نيولوك" للقروض بالبنوك الإسلامية

أشرف محمود

"نيولوك" للقروض بالبنوك الإسلامية!
    
د. أشرف محمود**

المرابحة بالبنوك الإسلامية صارت ديكورًا خاليًا من المضمون

رغم اعترافنا بأهمية "المرابحة" كصيغة من صيغ التمويل والاستثمار في البنوك الإسلامية، فإن الواقع يشير إلى أن كثيرًا من الأخطاء شابت هذا الأسلوب عند التطبيق، حتى صار صورة أقرب إلى القرض بالبنوك العادية، مع الاختلاف فقط في المسمى.

وقبل أن ندخل في تفاصيل ذلك، لا بد أن نعرف أولاً ما هي المرابحة، ومدى اتفاقها مع الشريعة الإسلامية.

فمن المعروف أن للمرابحة مفهومين هما:

الأول: تقليدي: وهو ما تناوله فقهاء المسلمين القدامى، حيث يتمثل في بيع بمثل الثمن الأول مع زيادة ربح معلوم، وصورتها أن يقول البائع أنا اشتريت هذه السلعة مثلاً بألف وبعتها إليك بما اشتريتها به وزيادة قدرها مائة، فيقول المشتري: قبلت ذلك.

الثاني: معاصر: وهو ما أقره الفقهاء المعاصرون باسم "المرابحة للآمر بالشراء"، حيث يتمثل مفهوم المرابحة في شراء البائع لسلعة ما بناء على طلب المشتري وبيعها له بزيادة معلومة مع بيان الثمن الأساسي للسلعة، وقد استند الفقهاء المعاصرون في تلك الصورة إلى قول الإمام الشافعي في كتابه الأم: "وإذا رأى الرجل السلعة، فقال: اشترِ هذه وأربحك فيها كذا، فاشتراها الرجل، فالشراء جائز والذي قال: أربحك فيها بالخيار إن شاء أحدث فيها بيعًا، وإن شاء تركه".

المرابحة جائزة شرعًا بشروط

والمرابحة في رؤية جمهور الفقهاء جائزة شرعًا بالكتاب والإجماع والمعقول:

فمن الكتاب: قوله تعالى: )وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا( (سورة البقرة: 275)، حيث إن المرابحة تدخل في عموم البيع، والبيع جائز في الجملة، فكذلك المرابحة.

وأما الإجماع: فقد تعامل الناس بالمرابحة في مختلف الأعصار والأمصار بغير نكير، ومثل ذلك حُجة.

وأما المعقول: فالحاجة ماسة إلى هذا النوع من البيع؛ لأن الغني الذي لا يهتدي في التجارة يحتاج إلى أن يعتمد على عقل الذكي المهتدي، فالقول في المرابحة هو القول في البيع؛ لأنها لا تعدو أن تكون صورة من صوره، فضلاً عن استجماعها لشرائط الجواز وجريانها على قواعد صحة البيع من العلم بالثمن وغير ذلك.

ويشترط في بيع المرابحة ما يشترط في البيع بصفة عامة، ويختص بشروط خاصة تتمثل في علم المتبايعين برأس المال والربح، وأن يكون العقد الأول صحيحًا، وأن يكون رأس المال من ذوات الأمثال كالمكيلات والموزونات، وألا يكون الثمن في العقد الأول مقابلاً بجنسه من أموال الربا؛ وذلك لأن المرابحة بيع بالثمن الأول وزيادة، والزيادة في أموال الربا تكون ربًا لا ربحًا.

وقد أقر مجمع الفقه الإسلامي المنبثق عن منظمة المؤتمر الإسلامي صورة المرابحة للآمر بالشراء إذا وقعت على سلعة بعد دخولها في ملك المأمور، وحصول القبض المطلوب شرعًا، طالما كانت تقع على المأمور مسئولية التلف قبل التسليم، وتبعة الرد بالعيب الخفي ونحوه من موجبات الرد بعد التسليم، وتوافرت شروط البيع وانتفت موانعه.

