الرد الصريح على ما يثار حول البنوك الإسلامية من قدح وتجريح

حيدر ناصر

الرد الصريح على ما يثار حول البنوك الإسلامية من قدح وتجريح

بصفتي أحد الذين واكبوا مسيرة بنك البركة الجزائري منذ تأسيسه ومن المتابعين عن كثب للعمل المصرفي الإسلامي عبر العلاقات التي تربطنا بالمؤسسات المالية الإسلامية في العالم ومشاركتنا في الملتقيات والندوات الدولية التي تعقد حول الاقتصاد الإسلامي وما اكتسبته من تجربة خمسة عشر سنة من العمل الميداني في هذا المضمار وجدتني ملزما بالرد على ما يثار هنا وهناك من شبهات وحملات ترمي إلى التشكيك في شرعية التعامل مع البنوك الإسلامية واعتبارها جميعا ودون استثناء ولا قيد مثيلة البنوك الربوية وأن ما تقوم به من بيوع آجلة على نمط المرابحة للآمر بالشراء ليست إلا تحايلا يخفي معاملات ربوية محضة. وبعد أن اطلعت على ما صدر عن بعض المشتغلين بالعلم الشرعي و لاسيما عبر أحد المواقع في الشبكة المعلوماتية (الأنترنت) من فتاوى رأيت من واجبي الشرعي أن أذكر هؤلاء وهؤلاء لجملة من المسائل والقواعد التي لا يسوغ لمن يتصدى للفتوى عدم مراعاتها أو تجاهلها.

1-  إن من شروط الفتوى إلمام المفتي بجميع جوانب المسألة المستفتى فيها من حيث معطياتها وملابساتها والظروف المحيطة بها فالحكم على الشيء فرع عن تصوره ولا يصح إطلاق الأحكام جزافا وبصيغة التعميم دون إمعان النظر والتعمق والاستفسار عن حقيقة وكنه الموضوع.

وبالرجوع إلى قضية البنوك الإسلامية ومعاملات بنك البركة الجزائري على وجه الخصوص فقد كان حريا بهؤلاء المشايخ مع احترامنا لعلمهم ومقامهم التقرب من إدارة البنك والاطلاع عن قرب على التطبيقات العملية للمعاملات المصرفية التي يمارسها والنظر في العقود المتعلقة بها والإحاطة بالمستندات الشرعية لهذه العمليات ومناقشة مسؤولي المؤسسة وهيئتها الشرعية على ما أشكل أو ما كان محل شبهة فيها قبل إصدار الفتيا بشأنها.

2- توجد بالبنوك الإسلامية كلها هيئات للرقابة الشرعية تضم ثلة من العلماء والفقهاء المتخصصين في فقه المعاملات المالية والمصرفية ممن واكب مسيرة هذه البنوك منذ نشأتها ووجهوا مسارها وحرصوا منذ البدء على وضع الضوابط والمعايير الشرعية المستقاة من الأحكام الفقهية للمذاهب المعتبرة وبيان الحكم الشرعي في المسائل المستجدة والنوازل العارضة بالاستناد إلى الأدلـة الراجحة، ولا يعقل أن يتفق ويتواطأ كل هؤلاء العلماء ممن لا يشك في علمهم وورعهم لاستحلال ما حرم الله وتضليل المسلمين وإقحامهم في الربا لو كان الأمر كـذلك والعياذ بالله.

3- لا يخفى، أن فقه المعاملات في جل مسائله عبارة عن اجتهادات فقهية مستندة إلى أدلة ظنية إما في ثبوتها أو في دلالتها أو في كليهما معا وفي كثير من الحالات يكون مرجع الفتوى فيها القياس أو العرف أو المصالح المرسلة أو سد الذرائع أو استصحاب الحال وغيرها من الأدلة الاجتهادية التي تتباين فيها أوجه الاستنباط والاستدلال.

