الحلال والحرام في الأسهم والشركات

الشيخ د. عبدالله بن عبدالعزيز الزايدي

الحلال والحرام في الأسهم والشركات


الشيخ د.عبدالله بن عبدالعزيز الزايدي

 
من نعم الله علينا في بلادنا -المملكة العربية السعودية- أن معظم سكانها يحرصون على تحري الحلال في تعاملاتهم البنكية؛ لهذا أقبلوا على الأسهم والبنوك التي تتعامل تعاملاً شرعياً؛ فتجتنب القروض الربوية وتتجنّب الاتّجار في المحرّمات، لما في ذلك من مرضاة الله وطاعته وبركة الكسب الحلال وآثاره الطيبة.

ولهذا اتجه هؤلاء إلى استفتاء المتخصصين فيما يريدون الاكتتاب فيه أو شراء أسهمه من شركات وبنوك.

وقد كان لهذا الاتجاه أثره في السوق المالية وفي حالات الاكتتاب. فالفتوى الشرعية من المختصين أصبحت عاملاً ثالثاً يتحكم بأسعار السوق إلى جانب العرض والطلب، فكمية الأسهم المتداولة ترتبط أحياناً بالتحليل والتحريم.

وانطلاقاً من هذا الواقع الجيد المرشح للاستمرار والزيادة بسبب الوعي العلمي والشرعي فإن من المهم أن تعمد الشركات لإصلاح أوضاعها بما يتفق مع الشريعة والواقع.

إن بعض البنوك -التي تُسمّى تقليدية- قد سارت شوطاً طيباً فيما يتصل بالتحوّل إلى التعامل المشروع في كافة أنشطة البنك، وكانت ناجحة في قسم الخدمات الإسلامية التي تطوّرت بشكل كبير، ولكن لم نعد نسمع عن إكمال المسيرة.

لِمَ لا تتوافق البنوك والمؤسسات مع الاختيار الشعبي، وقبل ذلك مع الأحكام الشرعية والأنظمة القائمة، لاسيما أن هذا التوافق سيجلب لها المزيد من الربح والزيادة في أسهمها والإقبال عليها؟

من الغريب حقاً أن تجد هذه الشركات وتلك البنوك سبباً مشروعاً متفقاً مع الأنظمة، ومؤثراً حتماً في زيادة الربح والتوسع، ومع ذلك تتوقف في سلوكه وتتريث في انتهاجه.

إن الربح المشروع والتجارة المنضبطة بضوابط الشرع سبب في بركة المال التي تتعدى مجرد زيادة الرصيد؛ فهي تمتد لتؤثر إيجاباً في المحافظة على المال من الجوائح والنكبات التي تحدث لأسباب كثيرة.

ومن المعلوم أن أكبر المؤسسات المالية لدينا وهي (شركة الراجحي المصرفية للاستثمار) هي أعلى الشركات سعراً في الأسهم، وهي أقل الشركات ديوناً غير ممكنة التحصيل، بعكس بعض البنوك التي لاتزال تتعامل بالفائدة غير المشروعة (الربا) والتي بلغت ديونها الشكوك في تحصيلها نسبة مؤثرة مقارنة بموجوداتها المالية. ولا نجد فرقاً بين الشركة وهذه البنوك سوى التزام الشركة بالبعد عن الربا في تعاملاتها. وهذا يؤكد الأهمية الكبيرة للالتزام الشرعي.

وإن مما يشجع البنوك والشركات ويحفزها على التوجه نحو الالتزام بالضوابط الشرعية - وضع هيئة رقابة شرعية لسوق المال تفتي في تعاملات الشركات والمؤسسات المالية حتى تتلافى اختلاف الفتوى وتعدّد الفتاوى حول بعض الشركات؛ لأن ارتفاع أسهم شركة ما يرتبط بكثرة الإقبال عليه، ومن أسباب ذلك الفتوى بحل ذلك السهم، و من الطبيعي أن يكون أعضاء هذه الهيئة المقترحة هم ممن يجمع بين العلم الشرعي وفهم حقيقة التعاملات المالية المعاصرة أمثال أساتذة الاقتصاد الإسلامي في بعض جامعاتنا السعودية.

إلاّ أن البعض يرى أن مثل هذه الخطوة في رأيه تلحق ضرراً بالاقتصاد الوطني لكونها ستحدث تمييزاً بين الشركات، وستؤدي إلى انهيار أسهم بنوك وشركات كثيرة.

وهذا قد يكون له نصيب من الصحة، غير أن العلاج يكمن بمسارعة هذه الشركات لترك القروض الربوية، وإعلان التزامها مستقبلاً بالمعاملات المشروعة. وأنها لن تقترض بطريق الفائدة الربوية المحرمة.

إن معظم المخالفات في الشركات المساهمة تكمن في القروض الربوية.

ومع وجود بديل مشروع جيد وعملي وناجح، بديل للقرض الربوي فلا معنى للإصرار بعد ذلك على القروض الربوية المحرمة.

وإن وجود عدد من الفقهاء المتخصصين بالمعاملات المالية المعاصرة ممن عُرفوا بالاحتياط والدقة في تشخيص أحوال الشركات يشجع على إقامة لجنة فتيا متخصصة في هذا الجانب، وحبذا لو ضُمّت إلى لجنة الإفتاء الرسمية؛ إذ لا يوجد -حسب الظاهر- فيها من يجمع بين التخصص الفقهي والاقتصادي، وتكون مثل هذه اللجنة حلاً لتعدد الفتاوى في موضوع الأسهم؛ لأن موضوع الفتوى في الأسهم ضرورة شرعية دينية، وهي مطلب لكل مسلم حريص على سلامة أمواله من الربا والشبهات، وليست ترفاً أو مجرد مطلب لأفراد، وإذا لم يحدث ذلك فلا معنى لما تبنته إحدى الصحف المحلية من دعوة إلى الحجر على المختصين الجامعيين بين العلم بالمعاملات المعاصرة والعلم الشرعي، وعدم السماح لهم بالفتوى بحجة أن ذلك يحدث بلبلة واضطراباً في سوق الأسهم، ولأنهم ليسوا من الهيئة الرسمية للفتوى، فهذه دعوة في غير محلها؛ لأن مثل هؤلاء محل ثقة كثير من الناس؛ لإدراكهم أن هؤلاء يعرفون حقيقة الشركات وأوضاعها ويستطيعون -بحكم اختصاصهم- دراسة قوائم الشركات المالية ومعرفة ثغراتها وإشكالاتها. وهم بحكم الاختصاص يعرفون أكثر مما يعرفه بعض الفقهاء غير المختصين بدراسة الاقتصاد، ومن ثم فإن الدعوة لمنع هؤلاء من الفتوى دعوة خطيرة لا محل لها، وهي مصادرة لحقهم وحقوق الآخرين ممن يحرصون على معرفة رأيهم والأخذ بفتواهم.
وإن ما يراه بعض الكتاب من تأثير سلبي للفتوى على سوق الأسهم ينطلق من رؤية مادية مجردة لا تلتفت للتأثير الأعظم للربا ومشكلاته على الوضع الاقتصادي الدولي، وعلى الفرد نفسه؛ لأن المسلم يتيقن قول الحق تبارك وتعالى (يمحق الله الربا ويربي الصدقات) وثم مؤثرات سلبية كثيرة على سوق الأسهم لا يستطيع أحد منعها، وهي الإشاعات، وما يُكتب في بعض مواقع الإنترنت. فكيف نترك واجباً شرعياً لأجل أهواء النفوس وشهواتها