تحديد سقوف الائتمان

د. عبد القادر ورسمه غالب

ان خدمة تقديم القروض والتسهيلات الائتمانية تعتبر من الخدمات المصرفية الهامة التي تبرز دور القطاع المصرفي الهام في دعم التنمية الاقتصادية وتحريك مفاصل الاقتصاد الوطني وفق استراتيجية محددة هدفها خدمة تطلعات جميع القطاعات الاقتصادية لفائدة المجتمع. وتقوم البنوك بممارسة هذه الخدمة بشكل يومي علي مدار الساعة من خلال تقديم التغذية المالية المطلوبة، حيث يتم ضخ الأموال بكميات قليلة أو متوسطة أو كبيرة، لتمويل مختلف الشركات والجماعات والأفراد من أصحاب المشاريع التجارية والصناعية والزراعية والهندسية والخدمية وغيره.

ودائما تحرص البنوك وطاقم إداراتها، عند تقديم خدمة القروض والتسهيلات الائتمانية، وفي العادة تقوم باتخاذ كل الاحتياطيات والإجراءات والخطوات السليمة التي تعمل علي سلامة كل العملية في كل مراحلها. أي من مرحلة تقديم الطلب والدراسة والتقييم والموافقة ثم ضخ الأموال وعبرها إلى مرحلة استرجاع هذه الأموال لخزينة البنك، سالمة غانمة، ليقوم بإعادة تدويرها وتقديمها لعدد آخر من العملاء والزبائن من طالبي خدمة القروض والتسهيلات الائتمانية… وهكذا من هذه الدورة «المالية» تستمر عجلة التنمية الاقتصادية وتحقق البنوك أهدافها السامية لخدمة كافة شرائح المجتمع.

ولكن الأمر لا يخلو من الصعاب الصعبة والدرب مليء بالأشواك والمطبات التي قد تؤدي الى حدوث تطورات سلبية من ضمنها تعثر الزبون أو فشله في سداد الأموال التي قدمها له البنك، وهذا التعثر يشكل عقبة كبيرة قد تؤدي الى انهيار البنك خاصة اذا تجاوز التعثر النسب المسوح بها وفق الضوابط المصرفية المعروفة السائدة والصادرة من الجهات الاشرافية المحلية والدولية.

ولذا يتوجب على البنوك الحرص على دراسة المخاطر الائتمانية من كافة النواحي واتخاذ الخطوات الصائبة والسليمة لتجاوز هذه المخاطر وحسن ادارتها لمنع أو احتياطيا لتقليل انعكاساتها السلبية لأعلى درجة ممكنة. ومخاطر الائتمان متعددة وقد تأتي من حيث لا يحتسب البنك أو زبونه، وقد تأتي بالرغم من كل الحيطة والحذر، وقد تأتي حتى من أحسن وأقوي الزبائن وقد تأتي لأحسن وأقوى البنوك، وهكذا، كل شيء جائز وفي كل يوم تأتي العجائب والغرائب بل والنوادر المؤلمة أمام البنوك. ومن المستحيل أن يمر التمويل، أي تمويل مهما كان، بسلام تام الى نهاية المطاف وقفل الملف.

من أهم الاجراءات الاحترازية لتدارك وتقليل المخاطر أو حسن ادارتها، المبدأ الهام الذي يدعو الي تحديد سقف «أو سقوف» الائتمان. وانتهاج هذا المبدأ يعتبر أمرا هاما جدا ويجب أن يتم منذ بداية المراحل الأولية عند تقييم المشروع وتقييم العميل وفترة السداد ومقدار التمويل… وغيره. هذا، و العمل المصرفي الحصيف المليء بالممارسة الحذرة يقتضي ويطلب من كل البنوك العمل علي تحديد سقف «أو سقوف» الائتمان وذلك علي مستوي الزبائن بشكل فردي أو في شكل المجموعات الائتمانية المرتبطة بالزبائن، وهذا يتم مع الأخذ في الاعتبار مقدار ومستوى أنواع الائتمان. وما مدى ارتباط هذه المعلومات الخاصة مع الأنشطة الاقتصادية وكذلك القطاعات الاقتصادية الأخرى والمناطق الجغرافية ومدى أثرها علي الائتمان المقدم للزبون المعني.

