هل يمكن قيام بنك إسلامي حقيقي؟

رفيق المصري

هل يمكن قيام بنك إسلامي حقيقي؟

د. رفيق المصري

هذا هو السؤال الذي بدأنا به المسيرة نجد أنفسنا مضطرين للعودة إليه الآن.

-       هناك في الإسلام قروض، ولكنها بلا فائدة.

-       هناك في الإسلام بيوع يجوز فيها الزيادة ( الربا ) للتأجيل.

-       ويجوز فيها الحطيطة ( = الوضيعة ) للتعجيل.

-       لكن ( الربا للتأجيل ) و ( الحطيطة للتعجيل ) يجوزان في الإسلام ضمن علاقة ثنائية بين بائع ومشتر.

-       إذا دخل بينهما وسيط ( بنك ) لم يجز ( الربا للتأجيل ) ولا ( الحطيطة للتعجيل )، لأن من شأن هذا الشخص الثالث ( الوسيط ) أن يمنح تمويلاً بمبلغ ويسترده بمبلغ أكبر مشروط، وهذا هو ربا النسيئة المحرم في الإسلام.

-       البنك التقليدي يقوم على القرض بفائدة، ولا يمكن للبنك الإسلامي أن يقوم على القرض بفائدة. وإذا قام على القرض بغير فائدة فهو بنك خيري لا بنك تجاري. البنك الخيري لا يهدف إلى الربح، والبنك التجاري يهدف إلى الربح. والبنوك الإسلامية ليست بنوكًا خيرية، بل تهدف إلى تحقيق عوائد لمودعيها وأرباح لمساهميها، مثلها في ذلك مثل البنوك التقليدية سواءً بسواء.

-       أول ما قام البنك الإسلامي قام نظريًا على أساس إحلال القِراض ( = المشاركة في الربح ) محل القَرض، سواء أكان ذلك في مجال تلقي الودائع ( مجال التموّل )، أو في مجال منح التسهيلات ( مجال التمويل ).

-       لم يستطع البنك الإسلامي أن يعمل بنظام القِراض ( = المشاركة في الربح )، بل عدل عن الودائع القائمة على القِراض إلى الودائع المضمونة الأصل، بل المضمونة العائد أيضًا، فصار البنك الإسلامي كالتقليدي بالنسبة للودائع، مع اختلاف الألفاظ فقط. فالودائع في كلا البنكين مضمونة الأصل ومضمونة العائد.

-       كما عدل البنك الإسلامي عن التمويل بالقِراض إلى التمويل القائم على المداينات، كالبيع الآجل، والمرابحة الآجلة، والإجارة، والتورق، أي عدل عن القِراض إلى البيوع الآجلة تحت صور ومسميات مختلفة لهذه البيوع، ولكنها تقوم جميعًا على أساس البيع الآجل الذي يزاد فيه الثمن لأجْل الأجَل.

-       لكن من شروط صحة هذه البيوع الآجلة أن تتم ضمن علاقة ثنائية بين البائع والشاري. أما البنك الإسلامي فإنه حوّل العلاقة الثنائية إلى علاقة ثلاثية، حيث دخل وسيطًا ( أو شخصًا ثالثًا ) بين المتبايعين ( البائع والشاري ).

-       فلم يعد هناك فرق بينه وبين البنك التقليدي، فما يسميه البنك التقليدي خصمًا ( أو حسمًا ) يسميه البنك الإسلامي مرابحةً، ولا فرق بينهما في الجوهر. هناك فرق في الشكل، وهو أن البنك في الخصم ( = الحسم ) يمنح التمويل إلى البائع بالدين، وفي المرابحة يمنح التمويل إلى المشتري بالدين، ولا فرق بينهما في الحكم الشرعي. فعلى من أجاز المرابحة أن يجيز الخصم ( = الحسم )، ومن لم يُجز ذلك فلأنه مُحرج بسبب أجور الفتوى الباهظة والمغرية!

-       إذا لم تستطع البنوك الإسلامية أن تعمل بالقِراض، وأرادت أن تعمل بالبيوع الآجلة بدل القروض الآجلة، فإن عليها أن تكون محلات للتجارة بالسلع، ولا يمكن أن تكون  بنوكًا أو مصارفَ بحال. ولو أرادت أن تبقى بنوكًا كالبنوك فإنها لا تستطيع ذلك إلا بأن تكون بيوعها صورية، أي لا بد لها أن تلجأ إلى الحيل! ومن العسير على الهيئات الشرعية الاعتراف بذلك، أمام أجور الفتوى الباهظة والمغرية!

-       فما لم تكن هذه المصارف محلات لبيع السلع لا يمكن أن تكون بيوعها مشروعة، وهذا يوجب عليها أن تخاطر ببيع السلع وشرائها وأن يكون لديها معارض ومخازن تمامًا كتجار السلع، وأن تتخلى عن الوعود الملزمة، وإلا كان عملها في البيوع صوريًا!

 

على الهيئات الشرعية أن تناقش ما سبق لها أن تجاهلته، أن تناقش هذه المسألة الأساسية قبل الدخول في أي تفاصيل أخرى، ولكن هل تستطيع أن تتجرد وتتماسك أمام أجور الفتوى الباهظة والمغرية؟!

 

كيف إذا توصلت إلى أن البيوع حتى تكون صحيحة لا يمكن ممارستها في إطار البنوك، أو إذا توصلت إلى أن البنوك حتى تكون بنوكًا لا يمكن أن تعمل بالبيوع! هل يمكن للهيئات الشرعية أن تصدر قرارًا تاريخيًا صائبًا، ولو أدى ذلك إلى تضحيتها بأجور الفتوى الباهظة والمغرية؟!

 

من العجيب أن تفتي هذه الهيئات وتشهد بأن المصارف التقليدية ربوية، وأن المصارف الإسلامية غير ربوية، مع أن عملهما واحد، لا اختلاف بينهما إلا في الأشكال والصور والأسماء، وفوق ذلك كله تحصل هذه الهيئات على أجور فتوى باهظة ومغرية! فأي شهادة هذه؟ وأي أجر هذا؟