وبالنظر إلى كون هذه الأدلة ذات طبيعة متغيرة ومتحركة باختلاف الظروف والحالات والأمكنة والأزمنة وتكون أوجه الاستدلال فيها أيضا متعددة أو متباينة أو متعارضة باختلاف مناهج الفتوى لدى الفقهاء منذ عهد السلف الصالح إلى يومنا هذا فإنه لا يمكن القطع في هذه القضايا بأحكام باتة وتسفيه المختلفين بعضهم بعضا بشأنها. فلم يكن هذا في يوم ما نهج السلف بل كان ديدنهم القول المأثور" رأينا صواب يحـتمل الخطأ ورأي غيرنا خطأ يحتمل الصـواب " فالاجتهاد لا ينقض بمثله ولئن كان الحق في مسائل الخلاف واحد فإن المجتهد المخطئ فيها مأجور والمستفتي المقلد له فيما أفتاه معذور، ولا أخالني مبالغا إذا قلت أنه لا توجد مسألة من مسائل فقه المعاملات إلا وتجد فيها أكثر من قول بل يروى غالبا عن ذات الإمام في المسألة الواحدة أكثر من رواية وكثيرا ما يكون ذلك لتغيير الفتوى تبعا لتغير الظروف والأحوال والمناط.

وما أحسن قول خامس الخلفاء الراشدين لما سأله أحدهم " لو جمعت الناس على شيء فقال: ما يسرني أنهم لم يختلفوا قال: ثم كتب إلى الآفاق أن يعملوا بما اجتمع عليه فقهاؤهم " رواه الدارمي بإسناد صحيح وعن عون بن عبد الله أحد التابعين أنه قال: " ما أحب أن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم لم يختلفوا فإنهم لو اجتمعوا على شيء فتركه، رجل ترك السنة ولو اختلفوا فأخذ رجل بقول أحد أخذ السنة " رواه الدارمي وقال عون تابعي ثقة.

4- إن البنوك الإسلامية إنما قامت لتقديم البديل الشرعي للمعاملات المصرفية التقليدية وهي على صنفين:

- صنف الخدمات المصرفية مثل مسك الحسابات وتسيير وسائل الدفع وتحصيل الأوراق التجارية والوساطة في عمليات التجارة الدولية وغيرها من العمليات التي لا تدخل ضمن عمليات التمويل على خلاف بين الهيئات الشرعية فيما يتعلق بالعمولات مقابل الكفالات و الضمانات البنكية مناطه جواز أخذ الأجر على الكفالة من عدمه وكيفية احتساب الأجر لمن قال بالجواز.

صنف عمليات جمع الموارد والائتمان والتي طورت بشأنها المصارف الإسلامية بدائل شرعية لأسلوب الاقتراض والإقراض بفائدة ربوية المعمول به في البنوك التقليدية، وتستند هذه البدائل على صيغ مطورة وعملية لعقود المضاربة والمشاركة والمرابحة والسلم والاستصناع والإجارة والوكالة بأجر والمزارعة وغيرها من صيغ الاستثمار المباحة والتي لا يتسع المقام لتفصيلها ها هنا.

5- إن قضية بيع المرابحة للآمر بالشراء المعمول بها من قبل البنوك الإسلامية تطبيق عملي لبيع المرابحة الذي كان معروفا قبل الإسلام وأقرته الشريعة مع إحاطته بالضوابط المتعلقة بالصحة والنفاذ عملا بمبدأ أن الدين في العبادات منشئ وفي المعاملات مصلح و أن الأصل في العادات الحل كما هو مقرر عند جمهور أهل العلم.

ولقد حرصت هيئة الرقابة الشرعية الموحدة لمجموعة البركة ومن بعدها المجلس الشرعي لهيئة المحاسبة والمراجعة للمؤسسات المالية الإسلامية على ضبط التعامل بهذه الصيغة بجملة من القواعد التي تحول دون الوقوع في المحظورات الشرعية من ربا وغرر فاحش أو ما يختل به العقد من حيث صحته أو نفاذه.

وعلى رأس هذه الضوابط تملك البنك للسلعة قبل بيعها مرابحة للزبون ويثبت هذا التملك بالفاتورة التي هي قانونا وعرفا عقد موثق يثبت نقل ملكية المبيع من البائع إلى المشتري.

