متطلبات خطاب الضمان المصرفي

د. عبد القادر ورسمه غالب

تعتبر خطابات الضمان المصرفية من أهم الأعمال التي تقوم بها البنوك في مجال دعم معظم النشاطات الاقتصادية والتجارية، ولقد ساعدت البنوك عبر اصدار هذه الخطابات على تشجيع وازدياد حركة التجارة الداخلية والدولية. وهذا خاصة، لأن خطابات الضمان المصرفية تعتبر من أهم وسائل الضمان المطلوبة لمنح الثقة في التعامل بين الأطراف في كل مكان وكل زمان.

ونظرا لأهمية هذه الخدمة المصرفية للتجارة الدولية، فلقد قامت غرفة التجارة الدولية بباريس ببذل جهود متواصلة ومقدرة من أجل وضع قواعد “موحدة – يونيفايد” لتنظيم تقنين استخدام خطابات الضمان في كل العالم علي نسق واحد موحد. وفي هذا الخصوص قامت لجنة الممارسات التجارية الدولية بالتنسيق مع اللجنة الخاصة بالتقنيات المصرفية بوضع القواعد “الموحدة” المنظمة للضمانات. ولقد تمت الاشارة لخطاب الضمان بأنه التزام خطي من قبل البنك أو أية هيئة أخرى أو أي شخص (و يطلق عليه الضامن) بدفع مبلغ نقدي وفقا لنصوص وشروط الضمان وذلك بناء على طلب من (الآمر) وبمقتضى تعليمات أو بناء علي طلب أو تعليمات أية هيئة أو شخص لفائدة طرف ثالث يسمى (المستفيد) من خطاب الضمان.

وفي نفس الخصوص، فلقد قامت اتفاقية الأمم المتحدة لسنة 1995 “اتفاقية الأمم المتحدة المتعلقة بالكفالات المستقلة وخطابات الاعتماد الضامنة” بالنص على أنه لأغراض هذه “الاتفاقية” الأممية يمثل التعهد (خطاب الضمان) التزاما مستقلا، يعرف في الممارسة الدولية بأنه ضمان مستقل أو خطاب اعتماد ضامن مقدم من مصرف أو مؤسسة أخرى أو شخص آخر، يلتزم بموجبه بأن يدفع للمستفيد مبلغا معينا أو قابلا للتعيين لدى تقديم مطالبة بسيطة أو مطالبة مشفوعة بمستندات أخرى وذلك على حسب ما ورد في أحكام التعهد. وأي من شروطه المستندية تبين أو يستدل منها استحقاق السداد بسبب تقصير في أداء التزام ما، أو بسبب حدث طارئ آخر أو سداد المال المقترض أو المستلف أو سدادا لأي دين مستحق السداد واقع على الأصيل أو شخص آخر. وكما نلاحظ، فإن اتفاقية الأمم المتحدة فيها توسع في تعريف مفهوم خطاب الضمان ليكون أكثر شمولا وفائدة على المستوى المحلي والمجتمع الدولي.

وفي هذا الخصوص اذا نظرنا لما ورد في التشريعات الوطنية، فنلاحظ أن قانون المعاملات التجارية في معظم دول الخليج، قام بتعريف خطاب الضمان على أنه تعهد يصدر من المصرف الضامن بناء على طلب زبون له (الآمر) بدفع مبلغ معين أو قابل للتعيين لشخص آخر (المستفيد) دون قيد أو شرط، مالم يكن خطاب الضمان مشروطا إذا طلب منه ذلك خلال المدة المعينة في الخطاب، ويوضح في خطاب الضمان الغرض الذي من أجله تم اصدار الضمان. هذا مع العلم ان خطابات الضمان يتم استخدامها كثيرا في منطقة الخليج، وهي من الخدمات المصرفية الرائجة.

