افتتاح فروع للبنوك الإسلامية داخل البنوك الربوية تحايل وخداع

وهبة الزحيلي

افتتاح فروع للبنوك الإسلامية داخل البنوك الربوية تحايل وخداع
 1/3/2005 الوطن السعودية - دمشق - الوطن الإسلامي

د، وهبة الزحيلي
كثير من الناس يتساءلون عن الفرق بين البنوك التجارية والبنوك الإسلامية وهنا لابد من الحديث أيضا عن موضوع الربا ما الحكمة من تحريم الربا خصوصا أنه قد تتم المسألة بالتراضي يعني ان الطرفين مستفيدان؟
- مما لا شك فيه أن هذه العقيدة أو هذه الشريعة شريعة شاملة لكل شؤون الدين والدنيا والآخرة تتآزر فيها العقيدة مع الأخلاق والمعاملة والاقتصاد والغايات الكبرى وهذه الأشياء تقوم على أساس من الصدق والأمانة والعدل والتعادل في التبادل ومنع الغش والخداع وعدم إيقاع الناس في المنازعات والخلافات لأن الله تعالى يقول: «ولا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا»، ومما لا شك فيه أن المال هو العنصر الأهم الذي يؤدي إلى إثارة هذه المنازعات ومن هنا يكون الواجب على الناس جميعا ألا يأكل مال بعضهم البعض الآخر بالباطل لقوله سبحانه: «ولا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ وتُدْلُوا بِهَا إلَى الحُكَّامِ»، «ولا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ إنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً» لنلاحظ ما السبب في أنه عطف النهي عن القتل بعد عدم أكل أموال الناس بالباطل والنهي عنها السبب أن هذه المنازعات قد تجر في كثير من الأمور إلى الاقتتال والمشاجرات وإلى المنازعات فهذا ما يحرص عليه الإسلام وهو أن تتحقق الثقة في التعامل والأخوة والتعاطف والتعاون وألا يستغل أحدهم حاجة الآخر من هنا كان الفرق واضحا بين البنوك التجارية أو التقليدية فهي بنوك تقتصر مهمتها كما في قوانين إنشائها على قضية الائتمان أي الوساطة بين المُقرض والمقتَرض، فهي تعطي للمقرض فائدة بالنسبة مثلا 5% أو 4% وتأخذ من المقترض فائدة 7% فهي وسيط بين المقرض والمقترض تعطي لهذا فائدة وتأخذ من هذا فائدة فهذه مهمتها الأساسية، أما البنوك أو المصارف الإسلامية فتختلف اختلافا كبيرا عن هذا الاتجاه فهي تقوم على أساس تشغيل الأموال واستثمارها وتنميتها والابتعاد بها عن كل دائرة ما يسمى بالربا أو الغرر العقود المشتملة على الجهالة والتي تُنشئ المخالفات والمنازعات فيما بين الناس، والمسلم حريص على أن يكون كسبه من حلال ومبتعدا عن الحرام فقد قامت هذه الشريعة على أساس من مبدأ الحلال والامتناع عن الحرام والمسلم حريص على أن يكون كسبه حلالا ولا يشوبه شيء من هذه المحرمات،