وفيما يخص بنك البركة الجزائري فإنه يسدد ثمن المبيع للبائع مباشرة مقابل فاتورة محررة باسم البنك ولكن يذكر فيها عبارة " لحساب الزبون فلان " لأسباب ضريبية وإدارية وتنظيمية وهو ما لا يؤثر على تملك البنك للمبيع.

ولا يجب هاهنا الخلط بين مسألتي بيع ما لا يملك وبيع ما لم يقبض فالملك يثبت بالعقد حتى في غياب القبض أما مسألة بيع ما لم يقبض فأنها محل خلاف بين الفقهاء حيث ذهب الشافعية إلى منع بيع ما لم يقبض على العموم سواء كان المبيع عقارا أو منقولا وسواء كان المنقول طعاما أو غيره عملا بعموم حديث حكيم بن حزام قال " قلت يا رسول الله إني اشتريت بيوعا فما يحل لي منها وما يحرم علي ؟ قال فإذا اشتريتها فلا تبعه حتى تقبضه " رواه أحمد والطبراني. قال الشوكاني في نيل الأوطار في إسناده العلاء بن خالد الواسطي وقد اختلف فيه فوثقه ابن حبان وضعفه موسى بن إسماعيل، وذكر ابن رشد في بداية المجتهد أن في إسناد الحديث يوسف بن مالك وعبد الله بن عصمة وقال أنه لا يعرف لهما جرحة إلا أنه لم يرو عنه إلا رجل واحد فقط وذلك في الحقيقة ليس جرحة وإن كرهه جماعة من المحدثين، وقال ابن حزم أن عبد الله بن عصمة متروك إلا أنه روى الحديث من طريق آخر ليس فيه عبد الله بن عصمة وقال أن سنده صحيح.

كما استندوا في ذلك على حديث عبد الله بن عمر قال: ابتعت زيتا في السوق فلما استوجبته لنفسي لقيني رجل فأعطاني به رزقا حسنا فأردت أن أضرب على يده (يعني يبرم معه عقد البيع) فأخذ رجل من خلفي بذراعي فألتفت فإذا زيد بن ثابت فقال: " لاتبعه حيث ابتعته حتى تحوزه إلى رحلك فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهـى أن تباع السلع حيث تبتاع حتى يحوزها التجار إلى رحالهم " رواه أبو داود والدارقطني والحاكم وابن حبان وصححاه إلى أن ابن حزم قال أن في إسناده أحمد بن خالد الوهيبي وهو مجهول (انظر نيل الأوطار للشوكاني ص 256ج 5).

ويرى الحنفية أن النهي ينطبق على المنقول تلافيا للغرر واختلفوا في العقار فقال أبو حنيفة وأبو يوسف بجواز بيع العقار قبل قبضة لانتفاء الغرر وقال محمد بن الحسن وزفر بن الحارث لا يجوز لعموم النهي الوارد في الحديث.

أما المالكية فقد قيدوا النهي بالطعام دون سواه واستدلوا بحديث عبد الله بن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى أن يبيع الرجل طعاما حتى يستوفيه قلت لابن عباس كيف ذلك؟ قال:" ذلك دراهم بدراهم والطعام مرجأ" رواه البخاري ومسلم والترمذي واستدلوا أيضا بحديث عبد الله بن عمر "من ابتاع طعاما فلا يبعه حتى يقبضه" رواه البخاري ومالك في الموطأ وفي رواية لأبي داود والنسائي " أن الرسول صلى الله عليه وسلم نهى أن يبيع أحد طعاما اشتراه بكيل حتى يستوفيه وفي رواية لأحمد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من اشترى طعاما بكيل أو وزن فلا يبيعه حتى يقبضه " وبحديث مالك عن نافع عن ابن عمر أنه قال " كنا في زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم نبتاع الطعام فيبعث علينا من يأمرنا بانتقاله من المكان الذي ابتعناه فيه إلى مكان سواه قبل أن يبيعه " رواه أحمد.

واستدلوا بحديث أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " من اشترى طعاما فلا يبيعه حتى يكتاله " رواه مسلم واستدلوا بحديث جابر بن عبد الله " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إذا ابتعت طعاما فلا تبعه حتى تستوفيه "رواه مسلم فقد ورد النهي في كل هذه الأحاديث على الطعام دون غيره إلا أنهم اشترطوا ألا يكون الثمن مؤجلا لئلا يكون بيعا للكالئ بالكالئ المنهي عـنه.

