دعم البنوك الإسلامية ضرورة شرعية

علي عليوه

دعم البنوك الإسلامية ضرورة شرعية
تحقيق: علي عليوه

أشاد عدد من خبراء المال وأساتذة الاقتصاد الإسلامي بتجربة البنوك الإسلامية، باعتبارها بديلا للبنوك الربوية التي تتعامل بالفائدة المنهي عنها شرعًا، مشيرين إلى أن أبرز دليل على هذا النجاح هو عدد المصارف الإسلامية على مستوى العالم الذي بلغ 300 مصرف ومؤسسة إسلامية دولية، ارتفعت أصولها من 135 مليار دولار عام 1998 إلى 262 مليار دولار عام 2002. داعين إلى تفعيل إدارات البحوث بالبنوك الإسلامية لابتكار أدوات مالية جديده.

وكأي تجربة ينبغي تقييم هذه التجربة، ودراسة نواحي القصور والفشل، ونواحي القوة والتفوق لتقليل وتلافي جوانب القصور، وتعظيم نواحي القوة والنجاح؛ حتى يستطيع المسلمون انتشال العالم من الأزمات الاقتصادية التي يسببها الربا، وإقناع الأمم الأخرى أن الاقتصاد الإسلامي هو طوق النجاة لعالَم يموت فيه يوميًّا الآلاف من البشر جوعًا ومرضًا..

ولإلقاء الضوء علي تجربة البنوك والمصارف الإسلامية التقت "شبكة راصد" عددًا من الخبراء وأساتذة الاقتصاد، وفيما يلي تفاصيل رؤيتهم لتلك التجربة سلبًا أو إيجابًا...

في البداية: يدعو الدكتور عبد الحميد الغزالي أستاذ الاقتصاد بجامعة القاهرة إلى تربية العملاء المتعاملين مع البنوك الإسلامية تربية إسلامية من خلال : برامج إعلامية وثقافية، وتفعيل إدارات البحوث بالبنوك الإسلامية لابتكار أدوات مالية جديدة مثل الكروت الذكية وأن يسعى المسئولون في البلدان العربية والإسلامية، إلى تغيير أدوات الرقابة على البنوك، بما يتفق مع طبيعة ونُظُم البنوك الإسلامية التي تختلف عن غيرها من البنوك التقليدية.

ويوصي الغزالي بضرورة تغيير مناهج التعليم، ووضع مقررات دراسية للاقتصاد الإسلامي لتعريف الطلاب بأسس ومفاهيم ومقاصد هذا الاقتصاد، مشيرًا إلى أن التجربة الإسلامية في البنوك تتجه نحو العالمية، فهناك خمس بنوك عالمية أنشأت بها فروعًا إسلامية لجذب العملاء المسلمين، وتم إنشاء أول بنك إسلامي في بريطانيا أواخر العام الماضي.

وأضاف الغزالي أنّ جامعات إكسفورد وهارفارد والسوربون أنشأت أقسامًا للاقتصاد الإسلامي، كما أن مؤسسة (داو جونز) أنشأت مرصدًا لمعرفة تطور البورصات الإسلامية، ويتّجه بنك الجزيرة في السعودية والشارقة الوطني والأهلي السعودي نحو التحول إلى بنوك إسلامية.

ويرفض الغزالي الفتاوَى التي أباحت فوائد البنوك، مشيرًا إلى أن هذه الفتاوى التي تحلل ربا البنوك تحت مزاعم مختلفة هي فتاوى خاطئة وتعارض إجماع علماء الأمة، ويكفي أنّ مجمع البحوث الإسلامية في مصر عام 1965 أصدر فتوى بتحريم فوائد البنوك أخذًا أو عطاءً، كما أنّ المجمع الفقهي في جدّة التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي أصدر فتوى مماثلة عام 1985 بما يجعل حرمة فوائد البنوك أمرًا محسومًا فقهيًّا، وبالتالي يصبح التعامل مع البنوك التقليدية الربوية غير جائز شرعًا، خاصة بعد أن أصبح لدى المسلمين البديل، المتمثّل في المصارف والبنوك الإسلامية.

                                  قاعدة الغُنْم بالغُرْم

ويقول الدكتور محمد عبد الحليم عمر مدير مركز صالح كامل للاقتصاد الإسلامي بجامعة الأزهر: إنّ الإسلام دين شامل، ودستور متكامل لتنظيم حياة البشر في كل مناحي الحياة، خاصة الجوانب الاقتصادية والمالية، والفرق الجوهري بين المؤسسات المالية الإسلامية وغيرها من البنوك والمصارف التقليدية: أنّ المصارف الإسلامية لا تتعامل بالربا المحرم الذي نهى الله سبحانه وتعالى عنه في كتابه الكريم.

