اندماج البنوك

د. عبد القادر ورسمه غالب

ظلت الأقاويل دائرة منذ مدة عن احتمال اندماج "بنك أبوظبي الوطني" و"بنك الخليج الأول" في أبوظبي، وبقيت هذه الأقاويل مستمرة حتي تقدم البنكان بطلب الافصاح عن رغبتهما بالاندماج الي سوق أبوظبي للأوراق المالية وبهذا يصبح موضوع حدوث الاندماج أمر واقع. ان هذا الاندماج، اذا تم، سيشكل أكبر بنك في المنطقة والعالم العربي ويتم ميلاد بنك عملاق مارد، يمكنه تقديم الخدمات المصرفية الشاملة المتكاملة لعملائه وللمنطقة. وهذا سيدعم دور القطاع المصرفي في التنمية، وهذه "بشارة" كبيرة والدليل علي ذلك ارتفاع أسهم البنكان فور الافصاح الرسمي عن هذا التزاوج المفرح للإمارة وغيرها.

لا يخفي علينا أن دولة الامارات تعتمد لحد كبير جدا علي مورد النفط الذي قفز بالإمارات الي مكانة اقتصادية عالية، وبموجب الامكانيات المالية العالية لدي الدولة تم انشاء وقيام المشاريع الكبيرة ومن هذا الزخم والتدفقات المالية والموازنات العالية تجني البنوك نصيب الأسد. ولكن مورد النفط "المسكون" تعرض في الفترة الأخيرة لضربة قوية قادت الي تدني الأسعار للهاوية. واذا جف الضرع يتوقف تدفق اللبن، وهذا ما حدث في كل المنطقة ونقصت الموازنات وتم وقف المشاريع وتم تعديل الخطط والأولويات، وهذا انعكس علي البنوك في المنطقة لحد كبير. ومن واقع هذه التجربة، اضافة لأسباب أخري، فان تفكير البنوك في الاندماجات والتملك وتوحيد الأعمال المصرفية يصبح أمرا طبيعيا بل تحوطا احترازيا يجد التقدير. وعليه، نأمل أن يكون لهذا التصور الاندماجي أثر وحمي "الدومينو ايفكت" لدي البنوك الأخرى في الامارات ومنطقة الخليج لأن في الاتحاد والوحدة قوة لا تقدر بثمن.

وتقديرا للأوضاع الاقتصادية في المنطقة وفي كل العالم فمن المستحسن أن تقوم البنوك المركزية، بصفتها الاشرافية والرعاية الأبوية، بتشجيع البنوك علي الاندماج والتملك لتكوين كيانات مصرفية قوية تستطيع مجابهة الهزات والعواصف القوية التي تعصف بالصغار والضعفاء. ان علي البنوك المركزية بالنسبة لاندماج البنوك، في نظرنا، أن تتقمص شخصية الأب الوالد الذي يفرح كثيرا ويشجع زواج الأبناء ويدعمه بكل قوة ولكن لا يفرضه ولا يضع شروطه بل يتركها لرأي ورغبة الأبناء الذاتية. وهذه الرعاية والوضع ينطبق بالضرورة أيضا علي كل الجهات الرقابية الاشرافية الأخرى.

ان اندماج البنوك له متطلبات قانونية عديدة لا بد من تنفيذها ومراعاة الالتزام بها، حماية للحقوق وحفاظا للواجبات وكل التوابع الأخرى. ولا شك في أن رؤساء وأعضاء مجالس ادارة البنوك لهم القدح المعلى، لأن الخطوة الأولي وضربة البداية تبدأ عندهم ومنهم ولهم. وهنا نقول، أن علي هؤلاء السادة القادة تجشم روح القيادة والتجرد والبعد عن الذات والسعي بجدية نحو تحقيق الاندماج اذا كان في هذا مصلحة البنك الذي يتولون مسئولية قيادته. نقول هذا لأن بعض مجالس الادارات أو بعض الأعضاء قد يقفون ضد أي فكرة للاندماج أو ما شابه انطلاقا من أنانية الحفاظ علي "الكرسي" وما يتبعه من هالة ومادة ومكانة في المجتمع. وفي مثل هذه الحالات فان دور المساهمون يكون مفصليا من أجل ترجيح كفة ما فيه الفائدة للشركة خاصة والمجتمع بصفة عامة.