واختلفوا بعد ذلك في الطعام حيث منعوا بيعه قبل قبضه على الإطلاق في رواية عن مالك وروي عنه الجواز في رواية ثانية عن ابن وهب ما لم يكن من الأموال الربوية الستة وذهب جمهورهم إلى استثناء الطعام الذي اشتري جزافا من النهي عن بيعه قبل قبضه.

واختلف الحنابلة في هذه المسألة اختلافا كبيرا والمشهور عنهم من يرى المنع في المقدرات (الموزونات والمكيلات والمعدودات والمزروعات) دون غيرها من المتعينات وروي في ذلك عن أحمد روايتان إحداهما أن المنع في الطعام دون غيره ذكرها ابن عبد البر والأخرى بعموم النهي في الطعام وغيره ورجح ابن عقيل الحنبلي هذه الرواية مستدلا بقول ابن عباس في رواية البخاري "ولا أحسب كل شيء إلا مثله (أي الطعام)" وهو القول الذي رجحه ابن قيم الجوزية كما جاء في بدائع الفوائد.

وخلاصة القول أن مسألة جواز بيع ما لم يقبض من المسائل الخلافية التي تباينت فيها أراء الفقهاء من قائل بالجواز المطلق وهم شواذ ومن قائل بالجواز في بعض الأحوال دون بعض وهم الغالب ومن قائل بالمنع المطلق وهم الشافعية.

وهو ما يوضح ما أشرنا إليه أعلاه من أن جل أحكام البيوع اجتهادات مؤسسة على أدلة ظنية إما في ثبوتها أو في دلالتها والاجتهاد لا ينقض بمثله ولا يرفع الخلاف إلا اجتهاد الحاكم إذا قضى برأي منها.

ومهما يكن الأمر فإن المصارف الإسلامية ومنها بنك البركة الجزائري تأخذ باشتراط قبض المصرف للمبيع قبل بيعه مرابحة للزبون. وهو ما نص عليه المعيار الشرعي للمرابحة الذي اعتمده المجلس الشرعي لهيئة المحاسبة والمراجعة للمؤسسات المالية الإسلامية وهي الجهة المخولة لإصدار المتطلبات الشرعية للعمليات المصرفية للبنوك الإسلامية فقد نص المعيار في بابه رقم 3 /2 تحت عنوان: قبض المؤسسة السلعة قبل بيعها مرابحة للآمر بالشراء على ما يلي:

 3/2/1يجب التحقق من قبض المؤسسة للسلعة قبضا حقيقيا أو حكميا قبل بيعها للعميل بالمرابحة للآمر بالشراء.

والقبض الحكمي يكون إما بالتخلية بين المشتري والمبيع وتمكينه من تسلمه بأي وجه من الأوجه المتعارف عليها "أو بتسلم المشتري لمستندات مثل شهادات التخزين التي تمكنه من قبضها السلع حسيا.

وقد قال الكثير من الفقهاء به على خلاف بسيط بينهم فيما يجوز فيه القبض بالتخلية وما يشرط فيه القبض باليد، وقد روى أبو الخطاب عن الإمام أحمد حسبما ذكره ابن قدامة في المغني أن القبض في كل شيء بالتخلية مع التمييز لأنه مادام البائع قد خلى بين المشتري والمبيع من غير حائل فإن المشتري يعتبر قابضا للمبيع كما في العقار.

و يرى الجمهور أن علة النهي عن بيع ما لم يقبض هي الغرر قال ابن قدامه " لكن ما يتوهم فيه غرر الانفساخ بهلاك المعقود عليه لم يجز بناء عقد آخر عليه، تحرزا من الغرر وما لم يتوهم فيه ذلك الغرر انتفى المانع فجاز العقد عليه. وعلل المالكية المنع بسد ذريعة العينة والربا إذا اتخذ البيع مطية للحصول على النقد بالأجل مع الزيادة.

