هل التمويل في المصارف الإسلامية محدود؟

خولة فريز النوباني

هل التمويل في المصارف الإسلامية محدود؟.. خولة فريز النوباني
ينظر الكثيرون من المتخصصين والباحثين في مجال الاقتصاد الإسلامي لأهمية البحث في وسائل تمويلية جديدة تتبنى الفكر المالي الإسلامي كمرجعية وذلك للتوافق مع متطلبات العصر ونفي فكرة الجمود على النص التي غالبا ما يتهم بها الإسلام بسبب تقصير أهله خاصة في هذا المجال.
وبالرغم من أن الأمور المحددة في الفقه الإسلامي لموضوع التمويل إنما هي ضوابط بالأصل وليست محددات كتحريم الربا والغش والتدليس، ومنها ضوابط للصالح العام وذلك من مثل الصبر على المدين المعسر، إلا أن العامة ينظرون للأمر من حيث التطبيق الواقعي في المصارف الإسلامية على انه مليء بالعقبات والمحددات في سبيل حصولهم على التمويل مما يجعلهم يتهمون الإسلام بالقصور وذلك أمر فيه من التجني وعدم المصداقية الشيء الكثير ونعزوه إلى جهل عامة الناس بالمعاملات المالية الإسلامية حتى أننا وعبر هذا الرصد نجده علما مقتصرا على النخبة، والنخبة محتكرة لهذا العلم ودليل الاحتكار تقصيرها في توعية العامة به، ومن الأسباب الأخرى التي أجدها مردا لهذا الاحتكار هو أن الوعي المجتمعي يشكل سلطة رقابية في نهاية الأمر ويبدو أن هذه المصارف قد اكتفت بالسلطة الرقابية للهيئات الشرعية والبنوك المركزية، ولا شك أن كلا مما ذكر يشكل رقابة من زاوية إما قانونية أو شرعية إلا أن غياب الرقابة المجتمعية التي تشكل رقابة من زوايا عديدة عاد علينا بالجمود على المنتج المحدود من دون التفكير بالابتكار لتحسين النوعية وزيادة عدد المنتجات التمويلية الإسلامية.
وبينما تنفي المصارف الإسلامية عن نفسها هذه النظرة من زاوية أنها تعمل، وعملها يصب في الصالح المالي الإسلامي فإنها لا زالت وللاسف تعتبر أن تقديمها لهذه الخدمة من منظور إسلامي هو إنجاز بحد ذاته متناسية أن اي عمل فيه جرأة في التعامل مع السوق لتوفير احتياجاته هو إنجاز كذلك، وبالرغم من أن الدعوة العامة فيما بين المتعاملين وبعضهم البعض تتنادى غالبا بالتطوير لهذه المؤسسات، إلا أن هذه الدعوة لازالت محصورة فيما بين العامة دون الأخذ بها بالجدية الكافية لبدء التطوير في الموارد البشرية وصولا بالمنتج الملائم للاحتياجات والملتزم بالضوابط الشرعية.
وقد انعقدت عدة مؤتمرات لمناقشة هذا الأمر ولكن حتى المؤتمرات في هذا المجال تبقى محصورة في يد من يسمون بنخبة العاملين في قطاع المصارف الإسلامية دون النظرة الإبداعية والمبتكرة في سبيل الوصول لتطوير حقيقي خاصة في قطاع المصارف الإسلامية الاردني، نظرا لأن المصارف الإسلامية في المنطقة أصبحت تخطو خطوات واسعة في النواحي التطويرية، فالحضور يقتصر على النخبة الإدارية في هذه المؤسسات بينما يبقى الموظف والذي يكون في غاية الحماس في بداية إنضمامه للمؤسسة ثم يتم تأهيله النمطي ضمن دائرة الروتين التي تقتل أي جانب إبداعي لديه وإذا كانت الجودة المؤمولة في هذه المؤسسات ترتبط بعملائها فإنه لا بد من دمج الموظفين ذوي الإحتكاك المباشر مع الجمهور للخروج بتصور يلبي حاجات العملاء.