فالبائع في المرابحة لا بد أن يكون مالكًا وحائزًا للسلعة ومتحملاً لمخاطرها حتى لا يكون بائعًا لما ليس عنده، فقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تُبَاعَ السِّلَعُ حيث تُبْتَاعُ حتى يَحُوزَهَا التجار إلى رِحَالِهِم (رواه أبو داود)، وروى حكيم بن حزامٍ رضي الله عنه قال: قلت يا رسول الله: يأتيني الرجل يريد السلعةَ ليست عندي فأبيعها عليه، ثم أذهب فأشتريها، فقال صلى الله عليه وسلم: "لا تَبِعْ ما ليس عندك" (رواه الترمذي).

واقع المرابحة في البنوك الإسلامية

تعتمد البنوك الإسلامية على صيغة المرابحة للآمر بالشراء بصورة تكاد تغطي عمليات التوظيف والاستثمار في تلك البنوك، حتى باتت تعيش في سجن من المرابحة، ورغم تعمد غالبية المصارف الإسلامية عدم الإفصاح والشفافية عمدًا عن مكونات ونسب صيغ التوظيف والاستثمار بها واعتمادها على دمج هذه الصيغ دفعة واحدة تحت مسمى مضاربات ومشاركات ومرابحات؛ وذلك للحيلولة دون الكشف عن النسبة الحقيقية للمرابحات في إجمالي استثماراتها، وكأن هذا الأمر عورة تتبارى عن بيانها.

ورغم صعوبة الحصول على البيانات فقد تمكن الباحث من خلال دراسة مكتبية وميدانية قام بها حديثًا للعديد من المصارف الإسلامية بمصر والأردن ودول الخليج إلى حقيقة علمية وعملية مؤداها أن المرابحة تستحوذ على نسبة تتراوح ما بين 60 - 90% من استثمارات تلك المصارف. وهذا الأمر في رؤيتنا لو كان يتم تطبيقه بصورة شرعية سليمة لتم قبوله من تلك المصارف، ولكن واقع الحال يكشف عن مرابحة لا تحمل من الأمر إلا اسمه حتى أصبحت أقرب للتمويل الربوي منه إلى التمويل الإسلامي.

ويرجع ذلك في الأساس إلى طبيعة الأسلوب الذي تتبعه المصارف الإسلامية لتطبيق هذه الصيغة والذي جعل الغرض الأساسي من عمليات المرابحة هو غرض تمويلي بحت، وليس عملية استثمارية بالمعنى الذي يفضي إلى تملك الأصول وتحمل المخاطر من أجل الحصول على الربح، فالصورة المطبقة للمرابحة هي الصورة التي يسبق فيها الطلب العرض، أما الصورة العامة التي يسبق فيها العرض الطلب، فليست متداولة أو معروفة في معظم المصارف الإسلامية.

فالواقع التطبيقي للمرابحة يكشف عن كثير من التجاوزات في ترتيب هذا العقد، فالبنك لا يقوم بالشراء بنفسه، وإنما يكتفي بأن يقدم له العميل فاتورة بالسلع المراد شراؤها، ويقوم البنك بتسديد قيمة الفاتورة مقابل الربح المتفق عليه، وقد يقوم البنك بإرسال مندوب يقتصر دوره على تسليم السلعة للعميل ودفع القيمة للبائع، أو يوكل البنك العميل في ذلك، وقد تكون السلعة موضوع المرابحة مشتراة من قبل باسم العميل، فالبنك بذلك لا يتحمل أي مخاطر ويبيع سلعة ليست في حوزته أو ملكه، إضافة إلى أنه غالبًا ما يكون ارتباط العميل بالمصرف من البداية ارتباطًا ملزمًا لا يملك منه فكاكًا، فهو إلى العقد أقرب منه إلى الوعد.

وهكذا تحولت المرابحة من صيغة شرعية إلى صيغة غير شرعية أشبه بما عليه التمويل في البنوك التقليدية، وأصبحت شكلاً لا مضمونًا، ويرجع ذلك -في رأينا- بصفة رئيسية إلى اتفاق هذا الأسلوب مع نمط المعاملات القائمة في البنوك التقليدية والتي تتمثل في الاقتراض والإقراض، وبخاصة أن غالبية المصرفيين العاملين في حقل المصارف الإسلامية جاءوا إليها من بنوك تقليدية تتعامل بالفائدة، فآثروا المرابحة على غيرها من صيغ الاستثمار.