وقد رجح ابن تيمية رأي الجمهور بتعليله المنع باحتمال عجز البائع الثاني عن التسليم إذا نكل البائع الأول عن تسليمه هو المبيع وهو غرر قد يقصى إلى انتزاع (انظر كتاب الغرر وأثره في العقود في الفقه الإسلامي، تأليف الشيخ الصديق الضرير سلسلة صالح كامل للرسائل الجامعية في الاقتصاد الإسلامي الطبعة الثانية – سنة 1990، ص 357)  وإذا اعتبرنا هذا التعليل فإن انتفاء هذا الاحتمال بالتحلية بين البائع الثاني والمبيع أو تمكينه منه بأي وسيلة معتبرة عرفا أو قانونا يؤدي إلى انتفاء علة النهي والنهي تبعا لذلك.

وقد اعتمد مجمع الفقه الإسلامي هذا القول في دورته السادسة التي انعقدت في مارس 1990 حيث نص القرار رقم 53 – 4 – 6 الصادر عن هذه الدورة على أن قبض الأموال كما يكون حسيا في حالة الأخذ باليد أو النقل أو التحويل إلى حوزة القابض يتحقق اعتبارا وحكما بالتخلية مع التمكين من التصرف ولو لم يتم القبض حسا.

والمعمول به لدى بنك البركة الجزائري هو حيازة السلعة في مخازن البائع حكما بعد تملكها ثم تمكين المشتري (زبون البنك) من تسلم السلعة من نفس المخازن بعد تمليكها له بموجب عقد المرابحة على أن يكون الضمان وتحمل تبعة الهلاك أو التلف على ذمة البنك قبل قبض الزبون للبضاعة وحيازتها فعلا وهكذا فإن شرط الضمان لاستحقاق البنك للربح هاهنا متحقق.

وخلاصة القول أن بيع المرابحة المطبق لدى البنوك الإسلامية وبنك البركة الجزائري على وجه الخصوص يتوفر على جميع الأركان وشروط الصحة المطلوبة شرعا في مثل هذه العقود والمتمثلة في:

  1. معلومية الثمن الأول.
  2. معلومية الربح.
  3. تملك البضاعة وقبضها حكما قبل بيعها مرابحة.

هذا من حيث المبدأ أما ما يتعلق باختلاف المرابحة للآمر بالشراء كما تمارسها البنوك الإسلامية (أي ما يسمى بالمرابحة المركبة) عن المرابحة البسيطة المعروفة في كتب الفقه وذلك من حيث توسط البنك بين بائع السلعة الأول ومشتريها الثاني فلا يقدح في صحة المعاملة كون صور البيوع تختلف وتتنوع وتتطور حسب اختلاف الأزمان والأمكنة ومرجعها إلى ما يتعارف عليه الناس وما يحقق مصالحهم مادامت لا تصادم نصا قطعيا في ثبوته ودلالته ولا إجماعا ثابتا ولا قياسا جليا.

وقد ثبت في روايات كثيرة صحيحة من السلف الصالح أنهم كانوا يبتاعون الشيء ثم يبيعونه في ذات السوق واختلف العلماء فيما يجوز بيعه قبل قبضه وفيما يجب أن يكون القبض فيه حقيقة وما يجوز أن يكون حكما على الوجه الذي فصلناه أعلاه.

أما شبهة عدم حاجة البنك للسلعة وأن تدخله بين البائع الأول والآمر بالشراء مرجعه توفره على السيولة اللازمة لأداء ثمن البيع الذي يعوز الآمر بالشراء فإن ذلك لا يقدح في صحة العملية حتى ولو أخذنا بمبدأ اعتبار مآلات الأفعال، فلا مانع شرعا أن يشتري المرء السلع نقدا ويبيعها بالأجل بثمن أعلى عند الجمهور.

بل إن الجمهور أجازوا التورق أي الحصول على الورق (النقد) عبر شراء سلعة بالأجل ثم بيعها نقدا بثمن أقل لغير بائعها الأول، وتجدر الإشارة إلى أن بعض السلف كره هذه المعاملة وروى ذلك عن عمر بن عبد العزيز وهو ما أخذ به شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم.

