ما يقوله الغربيون في التمويل الإسلامي

رفيق يونس المصري

ما يقوله الغربيون في التمويل الإسلامي

-       يجب الانتباه أولاً إلى أن الغربيين مهتمون بالتمويل الإسلامي أكثر من الاقتصاد الإسلامي؟

-       نحن المسلمين نعتقد بأن الإسلام هو أفضل نظام في جميع المجالات. ومن لا يعتقد ذلك عليه أن يفحص إسلامه.

-       لكن الإسلام شيء والمسلمين شيء آخر. فما يفهمه المسلمون من الإسلام هو الذي يطبق على أرض الواقع في قليل أو كثير. فإذا كان فهمنا للإسلام في كل عصر ومصر ممتازًا، ليس فيه أخطاء، كان هذا الفهم قريبًا من الإسلام. أما إذا كان فهمنا قاصرًا فالقصور منا وليس من الإسلام. ولهذا لا يصح أن يقال عن فكر المسلمين بأنه فكر رباني، كما يكتب كثير من الباحثين في الاقتصاد الإسلامي. نعم أصله كذلك، ولكننا قد نبتعد عنه عن جهل. وقد لا يكفينا معرفة الماضي، بل لابد من تطوير معارفنا لكي تكون ملائمة لعصرنا ومصرنا.

-       ما يقوله الغربيون لا يجب أن نأخذه مسلّمات، بل يجب فحصه فحصًا علميًا صارمًا، والبحث عن دوافعه، ومعرفة من صدر عنه القول. فقد يصدر عن رجال سياسة أو رجال تسويق، ويكون من باب المجاملة والخداع. وقد يصدر عن أناس عاديين أبرياء، يعتقدون ما يقولون، ولكن ليس بأيديهم شيء من الحل والربط، أو الربط والضبط.

-       وقد يصدر عن أغراض نفعية، مَثل ذلك مَثل من يطلب مني خدمة ( علمية أو مادية )، ويمهّد لها بالثناء عليّ وعلى كتبي، فقد لا يريد الثناء عليّ حقًا، بل يريد الوصول إلى الخدمة المطلوبة بطريقة فيها من الدهاء ما قلّ أو كثر. وبعد أن أخدمه قد لا أجده، فهو يجدني عندما يريد، وأنا لا أجده عندما أريد.

-       ما يفعله الغربيون من فتح مراكز ومعاهد وكليات للتمويل الإسلامي والاقتصاد الإسلامي هذا حسن، ولكن يجب أن نهتم نحن المسلمين برصانة ما يدرّس في هذه المراكز والمعاهد والكليات. ذلك لأن الغربيين ما يهمهم هو السوق والكسب، فإذا كان ثمة طلب ولو على الرقص والمجون لبّوه، طالما كان مدعومًا بقوة شرائية!

-       أخشى لا قدّر الله أن تنحسر هذه الموجة عن أشياء تافهة في العلم والبحث، نحسبها رصينة، وهي ليست من الرصانة في شيء. وأخشى لو ترك الأمر على علاته أن تقوم قيامتنا معهم كما قامت قيامتهم.

-       أنا إذا عملت في مؤسسة قد لا أرى إلا مَن حولي، ولكن إذا فتحت عيني أكثر وجدت أنني من حيث أدري أو لا أدري مرتبط بمؤسسة أعلى، هي الوزارة مثلاً، ثم الوزارة بالدولة، والدولة بدولة أخرى، وهكذا دواليك. وقد ينطبق هذا على الفتوى، فلا يمرّ منها إلا ما هو مطلوب من فوق أن يمرّ، فضلاً عن أن هناك مفتين لا يعرفون من كتب الفقه إلا بابين : باب الكسب، وباب الحيل! وما كنت أظنه حرية إذا هو مقيد بساحة رسمها لي من هم فوق، وأنا لا أدري. لا بد من توسيع دائرة النظر، ولا بد من تعميق النظر. إننا نحتاج إلى نظرين : نظر أفقي واسع، ونظر شاقولي عميق.

-       الباحث الرصين ليس هو الذي يلتقط الكلمة التي تعجبه ويرددها، بل هو الذي يتعمق في هذه الكلمة ويحللها ويتأمل فيها ويسبر أغوارها ولا يقف عند سطحها. من مشكلاتنا أننا نحب أن نسمع ما نحب، ولا نحب أن نسمع الحقيقة إذا كانت مُرّة. فهذا من باب التفكير بالأماني، وليس التفكير بالحقائق. قال تعالى : ( ليس بأمانيّكم ولا أمانيّ أهل الكتاب ) النساء 123. ( ومنهم أمّيون لا يَعلمون الكتاب إلا أمانيّ ) البقرة 78. ( وغرّتكم الأمانيّ ) الحديد 14.

-       شاعت في أدبيات الاقتصاد الإسلامي، بعد الأزمة، كثير من الأقوال المبتذلة والمكررة التي لا يكاد يخلو منها كتاب أو بحث أو مقالة، كتبها خبير أو فقيه، وذلك  بدون أن نفحصها وندقق فيها. وهناك منا من لا يريد ذلك، أو لا مصلحة له فيه، أو لا يقوى عليه حتى لو أراد. غاية ما يريده هو اهتبال الفرص المادية المتاحة، ولو بالتعامل مع الأجانب والشياطين واقتسام المغانم، لا يهمه تعميق ولا تدقيق، ولا رصانة ولا أمانة.

-       المعركة بين النظم معركة كرّ وفرّ، فقد يتواضع المهزوم، لكن عن ضعف، لا عن قناعة. وقد يلجأ إلى ترقيع نظامه من هنا وهناك، لا لأنه مقتنع بهذه الرقع، بل لأنه يبحث عن شيء يبدو فيه أقل صلفًا وتكبرًا مما كان عليه في السابق.

-       المهم إذا تلقفنا كلمات الغربيين على علاتها، بدون حجج، ولا فحص، فإننا نكون قد دخلنا في حلقة مفرغة من السذاجة والتكرار والابتذال والكلام الفارغ الذي يضرّ ولا ينفع.

-       إذا أيدني مؤيد بلا حجة جديدة فقد لا أبالي بتأييده علميًا، وقد أبالي به سياسيًا إذا كنت مرشحًا لمنصب انتخابي أبحث فيه عن أصوات. وإذا أيدني بحجج جيدة احترمت أقواله وآراءه. وإذا عارضني بلا حجة لم أبال بمعارضته، وإذا عارضني بحجة قوية انتفعت بحجته.

-       أرجو ألا تأخذوا الكلام على عواهنه، كالغريق الذي يريد أن يتمسك بشيء ما ولو كان مجرد قشة. فالذي لا يثق بنفسه إلا من خلال أقوال الآخرين قد يكون من المهزومين نفسيًا.

-       هناك علماء غربيون قد ننتفع بكلامهم أكثر من كلام شيوخنا، ولو لم يتلفظوا بالإسلام أو القرآن أو الحديث النبوي أو كلام علماء المسلمين، ولكنهم قلة قليلة جدًا، وعلينا أن نبحث عنهم ونتعلم منهم، وربما نضم آراءهم إلى آرائنا.

 

سمعت أحد العلماء يقول إنه خرج ذات مرة في مظاهرة، فحملوه على الأكتاف وابتهج لهذا الصنيع وطار من الفرح، ومشوا به على هذه الشاكلة حتى أدخلوه السجن!

جدة في 17/01/1432هـ

        23/12/2010م

                                                                  رفيق يونس المصري