المعضلة

رفيق يونس المصري

المعضلة

-       إذا كانت البنوك الإسلامية تريد أن تفعل ما تفعله البنوك التقليدية، ولو بالتدريج، ولو بفارق زمني، وترى أنه لا سبيل لها إلا ذلك في ظروف العالم والعولمة وسيادة النظم العالمية الحاكمة.

-       وإذا كانت هذه البنوك تريد أن تصف نفسها بأنها إسلامية، وتصرّ على ذلك لكي يكون لها ما يميزها عن غيرها من البنوك، ولكي يكون لها ممولوها ومتمولوها، ولكي تكون قادرة على المنافسة والبقاء.

-       وإذا كان خبراؤها لا خبرة لهم إلا بما تعلموه في الغرب، أو في بلدانهم حسب مناهج الغرب، ولا ثقة لهم إلا بما وجدوه مطبقًا فيه.

-       وإذا كان الفقهاء لا يفقهون إلا ما تعلموه في كتب الفقه القديم ورددوه وحفظوه عن ظهر قلب.

-       وإذا كان البنك الإسلامي حصيلة التفاعل بين الخبراء والفقهاء، والفقهاء يجدون أنفسهم عاجلاً أو آجلاً  مضطرين لقبول ما يعرضه عليهم الخبراء.

-       فإما أن يقبلوا ويمارسوا ليّ أعناق النصوص والمقاصد والمآلات والقواعد وتطويع الشريعة. اضربْ الاقتصاد في الشريعة تجدْ الاقتصاد فوق والشريعة تحت!

-       وإما أن يتنحّوا عن عضويتهم في الهيئات الشرعية، ويخسروا ملايين الدولارات، خاصة الهوامير منهم والمشاهير.

-       وإذا كان هناك ما يُعرض عليهم من الخبراء ولا يفهمونه، لأنه معقد، أو لضيق المدة المتاحة لكي يفهموه ويفكروا فيه، وكانت الإدارة مستعجلة وواقعة تحت ضغط العمل اليومي.

-       وإذا وجد هؤلاء الأعضاء الشرعيون أنفسهم أمام خيارين : خيار الراحة والنوم والختم بالشرعية بكلمة واحدة ( جائز! )، والعمل في عدد كبير لا يحصى من المصارف، وخيار المتاعب والتعارك بينهم وبين الإدارة والضيق في الرزق والتعرض للاستقالة أو للإقالة.

-       وإذا وجد الشرعيون أنفسهم أمام طلب كبير ومفاجئ على الفتوى والتدقيق الشرعي.

-       وصارت لهم أرزاق ومكاتب كثيرة ومتكاثرة يريدون تشغيلها وتعويض مصاريفها وتعظيم إيراداتها من باب الفتوى أو من باب التدقيق الشرعي على غرار التدقيق المحاسبي.

-       وإذا مارس هؤلاء المشايخ مصالحهم في المؤتمرات والندوات والمجامع والمحافل، ووجهوا  أوراقهم العلمية حسب هذه المصالح، واتفقوا على ذلك وتواطؤوا عليه بلسان الحال أو المقال.

-       وإذا وجدنا أنفسنا في بلدان : التجار فيها مشايخ، والمشايخ تجار.

-       وإذا وجد المصلحون أنفسهم أمام مهمة عسيرة وشاقة في إقناع هؤلاء الأثرياء الجدد بالتوجه في الرزق إلى الله بدلاً من الفتوى والتدقيق.

-       وإذا كان أكثر المعروض على الهيئات الشرعية هو من قبيل الربا أو الغَرَر ( المضاربة أو المراهنة على الأسعار ) أو من قبيل مفرزات النظام الرأسمالي السائد.

-       وإذا كان هناك حرج عليهم في القول : حرام، حرام، حرام ...

-       مع أنه في مجتمعات غير محكومة بالإسلام قد يكون الأصل فيها هو الحرمة أو التوقف على الأقل، وليس الإباحة والتيسير كما يروج بعض المشايخ.

-       وإذا سادت الرغبة الظاهرة أو الخفية بتقليد الغرب، حتى لو دخلوا جُحر ضبّ لدخلناه معهم طائعين أو مكرهين.

-       وإذا أراد المشايخ أن يفكروا ويتجرّدوا ورأوا في ذلك متاعب جمة تتعب أرواحهم وعقولهم وأبدانهم، واتهامات لهم بالجهل أو بالتخلف أو بالإعاقة أو بالتعطيل.

-       وإذا كان العلماء من خارج هيئات الرقابة الشرعية إما أنهم ينتظرون دورهم فيها، وهذا هو سرّ التقارير الكاشفة عن الإسراف في تعدد العضوية، وغير الكاشفة عن الثروات والدخول، أو كان هؤلاء العلماء لا يحبون أن يدلوا برأيهم لتقية أو خوف أو وجع رأس، أو عدم تمكن، أو عدم رغبة في المواجهة والمجابهة، أو لامبالاة بالشأن العام، أو يخشون افتضاح علومهم ومعارفهم واجتهاداتهم ...

-       وإذا كان أكثر الناس عندنا من ذكور وإناث، وكبار وصغار، هم من البسطاء الذين تأخذهم العواطف أو الأحكام المسبقة والعادات والتقاليد في النظر إلى المشايخ أو الأمور، وهم غير قادرين على اتخاذ موقف علمي، أو غير راغبين، لسبب أو آخر من الأسباب.

-       وإذا كان الخبراء غير الكبار يتيهون في النظر والمحاكمة والمنطق والمنهج.

-       وإذا كان الفقهاء غير الكبار مثلهم.

-       فماذا تنتظرون؟!

جدة في 17/12/1431هـ

        23/11/2010م

                                                                     رفيق يونس المصري