وفي هذا الخصوص يجب الانتباه لمراعاة وضع أسس محددة لتحديد سقف «او سقوف» الائتمان الذي سيقدم للزبون وتحديد سقف للمجموعة الائتمانية المرتبطة به. وهذه الأسس يجب أن تعتمد على نظام البنك الخاص بتقييم المخاطر الخاصة بالزبون والمجموعة الائتمانية المرتبطة به. وهذا يشمل، ضمن أشياء أخرى، الوضع المجمل للزبون ومجموعته لدي البنك وأيضا لدي البنوك الأخرى في القطاع المصرفي. كل هذا، مع الأخذ في الاعتبار كل احتمالات التعثر أو التغيرات المحتملة في الأنشطة والدخل والأرباح المتوقعة… وغيره من الأمور ذات العلاقة على أن يعاد تقدير وتقييم هذه الأمور بشكل دوري خاصة عند تجديد الائتمان أو تعديله. وبالنسبة للتقييم الدوري من المستحسن أن يتم على فترات معقولة لا تتجاوز مدة السنة.

وبالنسبة لسقف الائتمان، فلكل حالة ظروفها وملابساتها، وعليه يجب وضع سقف خاص لكل تمويل مختلف أو أي من الأنشطة الاقتصادية والقطاعات المتنوعة وكذلك المناطق الجغرافية ويتم ذلك اعتمادا على دراسات دقيقة تتناول المخاطر وكل التطورات المتوقعة والظروف الحالية علي المديين البعيد والقريب. هذا مع ضرورة أن نأخذ في الاعتبار تنويع محفظة التمويل الائتماني وتوزيع المخاطر وفقا للاستراتيجية والسياسة المعتمدة لدى البنك وفق الأنظمة والتعليمات الصادرة والمعتمدة من مجلس الادارة. وعند القيام بهذه الاجراءات لتحديد السقوف المختلفة، يجب علي الدوائر المختصة بالبنك أن تأخذ في الاعتبار نتائج اختبارات الضغط وذلك بالنسبة للدورات الاقتصادية ومعدل العائد وتقلبات أوضاع السوق اضافة لأوضاع السيولة النقدية وغير هذا وذاك من كافة الأمور الأخرى ذات العلاقة المباشرة أو غير المباشرة.

والهدف من كل هذا التمرين هو توفير أكبر قدر من المعلومات والبيانات التي تمكن ادارة البنك من معرفة كل المجريات وللدرجة التي تمكنها من تجاوز المخاطر الائتمانية وحسن ادارتها للوصول بسفينة الائتمان لبر الأمان وبما يضمن توفير السلامة التامة لكل الأطراف المرتبطة بالعملية الائتمانية وعلى رأسهم البنك.

ومن واقع التجربة، نقول أن تمام أي عملية مصرفية واكتمالها بنجاح يعود بالفوائد الجمة المباشرة علي بقية العمليات المصرفية في البنك، وينقل لهم عدوي النجاح أو بالمقابل ينقل عدوي الفشل والاخفاق. وبما أن العمليات المصرفية متداخلة وتتأثر ببعضها البعض فهناك حاجة ماسة لوضع واتباع كل الخطوات الاحترازية لتجنب المنزلقات المحفوفة بالمخاطر. وهذا قد يكون أمرا سهلا أو العكس، ولكنه في جميع الأحوال يعتمد على مدى يقظة البنك وحرص العاملين فيه وقيامهم بمهنتهم وفق الطرق الحرفية المهنية الحذقة. ولنكن كذلك دوما.