مقال مبكّر عن المصارف الإسلامية

رفيق المصري

مقال مبكّر عن المصارف الإسلامية

د. رفيق المصري

بتاريخ 4/2/1984م نشرت صحيفة الشرق الأوسط مقالاً بعنوان : ( البنوك الإسلاربوية طلاء إسلامي لواقع غير إسلامي ) لحسن علي راشد، من مواطني دول الخليج العربية، وهو اسم مستعار لم يعرف صاحبه حتى الآن.

أنا أرجح أنه الشيخ صالح الحصين من المملكة العربية السعودية. شغل منصب وزير دولة في المملكة العربية السعودية، وحاز في عام 2006م على جائزة الملك فيصل في مجال خدمة الإسلام. وهو متقدم في السن، وضعيف البصر. ضم إلى بعض الهيئات الشرعية، مثل شركة الراجحي والبنك الإسلامي للتنمية، وقيل : إنه لم يكن يأخذ أجرًا على الفتوى. وكان موقفه هذا يُحرج سائر أعضاء الهيئة الشرعية!

يقول في مقاله : في فترة سابقة تعجلت فزكيت هذه البنوك، وشجعت الأغنياء ومتوسطي الحال الخليجيين على الإسهام فيها، فلزم أن أكفر عن إضلال الآخرين بنصيحة مهداة.

يقول : وكاتب هذا الموضوع ليس غريبًا على هذه البنوك، وليس ممن يجهل واقعها معاملاتٍ ورجالاً.

وهذا ما أكدته الصحيفة : وجدنا أنفسنا أمام خيار صعب، عندما وصلت إلينا هذه الدراسة التي يبدو على كاتبها أنه خاض التجربة وعايشها وعرف جزءًا غير يسير من أسرارها.

وذكر أن البنوك الإسلامية عقدت بتاريخ 25/6/1399هـ مؤتمرًا أجازت فيه المرابحة احتيالاً، على أساس وجوب الوفاء بالوعد.

في المرابحة يكون البنك ضامنًا لنفسه الربح، غير مخاطر بشيء، فهو يوهم نفسه، والحقيقة أنه يوهم الآخرين، أنه تاجر، والواقع أنه مقرض بفائدة سماها تلبيسًا مرابحة! وقضية البيع والشراء مجرد إجراء شكلي تحليلي. إنه يبيع ما ليس عنده، إنه يبيع ما لا يملك!

وكان يرى أن المقصود من قيام تلك المؤتمرات هو الحصول على بريق دعائي يبيض وجه تلك البنوك، ويردّ على الشبه التي تثار حولها، للحصول على المزيد من السيولة.

وكان يرى أيضًا أن القيمة العلمية لهذه المؤتمرات معدومة.

كانوا كلما قام ناصح ينهى عن السوء والتلاعب والتحايل قذفوه بكلمة مكررة : لا تعطل المسيرة!

يقولون : إن النقد العلني لتجربة البنوك الإسلامية يجرئ عليها الخصوم، ويشجعهم على النيل من التجربة.

إن الذي يجرئ الخصوم هو أخطاء التجربة، وليس نقد هذه الأخطاء. لو كان زعمهم صحيحًا لما ووجه رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله تعالى : ( وتُخفي في نفسك ما الله مُبْديه وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه ) الأحزاب 37.

إن المسارعة إلى نقد التجربة من وجهة نظر إسلامية تنطوي على خير حقيقي للإسلام والمسلمين إن شاء الله.

إن المسارعة إلى نقد التجربة تسدّ الطريق الذي ينفذ منه الخصوم إلى التشنيع على الإسلام ذاته، بمعنى أنهم يربطون بخبث بين فشل التجربة وبين مبادئ الإسلام نفسها.

بادرنا إلى نقد التجربة لكي نثبت ابتداءً أن الإسلام لا يؤاخذ بأخطاء المنتسبين إليه. ومن الخير أن يعلم الناس جميعًا أنه لا قداسة لتجربة بشرية، لأن الناس خطاؤون!

لماذا تفرغ قداسة وهمية على تجربة البنوك المضافة إلى الإسلام؟ لنتصور أن الأفكار التي تعمل بموجبها هذه البنوك صدرت في كتاب، فهل من الشرع، وهل من العقل، أن يزعم أحد أن هذا الكتاب مقدس لا يجوز نقده؟!

المسلم الصادق يتمنى أن يرى الإسلام مطبقًا في مجالات الحياة جميعًا، طاعةً لله تعالى وسعادةً للنفس وبركةً ونماءً واستقرارًا وتقدمًا راشدًا في المجتمع.

لكن من الإثم المغلظ إجهاض آمال المسلمين.

فمن بعيد تبدو تجربة هذه البنوك كأنها وثبة عظيمة في طريق الالتزام بالإسلام .. ومن قريب تظهر فيها ملامح تدل على أنها قد عمدت إلى استغلال أماني الناس الطيبين!

أثبت الواقع أن هذه البنوك لا تسير في الطريق السليم، وممن غير المقبول تفسير هذه الاتجاهات والتصرفات بأنها خطأ مجتهد أو مجرد زلة قدم. فكل تجربة لها شروط موضوعية لنجاحها. من هذه الشروط : العلم الصحيح. فنحن أمة يسبق علمها عملها. العلم يسبق العمل في الإسلام. ولا يصح الاندفاع في العمل دون علم كاف.

