قضايا وتحليل: مقارنة تكلفة التمويل المصرفي بين المنهجين الإسلامي والربوي

قضايا وتحليل: مقارنة تكلفة التمويل المصرفي بين المنهجين الإسلامي والربوي
8 مايو 2005

تزايد الحديث في الآونة الأخيرة وخاصة بعد اتفاقية السلام في نيفاشا- بكينيا والتي أقرت إنشاء نظام مصرفي مزدوج- تقليدي في جنوب السودان وإسلامي في شماله- عن أفضلية وكفاءة النظام التقليدي مقارنة بالنظام الإسلامي.

وأشار منتقدو النظام الإسلامي إلى تكلفة التمويل العالي في المصارف السودانية التي تتبع النهج الإسلامي بالمقارنة مع أسعار الفائدة في بعض الدول العالمية كالمملكة المتحدة والولايات المتحدة الأمريكية.

يجدر بنا بداية التفريق بين العائد الحقيقي Real Return والاسمي Nominal العائد الاسمي هو ما يتحصل عليه البنك من مال بالأسعار الجارية في تاريخ استحقاق التمويل الذي قدمه. أي إذا كان مقدار التمويل مليون دينار ولمدة عام وكان معدل العائد «10%» فان ما يدفعه عميل البنك بعد عام «100000» دينار هو العائد الاسمي على التمويل. أي دون النظر في تغير قيمة العملة خلال العام. أما عند حساب العائد الحقيقي فيؤخذ في الاعتبار معدل التضخم السائد خلال فترة التمويل فإذا كان معدل العائد «10%» ومعدل التضخم 9% سنوياً ومبلغ التمويل مليون دينار فان العائد الاسمي كما ذكر سيكون 100000 دينار بينما العائد الحقيقي هو 91700 دينار. ذلك بعد تخفيض القيمة الاسمية بمعدل التضخم وستكون القيمة الحقيقية لمبلغ التمويل 917000 دينار.

ما أردنا قوله أن المقارنة بين سعر الفائدة السائد في بعض الدول والعائد على التمويل في السودان لا تصح دون النظر إلى معدل التضخم السائد. فإذا كان معدل التضخم عالياً فسترتفع أسعار الفائدة في النظام التقليدي كما حدث في بداية الثمانينات من القرن الماضي حيث وصلت أسعار الفائدة إلى حوالي «20%» سنوياً. وحقيقة لقد انخفضت هوامش المرابحات من «40%» سنوياً في ديسمبر 1994 إلى «10%» في عام 2004 عندما تدني معدل التضخم في السودان.

الأمر المهم والذي يكيد المصارف السودانية الخسائر الفادحة هو أن هذه المصارف لا تفرض أية عقوبة على التأخير في السداد.. هذا التأخير ربما يمتد لفترات يجعل حتى العائد الاسمي صفرZero وربما سالباً. لقد بلغ إجمالي التمويل المصرفي بنهاية يناير 2005 مبلغ «450» مليار دينار وتمثل صيغة المرابحة حوالي «30%» أي أن «135» مليار دينار قد قدمت تمويلاً بصيغة المرابحة. فإذا كان هامش المرابحة «12%» وتأخر عملاء المصارف لمدة شهر وهذا أقل تأخير لعملهم. إن بنك السودان لا يعتبر التمويل متعثراً إلا بعد مضي فترة شهر من تاريخ الاستحقاق فان خسارة القطاع المصرفي تبلغ «135» مليار دينار.

وإذا كان التأخير لمدة شهرين ستبلغ الخسارة «27» مليار دينار أي حوالي «108» مليون دولار. فإذا اعتبرنا ما تبقى من التمويل وهو «315» مليون دينار كان بصيغة المشاركة والتي يعتبرها بنك السودان متعثرة بعد مضي ثلاثة شهور وإذا كان من المتوقع ان يكون العائد «1%» شهرياً فان خسائر الجهاز المصرفي ستبلغ «315» مليار دينار في الشهر وفي شهرين ستكون «63» مليار دينار أي حوالي «252» مليون دولار. ملخص هذه العملية الحسابية هو أن العائد الاسمي على إجمالي التمويل المصرفي الذي يبلغ «450» مليار دينار سينخفض بـ «9» مليارات دينار - «36» مليون دولار. إذا كان تأخير السداد لمدة شهرين. وهذا التأخير هو المتبع عادة مهما كانت الضمانات.. لم نتحدث هنا عن الخسائر الناتجة من التأخير في سداد قيمة خطابات الاعتماد أو خطابات الضمان.