قال ابن القيم في إعلام الموقعين: " كان شيخنا رحمة الله يمنع من مسألة التورق وروجع فيها مرارا وأنا حاضر فلم يرخص فيها وقال المعنى الذي لأجله حرم الربا موجود فيها بعينه مع زيادة الكلفة شراء السلعة ويبيعها والخسارة فيها والشريعة لا تحرم الفرد الأدنى وتبيح ما هو أعلى منه.

وقد أفتى مجمع الفقه الإسلامي بجواز التورق في مؤتمره الخامس عشر سنة 1998 حيث ورد في قرار المجمع:

أولا: إن بيع التورق هو شراء سلعة في حوزة البائع وملكه بثمن مؤجل ثم يبيعها المشتري بنقد لغير البائع للحصول على النقد (الورق).

ثانيا: إن التورق هذا جائز شرعا وبه قال جمهور العلماء لأن الأصل في البيوع الإباحة لقوله تعالى وأحل البيع وحرم الربا ولم يظهر في البيع ربا لا قصدا ولا صورة ولأن الحاجة داعية إلى ذلك لقضاء دين أو زواج أو غيرهما.

ثالثا: جواز هذا البيع مشروط بأن لا يبيع المشتري السلعة بثمن أقل مما اشتراها به على بائعها الأول لا مباشرة ولا بالواسطة فإن فعل فقد وقعا في بيع العينة المحرم شرعا لاشتماله على حيلة الربا فصار عقدا حراما " (يقصد القرار بيع السلعة بثمن أقل للبائع).

كما أفتى بجواز التورق الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله (انظر مجموع فتاوى ومقالات متنوعة ج 19 ص 93) قال رحمه الله تعالى ردا على سؤال نصه: " إذا كان عند رجل بضاعة وطلب منه بعض الناس شراءها بأكثر من سعرها الحاضر إلى أجل معلوم فما الحكم الشرعي في ذلك ؟ فقال في موضع من الفتوى " أما إذا كان المشتري اشترى السلعة إلى أجل ليبيعها بنقد بسبب حاجته إلى النقد في قضاء الدين أو لتعمير مسكن أو للتزويج ونحو ذلك فهذه المعاملة إذا كانت من المشتري بهذا القصد ففي جوازها خلاف بين العلماء وتسمى عند الفقهاء مسألة التورق ويسميها بعض العامة الوعدة والأرجح فيها الجواز وهو الذي نفتي به لعموم الأدلة السابقة ولأن الأصل في المعاملات الجواز والإباحة إلا ما خصه الدليل بالمنع ولأن الحاجة تدعو إلى ذلك كثيرا لأن المحتاج في الأغلب لا يجد من يساعده في قضاء حاجته بالتبرع ولا بالقرض فحينئذ تشتد حاجته إلى هذه المعاملة حتى يتخلص مما قد شق عليه في قضاء دين ونحوه، ولكن إذا أمكن للمسلم الاستغناء عنها والاقتصاد في كل ما يحتاج إليه إلى أن يأتي الله بالفرج من عند فهو أحسن وأحوط " (انظر مجموع فتاوى ومقالات متنوعة للشيخ عبد العزيز بن باز – جمع وترتيب وإشراف د. محمد بن سعيد الشويعي–  الجزء التاسع عشر دار القاسم للنشر – الطبعة الأولى سنة 2001 ص 99.

وللأمانة نقول أن الشيخ يشرط لجواز العملية قبض السلعة ونقلها من مكانها قبل بيعها وهي المسألة الخلافية التي تعرضنا إليها فيما سبق.

ويستخلص مما سبق أن قواعد الشريعة ومقاصدها لدى جمهور العلماء لا تمنع من الدخول في معاملات يكون الباعث فيها توفير الملاءة لمن يعوزهم النقد لتمكينهم من شراء ما يحتاجونه من سلع إما بالأجل أو بالحصول على النقد شرط استيفاء هذه المعاملات للأركان والشروط المعتبرة شرعا أما مشابهة بعض صور هذه المعاملات للربا فإن هذه المشابهة الظاهرية لا تجعل منها معاملة ربوية بدليل أن هذه الشبهة أثارها الكفار أنفسهم كما ورد في قوله تعالى "ذلك بأنهم قالوا إنما البيع مثل الربا وأحل الله البيع وحرم الربا".

