الشمول المالي ودور البنوك

د. عبد القادر ورسمه غالب

لتحقيق المزيد من التنمية الاقتصادية والمجتمعية، اهتم البنك الدولي ومنظمة التعاون الاقتصادي الأوربي ومجموعة العشرين وغير ذلك من المنظمات الدولية والتجمعات المالية بضرورة تحقيق الشمول المالي (فايننشال انكلوشن) الذي يتطلب منح المزيد من الاهتمام لكافة قطاعات المجتمع للمشاركة في الحصول علي الحد الأدنى من الخدمات المصرفية لكل فرد من المجتمع، مع تقديم عناية خاصة للفئات الفقيرة واصحاب المؤسسات الصغيرة والمتناهية الصغر. وهذا التوجه لا بد منه، خاصة وأن اشراك الجميع في ما يعرف ب "الشمول المالي" سيحقق فوائد جمة للجميع ولكل قطاعات المجتمع في الدولة.

لقد تبين من العديد من الدراسات، أن نسبة كبيرة من الأفراد تتجاوز 75% في المجتمعات الفقيرة لا تحصل علي الخدمات المصرفية الكافية، أو لا تتعامل عبر البنوك التي لا تعرف طريقها اعتقادا منها أن هذه الأمكنة مخصصة لفئات معينة فقط وغير مسموح لغير "الأعضاء" بالدخول. مع العلم، أن النسبة المذكورة تزيد كثيرا في دول العالم الأكثر فقرا. وهذا أمر غير مقبول، ونحن في هذا العصر المتطور، وسيضر كثيرا بالحركة الاقتصادية والتنمية المجتمعية.  

ان هذه النسبة الكبيرة من الأفراد والتي لا تتعامل مع البنوك، تعتبر "خارج التغطية" وبالتالي فهي خارج مجال الشمول المالي. وفي هذا الأمر، أضرار اقتصادية ومالية ومصرفية عديدة لأن فتح الحسابات المصرفية ووضع كل الأموال في هذه الحسابات والتعامل عبرها سيمكن القطاع المصرفي من تجميع كل الأموال في يديه ومنها يتم تدوير هذه الأموال وصبها لتحريك التجارة والتنمية والاستثمارات المتنوعة.

وهذه الحركة الدائرية الدؤوبة في البنوك للأموال النقدية يستفيد منها جميع الأطراف خاصة وأنها تؤدي الي توفر الأموال في أيدي البنوك والمؤسسات المالية المرخصة لحسن استخدام وادارة هذه الموارد المالية وفق الأنظمة القانونية والاجراءات السليمة والممارسات المصرفية المتبعة وبما يضمن حقوق جميع الأطراف.

نلاحظ أن البنوك متخمة بالأموال، لدرجة التشبع، في الدول التي يكون فيها وعيا بضرورة وضع الأموال وايداعها في البنوك. وهذه البنوك المتخمة تستطيع تلبية كل القروض الكبيرة وتقديم كافة التسهيلات المالية لقيام المشاريع والعمران والتنمية في كل الأطراف.. وبالطبع فان العكس يحدث عندما يقل أو ينعدم التعامل مع البنوك التي تصبح خاوية الوفاض ولا تملك ما تقدمه. ومن هذا حسرة وغصة في نفوس البنوك والعامة، ولذا لا بد من التحرك الفاعل لتصحيح الأوضاع ومن هنا أتت الفكرة بضرورة الحرص علي تحقيق "الشمول المالي" وتطبيقه من أجل الفائدة المرجوة. وهنا توجد مسؤولية مباشرة علي الدول ومسؤولية علي المجتمع وكذلك مسؤولية علي الصناعة المصرفية.

وللأهمية، يجب تحمل هذه المسؤولية والتصدي لها. وعلي الدولة وضع خطط قصيرة المدي وطويلة المدي لدعم وتشجيع وتوطيد أرجل الشمول المالي. وهذا يتمثل في أن تضع الدول اللوائح والاجراءات والضوابط التي تحفز التعامل مع البنوك بل والعمل قدر المستطاع علي حصر كل التعاملات المالية عبر منافذها.

وهذا قد يتمثل، مثلا، في تحويل كل المرتبات للبنوك وبهذا يكون لكل عامل حساب مصرفي يتعامل عبره، وكذلك تقديم الدفع للمشروعات عبر البنوك فقط. وعلي أصحاب الشركات والنقابات والتجمعات العمالية والمؤسسات التجارية بكافة أحجامها تشجيع أفرادها للتعامل عبر البنوك والاصرار علي تمرير كل المعاملات المالية عبر الحسابات المصرفية فقط.

وفي هذا الخصوص، علي البنوك تقديم التسهيلات لأقصي درجة ممكنة لتمكين الجميع من فتح الحسابات المصرفية بشتي أنواعها من جارية وتوفير واستثمار.. وكذلك تقديم الاغراءات لفتح هذه الحسابات والحرص علي التوفير لجني الفوائد العديدة والمغرية التي تقدمها البنوك لأصحاب الحسابات المصرفية.

وبالطبع، فان تجمع الأموال في يد المصارف ستعود بالفوائد العديدة علي المجتمع وأقلها سيرجع في مشاريع مساهمة التنمية الاجتماعية التي تقدمها البنوك من أرباحها للمجتمع الذي ساهم في تحقيق هذه الأرباح. وهكذا "دائما" تدور الدوائر ويأتي الاحسان بالإحسان، وما جزاء الاحسان الا الاحسان.

وهناك ضرورة ايضا تستوجب قيام البنوك بتسهيل اجراءات التعامل معها وتبسيط وصول الخدمات المصرفية للجميع خاصة للفئات الفقيرة من الأفراد وللمؤسسات الصغيرة والمتوسطة لأن التصاق هذه الفئات بالبنوك سيقلب الموازين وسيحقق طفرة كبيرة نحو الوصول للشمول المالي الذي ستشمل فائدته جميع الأطراف بدون فرز...

ان التعامل مع البنوك الآن لم يعد ترفا لعضوية خاصة وانما أصبح ضرورة تتطلبها الظروف الحالية. والآن مع الطفرة التقنية فان في يد كل شخص في المدن والبوادي والقري والسهول جهاز تلفون. والكثير منهم يستعمل هذا الجهاز في تحويل "رصيد" ليتمكن من الاتصال التلفوني، وهذا الاجراء من الناحية الفنية المحضة يعتبر عملا مصرفيا، لأن هناك طرف يحول رصيد أموال لطرف آخر. وعلي البنوك الاستفادة من هذا الوضع السائد والبدء في تقديم الخدمات المصرفية عبر التلفون الموجود في كل يد في كل وقت. ولقد استفادت دول كثيرة وعملت علي توسيع المعاملات المصرفية عبر جهاز التلفون.

ان تسهيل تعامل الجميع مع البنوك والعمل علي تسيير وتحويل الاموال عبر منافذها، سيحقق طفرة الشمول المالي الذي سيعود بدوره بفوائد عديدة علي التنمية الاقتصادية والتنمية المجتمعية المتحضرة. ولكن هذا يحتاج لتضافر الجميع وخاصة الجهات الرسمية في الدولة التي يجب عليها قيادة الصفوف لتحقيق الشمول المالي.