المصارف الإسلامية.. هل تعمم قريباً ؟

المصارف الإسلامية.. هل تعمم قريباً ؟!  
تتجه كثير من البنوك والمؤسسات المصرفية نحو دراسة ظاهر البنوك الإسلامية، والتي قد أثبتت نجاحات باهرة في بقاع مختلفة من العالم، وقد بدأت بعض المصارف بالتحول الفعلي لتطبيق النظام الإسلامي في تعاملاتها وسياساتها المالية، فما هو سر نجاح هذه البنوك؟! وما هي المعوقات التي تواجهها؟!

العمل المصرفي الإسلامي والضغوط التي تمارس عليه
مما لا يدع مجالاً للشك أن كل عمل يرتبط بالإسلام سيكون محلاً لسهام المتربصين بالإسلام، والعمل المصرفي الإسلامي ميدان من تلك الميادين المستهدفة لأنه يحمل بين دفتيه الروح الإسلامية الذكية ويتنقل في مصارفه عبر الوعاء الإسلامي الذي يخلو من اللوثات التي تشوه جماله وتعكر صفوه، ثم إن الشريعة الإسلامية حرست الأموال العامة والخاصة حراسة مشددة وكفلت حركتها المنضبطة لتجعلها في مأمن عن التلاعب والفساد، وأقامت حدوداً صارمة أمام الذين يتسللون لملء جيوبهم كيفما اتفق، لدرجة أنها حاصرت الأيادي المتطاولة على حق الغير بحد القطع والتقليم، وهذا ما لا يتفق مع واضعي القوانين المصرفية غير الإسلامية، لكونهم ينطلقون من نقطة تفسح لهم اصطياد الأموال، وتخلي مسؤوليتهم عن ما يترتب من إضرار تلحق بالآخرين جراء تلك القوانين الماكرة، وصدق الله العظيم القائل عن أولئك: (ومن أهل الكتاب من تأمنه بقنطار يؤده إليك ومنهم من تأمنه بدينار لا يؤده إليك إلا ما دمت عليه قائماً ذلك بأنهم قالوا ليس علينا في الأميين سبيل ويقولون على الله الكذب وهم يعملون) لذلك أخلوا مسؤوليتهم عندما وضعوا قوانين المصارف الربوية، تلك القوانين التي وضعت لتحقيق الأرباح الخيالية دون أي ضوابط دينية أو أخلاقية، بينما نجد أن المصارف الإسلامية عكس ذلك فهي تضع قوانين مصارفها المالية ضمن منظومة دينية وأخلاقية رائعة.

الجدوى من إنشاء المصارف الإسلامية
إن الضغوط التي تتعرض لها المصارف الإسلامية سنة من سنن التدافع بين الناس وفق المشيئة الإلهية، وأما جدوى إنشاء المصارف الإسلامية في عصرنا فتتوقف على الخطوات التالية:
1- الاهتمام بإبراز أهمية إنشاء تلك المصارف لكل الوسائل الإعلامية، مع ذكر محاسنها الدينية والدنيوية وسلامة معاملاتها وقنواتها من أوساخ الربا ونتائج التعامل به على كل مناحي الحياة، وأثر ذلك على العلاقة بين الخالق والمخلوق.
2- تبيين مساوئ الربا وآثاره الدينية والدنيوية انطلاقاً من قوله تعالى: (يمحق الله الربا) ومن قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله وإن تبتم فلكم رؤوس أموالكم لا تظلِمون ولا تُظلَمون) ومن قوله صلى الله عليه وسلم: "درهم ربا يأكله الرجل وهو يعلم أشد من ستة وثلاثين زنية"، والتحذير من المكاسب التي تأتي عن طريق هذه المصارف الربوية لكونها حرام لا لمسلم أن يقع فيه، كما أن أي مال ربوي خالط حلالاً جعله كله حراماً.
3- مخاطبة القيادات السياسية عن طريق العلماء الشرعيين وأصحاب رؤوس الأموال بدعم المصارف الإسلامية دعماً سياسياً ومادياً وتحويل معظم معاملاتهم على تلك المصارف.
4- تحويل الرواتب ومستحقات التعويضات والمقاولات الحكومية على تلك المصارف.
5- ربط تصاريح ورخص النشاطات التجارية بتلك المصارف بحيث لا تمنح تلك التصاريح إلا لمن يقدم ضماناً مصرفياً إسلامياً.
6- تحويل دخل الموانئ البحرية والبرية والجوية على تلك المصارف الإسلامية.
7- ربط حركة الأسهم بتلك المصارف.
8- تكثيف نشاط تلك المصارف لتكون منافساً قوياً لأنشطة المصارف الأخرى.
9- إعطاءها حق الامتياز لكل المشاريع الحكومية.
10- ربط المعاملات البترولية والثروات المعدنية بها مباشرة، ومن ثم نستطيع أن نحتوي جميع ما له علاقة بحركة المال فتضطر المصارف الربوية أن تنسحب من الساحة أو تتحول إلى مصارف إسلامية.
11- إنشاء سوق إسلامية معفية من الجمارك والرسوم فيما بينها.
12- إنشاء مجلس اقتصادي إسلامي.

تجربة ماليزيا
وتجربة ماليزيا رائدة في هذا المجال، وقد قامت على أسس علمية وعملية رائعة حيث تدرجت في إنشاء هذه المصارف حتى جعلتها تسيطر على كل الأوضاع، ولكنها زادت على ذلك بعنصر هام، هو عنصر حرية السوق وعدم مضايقته أو مزاحمته من قبل الدولة، وفقاً لمعايير شرعية تحافظ على أسلمة المال، لمعرفتها أن تدخل الحكومات في الأسواق كشريك للمستثمرين يعطل حركة النشاط التجاري، نظراً لما به من عواقب وخيمة على حساب الحركة التجارية العامة لتتحول لمصلحة أفراد قلائل.
والتجربة الماليزية زاحمت الاقتصاد العالمي من ناحيتين:
الناحية الأولى: أسلمة المعاملات التجارية والمصارف المالية والاستعانة بالخبراء.
الناحية الثانية: عدم تدخل الدولة في حركة السوق كشريك وإنما اكتفت بالتدخل كمراقب ومحاسب.
وفي رأيي أن التجربة الماليزية تستحق الاستنساخ والتطبيق حتى لو كانت تحتاج لفترة زمنية طويلة، وذلك على مستوى السوق الإسلامية المشتركة، وعلى مستوى الدول الإسلامية منفردة، وعلى مستوى المجلس الاقتصادي الإسلامي، والتطبيق لهذه التجربة يحتاج منا إلى الصبر والتدرج حتى ننافس التكتلات المالية العالمية.