هذه الخسائر لا يمكن أن يتحملها النظام التقليدي. في النظام التقليدي الذي يعتمد على سعر الفائدة تطبق عقوبةDelayInterest  تزداد كلما امتد التأخير في السداد وربما تتضاعف.

هناك أمر مهم يجب إلا يغيب علينا ونحن نقارن بين صيغة التمويل الإسلامي وصيغة التمويل الذي يعتمد على سعر الفائدة. في النظام التقليدي لا يطبق سعر فائدة واحد في نفس اليوم على كل المتعاملين. سعر الفائدة يحسب وفقاً لملاءة المقترض. في الولايات المتحدة الأمريكية هناك سعر فائدة يسمى PrimeRate وهذه أدنى سعر فائدة تطبق على أحسن زبون للبنك، أي الزبون ذو الملاءة العالية. ويضاف هامش يزداد كلما قلت ملاءة الزبون وزادت مخاطر التعامل معه. وهذا يعني بالضرورة أن يستفيد من التمويل الأغنياء دون الفقراء. فسعر الفائدة هناك يعتبر آلية لتوزيع التمويل  RationingDevice. وهذه الطريقة في التوزيع مرتبطة بالقيم الغربية التي تعني بالفرد أكثر من الجماعة.

وسعر الفائدة في المملكة المتحدة والذي يماثل الـ PrimeRate وهو لايبورLondonInterBankOfficialRate  وهو سعر الفائدة الذي تقترض به مصارف لندن من بعضها ويضاف الهامش لزبائن المصارف وفقاً لملاءة الزبون إن كان فقيراً يزداد الهامش كثيراً وان كان غنياً يقل.

هذه ليست الحال في المصارف الإسلامية، فهامش المرابحات لا يتغير وفقاً لملاءة العملاء.. الهامش الذي يطبق على الفقراء هو نفسه الذي يتعامل به الأغنياء.. فالعدل في المعاملات سمة من سمات النهج الإسلامي. يقول الله سبحانه وتعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ لِلّهِ شُهَدَاء بِالْقِسْطِ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} (8) سورة المائدة.

فالقول بأن تكلفة التمويل في النظام التقليدي الربوي اقل من تكلفة التمويل في النظام الإسلامي غير صحيح على الإطلاق إذ انه لا يأخذ في الاعتبار معدل التضخم السائد في البلاد ولا ينظر إلى الغرامات التي تطبق في حالة التأخر في السداد وكذلك لا ينظر في التفاوت في أسعار الفائدة التي تطبق على زبائن المصارف، فهي أكثر على الفقراء واقل على الأغنياء.

ونأتي لسؤال مؤرق.. ما إذا نقول عن الخسائر التي تحيق بالمصارف السودانية جراء تأخير العملاء لسداد التزاماتهم دون عذر؟ هل هي كسب لهؤلاء العملاء وثراء حرام؟ مما لاشك فيه أن الخسائر المالية تقلل من كفاءة هذه المصارف وتقف حجر عثرة في تنمية مواردها التي تستطيع بها المساهمة في التنمية الاقتصادية.. والتأخير في السداد يضر مباشرة القطاع الخاص إذ أن هذه الالتزامات عند سدادها يتم استغلالها مباشرة في تمويل مشاريع جديدة أي يتم تدويرها Recycled وإذا اعتبرنا انه كسب حرام للمتعاملين مع المصارف فإنها تضرهم وتمحق البركة من أموالهم.

 وهذا يتطلب التدخل المباشر لأولياء الأمر لحماية «دين وعقيدة» هؤلاء المتعاملين، فالضرورات الخمس هي: الدين، النفس، العرض، العقل والمال. والكسب الذي يأتي من التأخر في السداد دون عذر هو ربا الذي هو من الموبقات السبع والتي تتضمن قتل النفس، السحر، الشرك بالله، أكل مال اليتيم، التولي يوم الزحف، وقذف المحصنات. إذا كان على أولياء أمر المسلمين العمل على حماية أفراد المجتمع من الفقر والعوز وحماية حدود البلاد فانه من الأولى سن التشريع الذي يحفظ للمرء دينه.

