة، امكانية النظر في شراء الشركة لأسهمها، فهل هذه الفكرة صائبة وهل لها ما يبررها وماذا تجني الشركة من ورائها؟ وما هي المحاذير؟

 ان عملية شراء الشركة لأسهمها تتم عند قيام الشركة باسترجاع بعض من أسهمها المصدرة عبر الدفع نقداً مقابل الحصول على الأسهم المطلوبة للشراء من المساهمين مباشرة. وهذه العملية يمكن أن تتم عبر الشراء المباشر من السوق أو من خلال عملية اكتتاب عكسي بسعر محدد أو من خلال مزاد معين حسب أسعار محددة في جدول مرفق مع دعوة المزاد. وعملية شراء الشركة لأسهمها قد تكون شبيهة بعملية خفض رأس المال لأنها تؤدي لخفض عدد الأسهم المصدرة، إلا أنها تختلف لأنها تكون عملية شراء حقيقية، لا مجرد مناقلة شكلية من بند رأس المال إلى بنود أخرى من ضمن حقوق المساهمين.

وفي هذا الخصوص نقول ان شراء الشركة لأسهمها هو عبارة عن عملية تتطلب قيام الشركة بدفع أموال نقدية للمساهمين للحصول على الأسهم المطلوبة للشراء، وفي هذا فإنها قد تشبه عملية توزيع الأرباح النقدية على المساهمين أصحاب الأسهم. في الواقع، ان عملية شراء الشركة لأسهمها تعتبر أحد البدائل المتوفرة التي تلجأ لها ادارة الشركة، وخاصة عندما يتوفر لدى الشركة مبلغ من المال النقدي يزيد عن احتياجاتها الرأسمالية فإنها تكون أمام عدد من الخيارات منها توزيع هذا المال كأرباح على المساهمين، أو أن تقرر الاحتفاظ به كاملاً كاحتياطي للمستقبل، أو أن تستخدمه في الحال عبر شراء أسهمها.

لكل من هذه الخيارات جوانبه الايجابية أو غير الايجابية، فتوزيع الأرباح النقدية في العادة يحتاج إلى سياسة معينة طويلة الأجل تمكن الشركة من توزيع الأرباح بشكل منتظم خاصة أن التوقف عن توزيع الأرباح أو خفضها يؤخذ دائماً كمؤشر سلبي من قبل المساهمين ويعرض الشركة لانتقادات حادة جدا. وهذا الوضع يجبر بعض ادارات الشركات للحرص على توزع الأرباح خوفا من المساهمين حتى إن كانت النتائج المالية غير جيدة. هذا اضافة الى أن توزيع الأرباح السنوية بالضرورة يخضع لمواقفة السلطات الرقابية وفق صلاحياتها القانونية.

ومثل هذا الوضع، توزيع الأرباح، قد لا يحدث اذا قامت الشركة بشراء أسهمها وبهذا فان ادارة الشركة تتجنب المواجهة خاصة مع المساهمين وفي نفس الوقت فإنها تقوم بتوظيف المبالغ النقدية الزائدة على حاجتها في استرجاع جزء من أسهمها بشرائها من السوق مباشرة. وهذا الوضع قد يرتاح له بعض المساهمين الذين لا يرغبون في استلام الأرباح النقدية في يدهم لعدم حاجتهم لها أو للرغبة في المزيد من الاستثمارات.

بصفة عامة نقول، إن شراء الشركة لأسهمها ينتج عنه عدة آثار منها مثلا ارتفاع ربحية السهم من صافي الربح القابل للتوزيع وذلك نظرا لانخفاض عدد الأسهم القائمة بعد شراء الشركة لأسهمها، وارتفاع نصيب السهم من التوزيعات النقدية، وانخفاض قيمة حقوق المساهمين الإجمالية بمقدار قيمة الاستحواذ، وارتفاع القيمة الدفترية للسهم إذا كان سعر الشراء أقل من قيمته الدفترية وبالمقابل تنخفض إذا كانت أعلى من سعر الشراء وغيرها من الفوائد المادية.

وفي جميع الأحوال، حتى إن لم تقم الشركة بتوزيع أي أرباح، فإن قيامها بشراء أسهمها يؤدي إلى ارتفاع العائد على حقوق المساهمين بسبب نقص عدد الأسهم المصدرة، لأن الأسهم التي يتم شراؤها تعتبر غير محسوبة أو تبقى كأسهم خزينة غير مستحقة للتوزيعات ولا تحسب من ضمن الأسهم المصدرة.

في حالات عديدة نلاحظ وجود تخوف من شراء الشركة لأسهمها، وهذا يتطلب من ادارة الأسواق وهيئات أسواق المال دراسة كل حالة علي حدة وفق المعطيات والظروف المتوفرة، ولا بد من وضع ضوابط رقابية وإشرافيه كافية من أجل تحقيق أفضل النتائج للشركات ومساهميها وحتى لا تنجرف الشركات في المضاربة بالأسهم لتحقيق الأرباح بعيدا عن مجال عملها والأهداف التي تم انشاء الشركة من أجل تحقيقها.

ويجب أن نأخذ في اعتبارنا، أن من يعارض الفكرة يقول ان شراء الشركة لأسهمها قد يؤدي إلى تحول الشركات من مزاولة عملها الأساسي إلى المضاربة في الأسهم، خاصة أو أن الكفة ستكون في مصلحة الشركات لأنها أعرف بأسهمها من بقية المتعاملين، وأنها قد تستغل ما يتوافر لديها من معلومات لمصلحة الشركة وضد المستثمرين، وفي هذا هدم لأساسيات تنظيم عمل الأسواق وعدم حماية المستثمرين زاد وروح الأسواق.

وبالنسبة للضوابط التي يجب مراعاتها نذكر، مثلا، منع الشركات من شراء أسهمها الا بعد مدة زمنية معينة وعدم السماح بالشراء الا في حالة توفر مبالغ نقدية بمبلغ كاف يتم تحديده وفق آليات معينة يتم التقيد بها حتى لا يحدث تلاعب لتحقيق أهداف معينة للبعض من خلف شراء أسهم الشركة والمضاربة بها.

ان شراء الشركة لأسهمها قد يكون أمرا منطقيا وضروريا ولهذا فان مبادئ العدالة تقتضي التعامل معه بصورة مهنية تهدف لحماية الشركات ومساهميها والسوق بصفة عامة، وفي نفس الوقت، توفير بيئة سليمة للتعامل بالأسهم في أي وقت وفي أي شكل كان. ولنتعامل مع كل حالة بعدالة تامة ووفق خصائصها ومتطلباتها ووفق الضوابط الرقابية السليمة لحماية المستثمرين في الأسواق.