أرجوا أن تتسع صدور المخالفين لنا فيما نعتقده وقد تلقيت على يد بعضهم من نوقره ونحترمه لهذه المراجعة وتعلمت منهم حينها أصول استنباط الأحكام وأدركت أن للشريعة الإسلامية مقاصد وأنها تأخذ في الاعتبار مآلات الأفعال في المعاملات وما قد يترتب عنها من مصالح أو مفاسد وأن غاية الشارع فيها هو مصلحة العباد في دينهم ودنياهم.

فإن شرح الله صدورهم للإطلاع على كيفيات عملنا بالبنك ونماذج العقود المستعملة والفتاوى الشرعية المعتمدة فيستجدون لدينا كل الرحب والسعة لإفادتهم بكل ما يطلبونه منها ومن توضيحات عليها.

وخلاصة القول إن ربا النسيئة الذي هو محل بحثنا ها هنا هو زيادة على أصل الدين مقابل التأجيل في حين أن البيوع تقوم على الاسترباح بمبادلة سلع بنقود.

وبقيت مسائل تفصيلية متعلقة ببعض بنود عقد المرابحة للآمر بالشراء من اشتراط البراءة من العيوب الخفية وإلزامية الوعد بالشراء والتأمين على العين المبيعة وعلى الدين وتغريم المدين المماطل مما يتطلب الكلام فيها تفصيلا كثيرا إلا أنها لا تستدعي إلقاء شبهة الربا على هذه المعاملة بل أشد ما يمكن الحكم عليها هو فساد هذه الشروط وقد يصح البيع مع فساد الشرط الذي يقع على الحاكم إبطاله مع إنفاذ العقد بدونه هذا إذا أخذنا جدلا بالقول بمنع مثل هذه الشروط أو بعدم لزومها.

ولقد تعامل السلف معاملات كانت محل خلاف بين الصحابة والتابعين وأفتى بعضهم بجوازها وغيرهم بكراهتها أو حرمتها كونها مما لم يقطع فيها بنص أو إجماع مثلما رأينا في مسألة بيع ما لم يقبض وكذا مسائل بيع الكالئ بالكالئ أو التورق أو بيع العربون أو البيع المعلق وغيرها من القضايا الخلافية التي لا إنكار فيها و لا نكير.

كما أنهم سيجدون لدينا آذانا سامعة وقلوبا واعية لقبول النصح والتوجيه فإننا لا نبرئ أن أنفسنا ولا أعمالنا من الخطأ والتقصير والعيوب بل أن عددا من البنوك الإسلامية قد يقع في محظورات شرعية أو تطبيقات خاطئة ولكن كل ابن آدم خطاء وخير الخطاءين التوابون ومسيرة البنوك الإسلامية في حاجة إلى ترشيد وتوجيه وتقويم غير أن ما لا يدرك كله لا يترك والقصور والنقص لا يجب أن يكون مثبطا عن العمل والسعي وبذل الجهد لأن ترك ذلك فيما نحن فيه من مجال يفتح الباب على مصراعيه للمعاملات الربوية المتفق على حرمتها.

فعلى ما بين البيع والربا من أوجه الشبه فرق الله تعالى بينهما فأجاز التفاضل هاهنا وحرمه هناك ومهما يكن ما قد يعتري البيع من شوائب فلا يصح أن يلحق بالربا حكما لما بينهما من اختلاف جلي فضلا عن كون الكثير مما يثار على بعض البيوع من شوائب قضايا خلافية محضة.