يخطئون ثم يقولون : نحن لسنا في مجتمع ملائكة! نفي الملائكية ليس معناه التحايل على الربا بشتى الصور والأساليب والأشكال والوسائل. إن التلبيس على الناس، في أمر دينهم بشكل خاص، يكون في أحيان كثيرة أشد خطرًا من المخالفة العلنية. ذلك لأن المخالفة العلنية يظل أصحابها، ما لم يجحدوا أصل التشريع ويردّوا أمر المشرع، عالمين بأنهم مخالفون مرتكبون لمعصية أو لكبيرة، مع ما في هذ العلم من الاعتراف بالذنب وتأنيب الضمير وتحديث النفس بالتوبة.

أما الأمر الملبّس فهو تزيين للموبقات بزينة الشرع ، ومن ثم فهو مخدّر رهيب، ومنوّم يحمل المساهمين في هذه البنوك على الكفّ عن محاولة التطهر المالي، بدعوى أن مالهم حلال طيب طاهر.

معصية تورث صاحبها إحساسًا بالعودة إلى الله خير من معاملة مالية ظاهرها الفضيلة وباطنها الإثم. يقول أيوب السختياني : إنهم يخادعون الله كما يخادعون صبيًا. لو أتوا بالربا على وجهه الصريح لكان أهون عليّ!  

كانوا يزعمون أن هناك جهات تشنّ حربًا على البنوك الإسلامية! الجهة الوحيدة التي يعقل أن تشن حربُا عليها هي البنوك الرأسمالية الربوية، فهل فعلت ذلك؟ على العكس كانت تحتضنها، مثل سيتي بنك والبنوك السويسرية وبنك مصر وغيره.

ويرى أن هذه البنوك ما هي إلا تكييف للنظام الاقتصادي الإسلامي مع النظام الرأسمالي الربوي، ومحاولة جريئة لإزالت التخوم الجوهرية بين النظام الرباني والنظام الوضعي.

وإن البنوك الرأسمالية رحبت بتجربة البنوك الإسلامية وسعت إلى احتضانها، ولم تجد فيها ما يهدد وجودها أو يعطل مصالحها. بل إن هذه البنوك تصب في مجاري النظام الاقتصادي السائد ودوراته. وهي وسيلة لإنعاش البنوك التقليدية، من طريق جذب أموال المتورعين عن التعامل بالربا.

كيف يدعي هذا البنك بأنه تاجر أحذية مثلاً وهو لا يملك أي خبرة في الأحذية؟

هناك فرق في الإجراءات، فالبنوك الأخرى تصل إلى مقصودها من أقرب طريق وبلا تعقيد، أما البنك الإسلامي فإنه يصل إلى المقصود نفسه، ولكن عبر إجراءات وتعقيدات كثيرة.

تاجرت هذه البنوك بالذهب وحققت خسارة جسيمة، وهل المتاجرة بالذهب إسهام في التنمية أو في المشروعات الإنتاجية؟!

لم يقع في تجربة معاصرة باسم الإسلام ما وقع من التحايل والتلاعب والتلبيس والتدليس والاستخفاف بوعي المسلمين كالذي وقع في تجربة هذه البنوك.

في ضوء هذا الغش المنظم والمبرمج يبدو أن المرابين الصرحاء أكثر صدقًا مع أنفسهم. المرابون الصرحاء قالوا : يتعذر اليوم تخليص المعاملات المالية من الربا، ولذلك نحن مضطرون للتعامل بالفائدة ... هكذا بكل وضوح وبلا ادعاء أو تنسك غير صادق.

أما الملبّسون والمتلاعبون فإنهم يسطون على المصطلحات الإسلامية لتبرير واقع غير إسلامي! لماذا تنقمون على البنوك الأخرى أخذها للفائدة؟ أهي حلال لكم حرام على غيركم؟!

أنتم تقولون نأخذ بالوعد الملزم كي لا تضيع حقوق المساهمين والمودعين إذا نكل الآمر عن شراء ما أمر به.

وهم يقولون : نأخذ الفائدة كي لا نخسر! فما الفرق بينكم وبينهم؟!

ودعا أخيرًا إلى عقد مؤتمر إسلامي عالمي لمناقشة أوضاع هذه البنوك، على أن يدعى لهذا المؤتمر علماء مشهود لهم بالعلم الراسخ والتقوى وقوة الشخصية والجرأة في الحق. ومن المصلحة استبعاد كل عالم له علاقة مالية بهذه البنوك مساهم أو مرابح، وكل عالم يتقاضى أجرًا من هذه البنوك مقابل عمله في هيئاتها أو مجالس إفتائها.

لاحظ أخيرًا سيطرة الأسر والأحزاب والطوائف على هذه البنوك : 3 بنوك تسيطر عليها أحزاب. بنكان تسيطر عليهما عائلتان. بنك تسيطر عليه طائفة!

ملاحظة

محمد أنس الزرقا يقبل هذا الكلام من الشيخ صالح الحصين، ولا يقبله مني! الشيخ صالح جاهه أعلى من جاهي، إن كان لي جاه عنده!