من الخطوات القانونية، التي تسبقها الدراسات والعديد من الخطوات الادارية التنفيذية، الحصول علي موافقة المساهمون ومجلس الادارة عبر اصدار قرار واضح من مجلس الادارة يتضمن قرار الاندماج، أو غيره من الخطوات الخاصة بالملكية، وتفاصيل كيفية تنفيذ القرار المشفوع بموافقة السلطات الاشرافية الرقابية ذات الصلة وخاصة البنك المركزي. وقبل هذه الموافقات الداخلية والرسمية، في العادة، تقوم الجهات "البنوك" الراغبة في الاندماج بتشكيل لجان أو لجنة مشتركة لبحث تفاصيل الاندماج والاتفاق علي مبدأ الاندماج أولا ثم علي كل التفاصيل المكملة مثل اسم البنك "الجديد" بعد الاندماج، وتشكيل مجلس الادارة ورئيس المجلس، والمقر الجديد أو المقار، الادارة التنفيذية العليا، مقدار رأس المال وملكية الأسهم، سعر الأسهم، قيمة الأصول، ثمن الشهرة "قوود ويل" والسمعة التجارية......  الخ. النقاش حول هذه التفاصيل يشكل جحر الأساس للمشروع الجديد الذي قد يكتمل أو قد ينتهي عند عتبة هذه اللجان لعدم الاتفاق النهائي أو ربما لتعارض وتنازع المصالح وغيره من الظروف والمستجدات الداخلية والخارجية.

أيضا، من الناحية القانونية، لا بد من الاشارة الي أن السلطات الرقابية والجهات الحكومية الاشرافية وذات العلاقة قد لا توافق علي الاندماج اذا رأت أنه ضار أو قد يضر بالمنافسة التجارية الشريفة بصفة عامة أو علي القطاع المعني بصفة خاصة أو يقود للهيمنة والاحتكار الضار بالمستهلك وأصحاب وذوي العلاقة.... الخ. ولقد رأينا سوابق عديدة لأن هذه السلطات الرسمية، في أوربا وأمريكا، اعترضت علي بعض الاندماجات لأنها قد تأتي بنتائج عكسية وتضر بالمنافسة والتجارة الحرة وحماية المستهلك. ولا شك، في أن السلطات المختصة في دولة الامارات ستأخذ بهذه النقاط في اعتبارها قبل منح الموافقات النهائية لهذا الاندماج الكبير.

في رأينا، أن توجه هذان البنكان للاندماج فيه فوائد عديدة لا تحصي خاصة في هذا الوقت العصيب والجميع في غمرة البحث الجاد عن البدائل الاقتصادية وأفضل المخارج المتوقعة. وكحقيقة ثابتة، فان حدوث هذا الاندماج سيخلق وحدة مصرفية قوية ومتمكنة لتقديم افضل وأمثل الخدمات للزبائن ولكل الحركة الاقتصادية والتجارية في الامارات والمنطقة. ولذا، يجب علي الجميع الوقوف بقوة لتحقيق هذا الأمر لأن انعكاساته الايجابية و"نعمه" لا تحصي... ونترقب ميلاد هذا المارد المصرفي ومن هذه العلاقة الجديدة سيتم ميلاد ابن شرعي يحبه الجميع لأنه بدوره سيخلق وضعا مصرفيا خاصا ومتميزا في الامارات وكل المنطقة. وستتغير الممارسات المصرفية لأن المولود الجديد له امكانيات تؤدي الي احراز أهداف جميلة يستمتع بها الجميع وتعم الفائدة، وهذا هو المبتغي.. وللإمام سر.