ومن واقع التجارب نشأت بعض الخلافات بين أطراف خطاب الضمان وصدرت العديد من الأحكام القضائية، ولتفسير ما ورد في القانون فإننا نسترشد بقرارات بعض المحاكم منها المحكمة الاتحادية العليا لدولة الإمارات، حيث ورد في بعض أحكامها أن خطاب الضمان يعتبر من عمليات الائتمان التي تباشرها المصارف، وبمقتضاه يلتزم المصرف بدفع مبلغ الضمان المحدد في الخطاب إلى المستفيد، بمجرد الطلب خلال مدة معينة، أو بغير شرط، فهو التزام يتم بتصرف قانوني وبإرادة منفردة من المصرف، على اعتبارات شخصية تراعى في الزبون، وتتعلق بمركزه المالي، والثقة فيه، وفي قدرته على الوفاء بالتزاماته للمستفيد، لأن توقفه على الوفاء بها من شأنه أن يعرض المصرف للمطالبة بقيمة الضمان الوارد في الخطاب.

ومحكمة التمييز بدبي، قالت في قضية أخرى، أن خطاب الضمان يمكن أن يكون مشروطا، ويكون خطاب الضمان غير مشروط حينما يكون من حق المستفيد المطالبة بقيمة الضمان في أي وقت أثناء مدة سريانه، إذا قام بتأكيد إخلال صاحب الحساب المضمون، وذلك دون حاجة إلى اللجوء إلى أي شخص أو جهة للحصول منها على مستندات تؤيد المطالبة، ويكون الضمان مشروط إذا صدر بشروط تلزم المستفيد بتقديم مستندات أو أوراق معينة، بغرض مساندة مطالبته، وتكون هذه المستندات أو الأوراق مطلوبة من قبل صاحب الحساب المضمون، وهذا الالتزام لا ينفي عن تعهد المصرف استقلاليته مادام لا يكون للمصرف – بمقتضى الخطاب – سلطة التحقق من صدق المستند، بل يكفي أن يكون صادقا في ظاهره لكي يستحق المستفيد مبلغ الضمان وتظل الاشتراطات مجرد إجراءات شكلية لا تلزم المستفيد على التدليل على صدق ما يدعيه فيها.

استنادا الى ما تقدم في الاتفاقيات الدولية والتشريعات المحلية وما صدر من أحكام قضائية، نستطيع القول بان هناك متطلبات ومبادئ أساسية خاصة بخطاب الضمان المصرفي ويجب الالمام بها. من ضمنها، أن خطاب الضمان يقوم على مبدأ “استقلال التزام البنك” عن العلاقة القائمة بين المستفيد والزبون. لذا لا يجوز للضامن التمسك بالدفوع الناشئة عن العلاقات الأخرى، ويترتب على ذلك التزام الضامن بالوفاء لدى أول طلب من جانب المستفيد، ورغم أية معارضة من جانب الزبون، حتى ولو أصدر الأخير للبنك أمرا بعدم الدفع. وهنا، يجب أن ننبه الى أن بعض البنوك، ومساعدة لزبائنها، تتكاسل في تنفيذ أوامر المستفيد وتتحاشى الدفع الفوري حتى يستطيع الزبون معالجة المشكلة مع المستفيد. وهذه ممارسة مصرفية غير سليمة يجب الابتعاد عنها والتعامل مع كل خطابات الضمان وفق الممارسة المهنية السليمة، والا هدمنا أخص خصوصيات متطلبات خطاب الضمان.

اضافة لمبدأ استقلال التزام البنوك، فان خطاب الضمان في العادة يقوم على مبدأ “الاعتبار الشخصي”، اذ أن حق المستفيد من خطاب الضمان من الحقوق ذات الطابع الشخصي، أي أن له وحده سلطة استعماله. ومن هذا لا يجوز التنازل عن خطاب الضمان من جانب المستفيد ولا يجوز تداوله لأن شخصية المستفيد من الخطاب وأمانته محل اعتبار لدى البنك. ويجب ملاحظة هذه النقطة لأهميتها وخصوصيتها لخطاب الضمان، الذي يجب أن يبقى لمصلحة المستفيد حتى النهاية.