إن مسألة التعثر في السداد فيه عدم التزام بفريضةأساسية في الدين الإسلامي وهذه الفريضة هي الوفاء بالعقود.

الله سبحانه وتعالى يقول في محكم تنزيله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَوْفُواْ بِالْعُقُودِ أُحِلَّتْ لَكُم بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ إِلاَّ مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنتُمْ حُرُمٌ إِنَّ اللّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ} (1) سورة المائدة.

وبقوله سبحانه وتعالى: {وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُواْ بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْؤُولاً} (34) سورة الإسراء.

وبقول الرسول صلى الله عليه وسلم: (المسلمون عند شروطهم إلا شرطا احل حراما أو حرم حلالا) ويقول صلى الله عليه وسلم: (آية المنافق ثلاث:إذا حدث كذب، وإذا وعد اخلف وإذا أؤتمن خان) يقدس الإسلام العقود والعهود كما يتبين في الآيتين المذكورتين آنفا وكما جاء في حديث الرسول صلى الله عليه وسلم. إن الالتزام بهذه الفريضة أساس لبناء المجتمع المعافى الذي يعيش بالتكافل والتعاون. كما يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: (مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الأعضاء بالحمى والسهر).

وعقود المسلم تبدأ بالعقد مع الله سبحانه وتعالى، وهو عقد التوحيد.. توحيد الإلوهية والربوية وهذا العقد يلزم المؤمن بالتقرب إلى الله سبحانه وان يكون كل عمل المؤمن لله. بقول الله سبحانه وتعالى: {قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} (162) سورة الأنعام من الضروري الالتزام بان كل ما في هذا الكون هو لله سبحانه وتعالى وان الإنسان مستخلف في الأرض وعليه اعمارها وفق منهج الله. وإذا لم يتم العمل بهذا الالتزام سيكون الفساد في الأرض، والخوف وعدم الطمأنينة والشك والقلق.

يقول الله سبحانه وتعالى: {وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ} (77) سورة القصص فعلى المجتمع الالتزام بتقوى الله حتى تستقيم الحياة، وعلى هذا المجتمع الالتزام بالعقود حتى لا يكسب حراما. بقول الرسول صلى الله عليه وسلم: (لا يكسب عبد مالا حراما فيتصدق به فيقبل منه ولا ينفق منه فيبارك له فيه ولا يتركه خلف ظهره إلا كان زاده إلى النار).

ونعود إلى المصارف فلو التزم المجتمع بالعقود كفريضة من فرائض الدين لكانت صيغة المضاربة المطلقة والمقيدة هي الصيغة التي تتعامل بها المصارف ولما كانت هناك إشارة لهامش مرابحة ولما كانت هناك ضمانات.. ولكانت الحياة أروع وأصفى.. ولما كانت هناك مقارنة بين هامش المرابحة وسعر الفائدة. ولكانت العمليات المصرفية أسهل والتعامل أوضح وأكثر شفافية.

ومضار أسعار الفائدة معلومة. ولمعالجة مشاكل الركود الاقتصادي في اليابان تقرر عدم تطبيق الفوائد على القروض. وربما لا يخفي على المرء أن هناك علاقة عكسية بين أسعار الفائدة وأسعار الأسهم.

فعندما تنخفض أسعار الفائدة ينشط سوق الأسهم وترتفع الأسعار فيه وتصبح الظروف مواتية لإصدار أسهم لإنشاء شركات جديدة أو لزيادة رأسمال الشركات القائمة. وبالتالي تخلق فرص عمل أكثر لزيادة السلع والخدمات في الاقتصاد.

فتحريم أسعار الفائدة في الإسلام وفي المسيحية واليهودية ناشئ من ضررها على الإنتاج وسوق العمل وأثرها السالب على العلاقات بين بني البشر. ومن المبادئ الأساسية التي قررها الإسلام إن (المال لا يلد المال) المال يجب أن يكون ناتجاً من العمل والذي يتم به إعمار الأرض، ولقد قبل الرسول يدا ورمت من كثرة العمل قائلاً.

 

الآراء المنشورة بالموقع لا تمثل بالضرورة رأى وزارة المالية والاقتصاد الوطني

جميع حقوق النشر محفوظة - وزارة المالية والاقتصاد الوطني
العام 2004 م