وبفضل الله وتوفيقه ساهمت المصارف الإسلامية في إخراج المعاملات المالية الحديثة من دائرة الربا الصراح إلى دائرة البيوع الحلال في بيئة طغت عليها المعاملات الربوية وعمت مما جعلها تسبح ضد التيار وتواجه من المشاكل والعراقيل وحملات التشهير والتثبيط ما تنوء عن حمله الجبال إلى أن تمكنت والحمد لله من فرض نفسها ومنتجاتها لكل زمان ومكان مثبتة بالعمل لا بالقول صلاحية الشريعة الإسلامية وهي بهذا تستحق أن يشد على أزرها ويقوى ساعدها وتؤيد بالنصح والتوجيه والترشيد مع مراعاة متطلبات الزمان ومستلزمات الواقع مما يأخذه الشرع في الاعتبار حتى يستقيم معاش الناس وأحوالهم مما تشتد حاجتهم إليه.

فإن التعامل مع البنوك أضحى في الوقت الحاضر أمرا لا مناص منه سواء للمتعاملين الاقتصاديين من صناعيين وتجار وحرفيين وزراع ومهن حرة في أعمالهم أو حتى للأفراد والعائلات في حياتهم اليومية. فالبنوك عجلة لا يستغنى عنها في أي دولة لتحريك دواليب اقتصادياتها وتمويل تنميتها، ولا يسع علماء الأمة وفقهاؤها والآمر كذلك إلا إيجاد الحلول الشرعية المقبولة لما تفرزه الحياة الاقتصادية المعاصرة من معاملات وأعراف ضمن الضوابط الشرعية المعتمدة وغير ذلك يؤدي إلى التضيق على الناس وإيقاع الحرج والمشقة بهم وهو ما لا يتفق مع قواعد الشريعة وأصولها ومقاصدها القائمة على رفع الحرج والتيسير أما في مواطن الشبهة أو الخلاف فإن المفتي وإن حق له الأخذ بالعزيمة والورع في نفسه فلا يحق له حمل عموم المسلمين على ذلك فيما عمت به البلوى واشتدت حاجة الناس إليه من معاملات.

ولا نخال الأمر خافيا على من له إلمام بخصائص الشريعة الإسلامية السمحة مدى حاجة الفقه الإسلامي إلى التجديد وبعث حركية الاجتهاد في القضايا المستجدة والتي تعرف في عالمنا المعاصر تطورات متسارعة ومتنامية تتطلب معالجات فقهية معمقة ومستنيرة ومراعية لمقاصد الشريعة وفق منهجية سلفية حكيمة تسمح بإسقاط الأحكام الشرعية على النوازل على بينة وللمجامع الفقهية دور كبير في إرساء دعائم الاجتهاد الجماعي مع التخصص في مختلف المجالات نظرا لدرجة التعقد والتفرع والتنوع التي تعرفها الحياة البشرية المعاصرة في شتى المجالات مع توسيع آفاق البحث والاستنباط ضمن الحدود والأطر والضوابط المعتبرة.

 وقد كان هذا المنهج ديدن علماء السلف الصالح الذي جعلوا الفقه الإسلامي يتمكن من مواكبة مسيرة الحضارة الإسلامية وتوسعها من المجتمع الصحراوي البسيط في المدينة المنورة إلى المجتمع المتعدد الأعراق والأطياف والأديان والبلدان الذي آل إليه بعد الفتوحات ولم يتم ذلك إلا بفضل ما تحلى به هؤلاء العلماء من فهم صحيح لأحكام الشريعة ومقاصدها ومراعاتهم لحاجات الناس واعتمادهم لأعرافهم وعاداتهم ومصالحهم في معاشهم حتى أن بعضهم كان يغير فتاواه ومذهبه بتغير المكان والزمان والعرف والمصالح والمفاسد مما عبر عنه ابن القيم بقوله "حيثما المصلحة فتم شرع الله" ولعل خير ما أختم به وألخص به ما نحن فيه هو قول بلدينا أبو العباس أحمد بن يحي الونشريسي في المعيار المعرب " أن ما جرى به عمل الناس وتقادم في عرفهم وعاداتهم ينبغي أن يلتمس له مخرج شرعي ما أمكن على خلاف أو وفاق".

أسأل الله عز وجل أن يأخذ بأيدينا إلى الحق ويوفقنا في خدمة دينه وعباده ويغفر لنا ما قد نقترفه من خطأ وزلل ولا حول ولا قوة إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب.

حيدر ناصر

مدير الشؤون القانونية

لبنك البركة الجزائري