وبدلاً من المعاملات الربوية التي تعتمد على قَبول ودائع الأفراد مقابل فائدة محددة سلفًا، والإقراض من جانب البنوك للأفراد بفائدة أيضًا، فإن الاقتصاد الإسلامي يقدم بديلاً يحقّق العدل، ويقوم على المشاركة في الربح والخسارة بين البنوك والمتعاملين معها.

إضافة إلى ذلك، فإنّ البنوك الإسلامية تقوم علي (قاعدة الغُنم بالغُرم) التي تجعل المودِعين والمقترِضين يشاركون البنك في تحمّل أعباء النشاط الاقتصادي ومخاطره ربحًا أو خسارة، وأن يتحمل كل طرف نصيبه طبقًا لمدى مساهمته في عناصر العملية الإنتاجية وهي (العمل والمال والإدارة وأدوات الإنتاج).

 ولاشك- يضيف عمر- أنّ قيام العلاقة بين البنك والعميل على نظام المشاركة وتقاسم المخاطر الناجمة عن النشاط الاقتصادي يحقق العدل، فلا يتحمل تلك المخاطر طرف واحد سواء كان البنك أو العميل.

                                   إعلام مضادّ

ويشير الخبير الاقتصادي ممدوح الولي، المحلل بجريدة الأهرام إلى أنّ عدد الفروع الإسلامية بالبنوك المصرية في تزايد مستمر، رغم الحملات الإعلامية التي تشنها بعض الصحف ضد التجربة التي تمثلها تلك البنوك، خاصة بعد أزمة شركات توظيف الأموال، ولازال النصيب النسبي للفروع الإسلامية التي أنشأتها البنوك التقليدية التي تتعامل بالفائدة الربوية في السوق المصرفي ضئيلاً، ولكن أداء هذه الفروع يتميز بالتفوق في الأداء، وهو ما يوصّلها للنمو المطرد؛ نظرًا لرغبة جمهور المتعاملين في الهروب من شبهة الربا التي تلاحق البنوك التجارية والتقليدية؛ مما يبشّر بأن المستقبَل سيكون للتجربة الإسلامية المصرفية.

ودعا الولي إلى تنشيط لجان الرقابة الشرعية، التي تتألّف من عدد من العلماء الشرعيين والتي تشرف على معاملات وأنشطة البنوك الإسلامية، وتفعيل دور هذه اللجان لسدّ الطريق أمام مَن يشكّكون في مدى التزام هذه البنوك بأحكام الإسلام في مشروعاتها. مطالبًا البلدان العربية والإسلامية بحماية هذه المصارف، وإعطائها التراخيص اللازمة لإنشاء المزيد منها، خاصة مع زيادة الطلب من جانب الجمهور وإقبالهم على إيداع أموالهم فيها.

ويتفق الدكتور أشرف دوابه، أستاذ الاقتصاد بجامعة الإسكندرية، مع الولي فيما ذهب إليه، ويضيف أنّ تجربة البنوك والمصارف الإسلامية تعكس شمول الإسلام وعالميته، كما أنها وسيلة لتحقيق غاية الوجود الإنساني، وهي الاستخلاف وإعمار الأرض.

ويقول دوابة: إنّ لهذه البنوك دور حيوي وهام في تحقيق التنمية والنهوض الاقتصادي للأمة ومحاربة الفقر؛ لذلك ينبغي ألا نحاكم هذه البنوك بسبب بعض القصور في الأداء، والذي يرجع إلى أنها سارت على نهج التقليد ولم تبدِعْ لنفسها أدوات فنية تمويلية وأوعيه ادخارية منذ إنشائها حتى الآن.

ويضيف أنّ إدارات البحوث الشرعية بتلك البنوك لا تعمل بالكفاءة المطلوبة، وللأسف تحولت المرابحة التي هي صيغة إسلامية في بعض هذه البنوك إلى قَرْض بفائدة؛ مما يتطلّب تصحيح المسار، وهناك سلبية أخرى هي النزوع نحو تقليد البنوك التجارية الربوية لتلبية رغبات أصحاب الأموال في استردادها في أي وقت، مع أنّ الهدف الأساسي للبنوك الإسلامية أنها استثمارية طويلة الأجل.