وبالنسبة للضامن (البنك) فهناك مبدأ “التزام الضامن بالوفاء” خلال الأجل المحدد لتقديم طلب الضمان، وكل وفاء بعد هذا التاريخ يعد غير صحيح ويتحمل البنك نتائجه في مواجهة الزبون الآمر. ولذا فعلى البنك عدم إدراج أي فقرة في الضمان قد تخلق غموضا حول مدة الضمان لما قد يترتب علي ذلك من مشاكل حادة أثناء التنفيذ، وهناك قضايا كثيرة أمام المحاكم في هذا الخصوص. ومثلا، أذكر في أحد خطابات الضمان مكتوب…”يبقى هذا الضمان حتى حوالي شهر أبريل من عام…”. كيف يكون هذا؟ يجب وضع تاريخ محدد، واذا هناك فرصة للتمديد يجب أن تكون محددة وواضحة والا فان البنك سيضع نفسه في مخاطر كبيرة لأن الالتزام سيظل مفتوحا. وللالتزام المفتوح شروط معينة واجراءات معينة لا بد من توفرها والا فهناك مخاطر مصرفية.

تقوم خطابات الضمان بدور هام لأنها تمثل بديلا عن التأمين النقدي لضمان حسن تنفيذ الالتزامات الناشئة بين المتعاقدين، كما انها تمنح مزايا متعددة للأطراف سواء الزبون (الآمر) طالب الإصدار، أو المستفيد منه الذي صدر لصالحه الضمان. أو البنك الذي أصدر خطاب الضمان. وبالنسبة للزبون مثلا، فان خطاب الضمان يحقق له عدة فوائد منها أنه سيحل محل التأمين النقدي الذي يطلبه المستفيد منه، وبدلا من تجميد المبالغ النقدية لدى الجهة المستفيدة من الضمان، يقوم الزبون بإصدار الخطاب ويحصل به على رضا وقبول المستفيد، ويمكن استثمار هذه الأموال في أوجه أخرى. هذا اضافة الى أن العمولة التي سيدفعها الزبون للبنك مقابل إصداره لخطاب الضمان في أغلب الأحوال أقل من سعر الفائدة التي يتحملها، اذا ما اقترض قيمة التأمين النقدي من البنك. وبالنسبة للمستفيد فان اصدار خطاب الضمان من بنك معتمد يعتبر ضمانا كافيا للمستفيد مثل التأمين النقدي المودع لديه، لأن خطاب الضمان يتضمن شروطا تجعل التزام البنك الضامن التزاما مستقلا وملزما للبنك.

والبنك كذلك يستفيد من إصدار خطابات الضمان، لأنه يتقاضى عمولة من عميله تتناسب مع قيمة الضمان وأجله، ونوع العملية المطلوب تقديم خطاب الضمان عنها. وخطاب الضمان لا تسدد قيمته للمستفيد في أغلب الأحوال، ولا يكلف البنك في إصداره إلا نفقات إدارية بسيطة إذا ما قورنت بالعمليات مصرفية الأخرى. وإضافة لهذا، فإن البنك من وراء إصدار خطابات الضمان يهدف لتحقيق أهداف أخرى منها خدمة الزبائن الذين تربطهم به علاقات مصرفية أخرى تعود عليه بفوائد عديدة.

لنحرص على الاستفادة من خدمة خطابات الضمان التي تقدمها البنوك لأهميتها في دعم وتنشيط العمليات التجارية في جو آمن تضمنه البنوك وتلتزم بتنفيذه عند الطلب لصالح المستفيد. ولكن علينا، صياغة هذه الضمانات بصورة سليمة وواضحة لا تكون “حمالة أوجه” بل مباشرة وبسيطة وواضحة يفهمها الجميع دون عناء كبير. وبهذا نحفظ الحقوق والضمان لجميع الأطراف وفق المتطلبات الخاصة خطابات الضمان المصرفية.