وهكذا يكشف واقع المصارف الإسلامية عن التناقض التام بينه وبين ما توصلت إليه حركة التنظير الأولى لفكرة المصارف الإسلامية والتي رأت أن أسلوب المشاركة يمثل الصيغة الأساسية الأكثر ملاءمة والتي يجب أن تعتمد عليها المصارف الإسلامية لتوظيف مواردها المالية، ولم يكن في حسبانها أن تكون المرابحة الصيغة الأساسية الأولى بهذه المصارف.

كما يتناقض هذا الوضع أيضًا مع ما أعلنت عنه المصارف الإسلامية في المرحلة الأولى لبداية نشاطها من أن الهيكل الحالي لأساليب الاستثمار والذي يعتمد على أسلوب المرابحة بصفة رئيسة هو وضع مؤقت؛ لأنه مرتبط بظروف خاصة ببداية نشاط هذه المصارف، وسوف يتم تعديله تدريجيًّا في المراحل اللاحقة تجاه تزايد الاعتماد على أسلوب المشاركة في توظيف مواردها.

آلية للعلاج

وإذا كنا نؤمن بقيمة المرابحة كصيغة للتعامل في البنوك الإسلامية، فإننا نرفض بشدة أن تصبح هذه الصيغة صيغة وحيدة، كما أننا لا نستطيع أيضًا أن ندافع عن الممارسات الخاطئة في التطبيق، ولا نستطيع أن نتصور أيضًا أن الممارسات الخاطئة كانت عشوائية محضة أو بسبب جهل القائمين بتطبيقها فقط، وإذا كان البعض ينظر للمرابحة على أنها أقل مخاطر للبنك الإسلامي، وتوفر له قدرًا مناسبًا لمنافسة البنوك التقليدية، وتوائم طبيعة الموارد قصيرة الأجل التي تغلب على موارد المصارف الإسلامية، وتمكن من خدمة الأفراد والمشروعات بتوفير احتياجاتهم من السلع بصورة تلبي رغباتهم، فإن تلك المبررات لا يمكن اتخاذها وسيلة لتغليب المرابحة على صيغ الاستثمار الأخرى والخروج بها عن المنهج الشرعي الموضوع لها.

وفي هذا الإطار ينبغي ألا يتجاهل البنك الإسلامي تملك السلعة وتحمل مخاطرها حتى تسليمها للمشتري، ولتحقيق ذلك يمكنه القيام بعمل معارض دائمة تتضمن احتياجات عملائه من السلع، ويمكن من خلال هذه المعارض الاتفاق مع العديد من كبرى الشركات المنتجة على عرض بضائعهم في تلك المعارض، إضافة إلى عرض البنك الإسلامي لمنتجات شركاته فيها، ويمكن للبنك الإسلامي أيضًا أن يكون سمسارًا لتلك الشركات يبيع لها سلعها، وهو الأمر الذي يقلل من تكلفة السلعة ويتيح للعملاء شراءها بسعر مناسب، وييسر على المتعاملين، إضافة إلى تفادي المصارف الإسلامية لمثالب ربط عائد البنك في المرابحة بسعر الفائدة السائد.

وختامًا.. فإن الله تعالى أكرم هذه الأمة بمنهج اقتصادي رباني تتعدد فيه أساليب ووسائل الاستثمار بما لا يوجد في غيره من النظم التقليدية ما بين المشاركة والمضاربة والمرابحة والاستصناع والبيع الآجل والاتجار المباشر والمزارعة والمساقاة وغيرها... فلتخرج المصارف الإسلامية من ضيق المرابحة إلى سعة تلك الأساليب حتى تفي بمسئوليتها الاقتصادية والاجتماعية فتحقق ما ألزمت به نفسها منذ قيامها، بالمساهمة في تحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية بالبلدان الإسلام