ويشير دوابة إلى أنّه من السلبيات أيضًا عدم وضوح الرؤية أمام العاملين بتلك البنوك، بسب عدم تأهيلهم وإعدادهم وفق منهج الاقتصاد الإسلامي وأهدافه ومقاصده؛ لأنهم في الغالب تخرجوا في كليات وجامعات تقوم بتدريس الاقتصاد والمحاسبة وفق المنهج الغربي الربوي.

وشدد دوابه على أنّ المصارف والبنوك الإسلامية تحتاج الدعم وتذليل العقبات التي تواجهها، فهي تقدم نموذجًا عصريًّا للاقتصاد الإسلامي وتجسّد فلسفة المال في الإسلام كما أنّ هذه البنوك تعمل في إطار بيئة يغيب فيها التطبيق الإسلامي الكامل في مناحي الحياة المختلفة.

ويوضّح أن البنوك المركزية لم تراعِ خصوصية البنوك الإسلامية، ولم تقدم لها التسهيلات المناسبة، وأنه ينبغي على القائمين على إدارة تلك البنوك استخدام صيغ تمويلية إسلامية إضافية، منها السلم والاستصناع وضرورة التأهيل الشرعي للعاملين فيها.

                                 من بطون الكتب للواقع

ويرى الدكتور فيّاض عبد المنعم الأستاذ بجامعة الأزهر أنّ تجربة البنوك الإسلامية نقلت المعرفة الفقهية النظرية وحولتها إلى نموذج عملي ملموس، وإذا كانت تلك التجربة لها بعض السلبيات، فإنّ إيجابياتها أكثر من السلبيات، ويكفى أنها نقلت (فقه المعاملات) من بطون الكتب التراثية إلى الواقع، وهذه خطوة مهمة جدًّا ينبغي البناء على ما تحقق منها.

ويقول فياض: إنّها أوجدت بديلاً حلالاً للمعاملات الربوية في البنوك التقليدية، والمطلوب أن تقدم البنوك الإسلامية نظم تمويل بغرض الاستثمار، لدعم مسيرة التنمية في البلدان العربية والإسلامية.

ويشير الدكتور الغريب ناصر الخبير المصرفي، المدير السابق لعدد من البنوك الإسلامية إلى أنه يكفي لهذه البنوك أنها مستمرة، وتتقدم رغم الظروف غير المواتية المحبِطة المحيطة بها، كما أنها استطاعت استقطاب ودائع البسطاء من الناس واستثمارها، وأصبح لديها ودائع تعدت المليارات، وعلى سبيل المثال، فإن 70% من ودائع بنك فيصل الإسلامي المصري أقل من 20 ألف جنيه؛ مما يعنى أنه استطاع أن يجتذب مدخرات محدودي الدخل، وأن هناك اقتناعًا ووعيًا شعبيًّا بأهمية التعامل غير الربوي.

ويضيف الغريب: إنّ هذه البنوك أصبحت تقدم لعملائها العديد من أساليب الاستثمار الإسلامية بلغت حتى الآن 12 صيغة، منها المرابحة والمشاركة والمضاربة والإجارة، وكلها صيغ تؤكّد أنّ الفقه الإسلامي يتفوّق على الفكر الاقتصادي الوضعي.

                                  علاج مشكلة الفقر

ويتناول الدكتور محمد شوقي الفنجري أستاذ الاقتصاد الإسلامي والنائب السابق لرئيس مجلس الدولة جانبًا من الدور الاجتماعي، الذي يمكن أن تقوم به البنوك والمصارف الإسلامية، وهي علاج مشكلة الفقر في البلدان الإسلامية، من خلال تجميع الزكاة وتوزيعها على الفقراء، في شكل مشروعات إنتاجية صغيرة تدرّ على الفقير دخلاً يكفيه ويكفي أسرته.

ويدلّل الفنجري على ذلك بأنّ إجمالي ودائع المواطنين والناتج المحلى تجاوزَا معًا في بلد مثل مصر مبلغ الـ 760 مليار جنيه، بمتوسط حوالي 380 مليار جنيه لكلٍّ منهما على حده، وذلك في العام 2003م.

والزكاة المستحقَّة على هذه المبالغ الضخمة وهي 2.5% تبلغ حوالي 91 مليار جنيه، وهو مبلغ يكفى لإنشاء وإقامة عشرات ومئات المصانع والمشروعات الصغيرة، التي تكفي لتشغيل آلاف العاطلين المستحقين للزكاة، وتوفير ضروريات الفقراء الذين يزداد عددهم في البلدان العربية والإسلامي