المصارف الإسلامية والبحث العلمي

خولة فريز النوباني

المصارف الإسلامية والبحث العلمي
9/9/2005   
خولة فريز النوباني
عن جريدة الغد
تحتاج مؤسساتنا لكثير من البحث من أجل  الخروج بفكرمبتكر ممكن التطبيق، بل إن البحث العلمي  يكاد يكون أول الأمور التي من الممكن أن تساهم مساهمة فاعلة في التطوير إن استغلت بالشكل المطلوب ووجهت لصالح الكثير من القضايا القائمة في المؤسسة أو المطروحة للتبني مستقبلا، وما نعنيه هنا يشمل دراسات الجدوى وقياس الرأي العام وتفاصيل إنتاجية العمل وغير ذلك.

وبينما تسعى المؤسسات في الغرب للدعم الحثيث لمسألة البحث العلمي، نجد أنه في بلادنا العربية قلة هم من أدركوا أثر هذا الأمر في التطوير المدروس الثابت، ونظرا لأن المؤسسات المالية الإسلامية وغالبا ما تمثلها المصارف لديها كثير من القضايا الفقهية والإقتصادية المعاصرة تحتاج إلى تكييفات شرعية ووعي بجملة المؤثرات المرتبطة بتغير الزمن والحاجات فقد كان من اللازم تخصيص ميزانية تعتني بالبحث العلمي، ولا ننكر ما للمؤتمرات من دور في تبني ذلك إلا أن أغلب القرارات تحفظ زمنا في الأدراج دون نظر إلى أهميتها في الواقع العملي للاسف، حيث الركون في هذه المؤسسات إلى ما تم إنجازه وتطبيقه يعتبر هو الأكثر سهولة والأيسر من الإقدام على خطوات جريئة ومؤثرة في تطوير العمل المصرفي، وبينما كانت الأردن من أوائل الدول تبنيا للعمل المصرفي الإسلامي ( 1978 ) إلا أن إفتقارها للتجديد الحقيقي بات جامدا على ما تم إنجازه لغاية اللحظة.

فموضوع من مثل تفعيل أدوات استثمار جديدة يزخر بها الفقه الإسلامي يساهم في توجيه الفكر الإقتصادي الإنتاجي والمؤثر في عملية التنمية والتشغيل في المحيط المحلي، وقد يرتبط أيضا بالجوار، إلا أن ذلك بحاجة إلى دراسات مقنعة تعتمد الموضوعية والقياس على أرض الواقع طريقا لتبني أي طرح جديد من أجل تطوير الصناعة المصرفية الإسلامية، فحاجة فئة كبيرة من أبناء الاردن من الممكن أن تلبى من خلال عقد السلم والذي نعني به - بشكل مبسط مع مراعاة الشروط والضوابط  - إمداد المزارعين بحاجتهم المادية المبكرة، من أجل مساعدتهم في شراء حاجاتهم من مستلزمات زراعية، وبذور وغيرها ومن ثم شراؤها منهم وتسويقها بطرق تحتاج إلى دراسات أيضا.

ففي إحدى الدول الزراعية التي تجرأت وتبنت مثل هذه العقود متجاوزة الإنئسار لهاجس المخاطرة أسبقية في  تحقيق تنمية حقيقية، وحل مشكلة نزوح السكان، وهجر الأراضي الزراعية بل وأصبحت من الدول التي تساهم بحصة لا بأس بها بسلة الغذاء العربي.

الإيمان بالدور التنموي للمصارف لا يمكن إغفاله لذلك نلفت النظر إلى اهمية طرح منتجات مصرفية جديدة بالرغم مما لهذا الأمر من تكلفة في بدايته، ولكن مردوداته على المدى القريب والبعيد تغطي تلك التكلفة بل وتحفز على صناعات أخرى تستوعب تلك الطاقات الإنتاجية التي برزت جراء الدعم المادي الأولي.

إن الإبتكار والأسبقية المتبوعة بالجدية في تبني الأفكار المنتجة وتسهيل وصولها لشرائح المجتمع المعنية، جزء من الفكر الإسلامي بعمومه والذي يشمل تكاملا في الطرح يلمسه العامة من غير تعقيد يبعث على التساؤل خاصة في الفئة التي لم تقرأ ولم تسمع عن أثر الفكر الإقتصادي الإسلامي في المجتمعات وتنميتها المستدامة، ولا يمكن الوصول إلى هؤلاء وإقناعهم وهم كثر بمجرد فكر مسطر في الكتب والأثر بل إن الوصول إليهم من خلال التطبيق العملي هو الأكثر إقناعا وفاعلية.

وبما أن القائمين على مثل هذه المؤسسات لديهم الإيمان بالفكرة، إلا ان جمودهم ومحدوديتهم في المساهمة لأسباب قد نجهل بعضها لا زال يدور في نفس الدائرة من بدء التأسيس بل إن كثيرا من الأفكار المطبقة إنما هي ناشئة ومستحدثة، بعد إقبال المصارف التقليدية عليها كبطاقات الإئتمان وغيرها وليس ذلك من باب التقليل من أهمية الإستعانة بكل جديد ولكن البحث عن هوية المصارف الإسلامية الخاصة من خلال طرح مبتكر وجديد لا زالت لم تتبلور لتتجاوز موضوع العاطفة أو الإنتماء الديني، وبقيت تدور في أدوات إستثمارية مشابهة لتلك التي تقوم بها المصارف التقليدية من حيث الظاهر.

إن تبني وإنشاء دوائر خاصة في البحث العلمي والدراسات، لا يحسب ماديا بقدر ما هو منتج بشكل قد يفوق تكلفته الفعلية إن تم تبنيه والإيمان به بدء.

وفي ذلك قد تتم الإستعانة باكثر من تخصص لتتحقق الشمولية في التصور بحيث لا تقتصر على الجانب الفقهي فحسب، بل تشمل الجوانب المحاسبية والإقتصادية المتعلقة بكافة جوانب العمل وطرحها على طاولة البحث، من أجل الخروج بصيغ استثمارية قابلة للإمداد والعيش على أرض الواقع مما يسمح بفرص نجاح أكبر، وهنا نشير إلى تجارب حقيقية في المنطقة من خلال دول الخليج العربي وخاصة البحرين، إذ أن سعيها لأن تكون مركزا مصرفيا إسلاميا جعل المختصين يعملون على قدم وساق من أجل النهوض بالأدوات من خلال التركيز على الإبتكار مع إحياء الفكر المالي الإسلامي والبدء بدمجه بالواقع العملي.

لعل الإقتصاد والمساهمة فيه بفاعلية من أكثر الجوانب تأثيرا في المجتمعات ووصولا للناس من خلال توفير حاجاتهم بعدالة، بعيدا عن الإستغلال الذي يزيد الفقير فقرا، والغني غنا بما يخلخل تركيبة المجتمع ويولد تفاوتا طبقيا هو أساس لاغلب الأمراض الإجتماعية.

أخيرا، إن الدعوة التي نقصدها تفوق المعطيات في المصارف الإسلامية، ولكن لا نستطيع إغفال اهمية النقد من أجل النهوض، وأهمية استنهاض الذات المفكرة والمبتكرة من أجل زمان أكثر انتاجا للافكار الفاعلة بدلا من استهلاكها.

باحثة في الاقتصاد الإسلامي

ومدير دار جواد للدرسات