ولعل المعضلة الحقيقية التي تواجهها المصارف الإسلامية هي القدرة على ابتكار مصادر جديدة للتمويل متوافقة مع فقه المعاملات المالية الإسلامية إلا أن الأمر ليس بالمعضلة بالمعنى الدقيق للكلمة، ولكنه بحاجة إلى دعم للبحث العلمي وإطلاع واسع على متطلبات السوق وهذه الدراسات بحاجة إلى فرق من المتخصصين ودمج للخبرات في المنطقة والعالم، فيما يتعلق بوسائل التمويل المناسبة والتي ترتبط بحاجات مجتمعاتنا الإسلامية ضمن خصوصية التشريع.
بالرغم من أن التمويل في المصارف الإسلامية مرتبط ارتباطا وثيقا بالعملية الإنتاجية إلا أن الركون إلى توفير السيولة السريعة والذي اعتادته أغلب فئات المجتمع عبر الاقتراض من البنوك التقليدية أدى إلى رهبة في التعامل مع المصارف الإسلامية يعززها الجهل بطبيعة التعامل المالي الإسلامي، وعلى ذلك فإن المصارف الإسلامية مطالبة بتعميق الوعي ونشره عبر فئات المجتمع كافة نشرا للفكر العادل والربح المرتبط بالإنتاج، وقد وجدنا الكثير من المثقفين وحملة الشهادات العليا يجهلون وسائل التمويل الإسلامية والبعد الحقيقي لمثل هذه الممارسة التي إن لم نصفها ببعدها الإسلامي لوصفناها ببعدها العادل الذي يحقق للتنمية أبعادها الحقيقية ويعود على الفرد والجماعة بالربح الحلال بما يضمن تفادي الكثير من المشاكل الاجتماعية النابعة من تبعات اقتصادية بالدرجة الأولى.
وبالنظرة الموضوعية بغض النظر عن الممارسات السلبية التي قد نواجهها عبر المصارف الإسلامية فإن الحكم المنصف للفكر المالي الإسلامي يجعله مؤهلا لحلول اقتصادية ملموسة في البعد الاجتماعي والاقتصادي معا وفي كافة الدول المتبنية له، ومثال ذلك أن المصارف الإسلامية لديها قابلية عالية لتمويل القروض الصغيرة والتي أثبتت دورها الفعال في محاربة الفقر، والبطالة، والهجرة من الريف إلى المدن.
إن ارتباط الربح في المصارف الإسلامية بالعملية الإنتاجية جعلها أكثر واقعية وعدالة في التعامل مع المعطيات الاقتصادية بعكس البنوك التقليدية التي يتولد الربح فيها من الفائدة والتي تشكل توليدا للنقد من النقد بغض النظر عن الإنتاج مما يساهم بدور كبير في زيادة التضخم وما يتبعه من مشاكل اقتصادية واجتماعية لا تخفى .
وقد تحمست كثير من القطاعات الإنتاجية والصناعية في العالم الغربي لفكرة المشاركة في الربح والخسارة والتي يقوم عليها نظام التمويل الإسلامي في بعض صوره ،حتى أنه قد امتنع كثير من العاملين في قطاع المقاولات عن الاقتراض بالربا (الفائدة) والتي توفرها البنوك التقليدية وتحمسوا لمبدأ المشاركة والذي تموله المصارف الإسلامية.
إننا بحاجة لحملات توعوية في المعاملات المالية الإسلامية وهذه الحملات تتوجه إلى فئتين الأولى فئة العامة والثانية فئة القائمين على العمل المالي الإسلامي، والفئة الاولى توعيتها ترتبط بالتثقيف الحقيقي بفقه المعاملات المالية الإسلامية عبر المنابر والإعلام وكافة الوسائل المتاحة بما يخدم ويعزز التوجه نحو إصلاح اقتصادي في المدى البعيد، أما الفئة الثانية فهي بحاجة إلى تبني النهج العلمي البحثي ودعمه لتطوير المنتج وللارتقاء إلى المستويات التي تتبنى حاجات المجتمع من خلال التمويل الصحيح لمشاريعه.
باحثة أردنية متخصصة في الاقتصاد الإسلامي