لكن كيف يمكن تأصيل منهج التعامل مع البنك التجاري ما الذي يجوز وما الذي لا يجوز؟
- لا نحكم بالجملة بعدم الجواز هناك أنواع من التعاملات مع البنوك نلجأ إليها كلنا، مثلا الإيداع المال بدون فائدة فتح حساب جارٍ في البنك التحويلات التي تتم من دولة إلى أخرى كل ،، كل ذلك يجوز لأن هذا قائم على أساس وكالة بأجر ثم حَوَالة وهذا جائز لا إشكال فيه وفقهاؤنا نصوا على هذا من القديم فهذه المعاملات لا إشكال فيها، أما الشيء المحرم في هذه البنوك وهو ما يسمى أخذ الفائدة أو إعطائها وهو الربا والنبي عليه الصلاة والسلام يقول: «لعن الله آكل الربا ومُوكِلَه ،، الطرفان وشاهده وكاتبه» ولكن الربا ينبغي أن يدرك الناس معناه الربا ليس معناه الزيادة في اللغة ولكن ليس أي زيادة ممنوعة في الإسلام وإنما الربا الممنوع شرعا هو في دائرة محدودة جدا وهي دائرة النقود والمطعومات، لأن النقود عصب التعامل ووسيلة تيسير تحريك الأموال في المجتمع فكل زيادة في دائرة النقود كإعطاء مائة وأخذ مائة وعشرة أو مائة ليرة ذهب وأخذ زيادة عنها هذا حرام أو المطعومات مثل البُّر أو القمح والشعير والتمر والملح والأرز والسكر وهذه المطعومات هذه أساس قوت الإنسان وقيام وجوده في هذه الحياة فإذا أضفنا إليها هذه الزيادات معناه ألحقنا ضررا بإقامة بنية الإنسان ونستغل حاجته وليس كل الناس عندهم هذه المقدرة لأن يدفعوا ما شاؤوا، فهناك عمال وهم أكثر الناس يأكلون من كسب يدهم فإذا أضفنا عليهم شيء من هذه الزيادات معناه ألحقنا به ضررا وظلما وهذا هو معنى تحريم الربا فلذلك دائرة الربا مقصورة على النقود والمطعومات فأي زيادة فيها يكون حراما والله سبحانه وتعالى يقول: «وأَحَلَّ اللَّهُ البَيْعَ وحَرَّمَ الرِّبَا»، ويقول: «وإن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رؤوس أَمْوَالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ ولا تُظْلَمُونَ»، وقال في حجة الوداع «ألا وإن أول ربا أبدأ به ربا عمي العباس» ،، وتنازل عنه والربا،

كيف يمكن للمسلم أن يتخلص من المال الحرام هل يتصدق بالفائدة الذي يأخذها من البنك التجاري؟
- طريقة التخلص من المال الحرام أن يأخذ هذا المال ويتصدق به أو يضعه في مشروع إنساني مشفى مدرسة تعبيد طريق ليتخلص من وزر هذا المال ولا ثواب له، فهذا هو طريق التخلص من الحرام فإذا دائرة الربا مقصورة على هذه الأمور، أما إذا بعت سيارة بسيارتين أو ثوب بثوبين أو ثلاجة بثلاجتين فهذا ليس حراما ليس هذا من قبيل الربا وإنما الربا مقصور على التعامل بالنقود والمطعومات لأنها أساس الحياة الاقتصادية وأساس وجود الإنسان، فأي زيادة تُلحق ضررا بالمتعاملين يجب منعها ولذلك قامت المعاملات في الإسلام على أساس التعادل في التبادل والرحمة والتعاون وبذلك شرع ما يسمي بالقرض الحسن، كما أن الربا يكون في هذه البيوع يكون أيضا في القرض فكل قرض جَرّ نفعا فهو ربا فهذه صحيح أنه لم يرد في حديث لكن معناها صحيح هذه القاعدة وثبت عن مجموعة من الصحابة أنهم نهوا عن قرض جَرَّ نفعا، فالربا يكون في عقدين في البيع وفي القرض وبعد ذلك لا يكون هناك ربا خصوصا في التبرعات لا يوجد ربا،

ما الفرق بين القرض الربوي والقرض الحسن يعني في النهاية أنا أريد أن أشتري بالأقساط أن أشتري سيارة سواء اشتريتها عن طريق البنك التجاري أو البنك الإسلامي نتيجة واحدة البنك الإسلامي سيشتريها لي ويبيعها لي بسعر أعلى؟،
- القرض الحسن هو الذي لا يُضم إليه أي زيادة فيه أقرضت عشرة آلاف يردها عشرة آلاف أما كل ما يزيد على هذا القرض فهو حرام وممنوع وهو الفائدة، وفي البنوك أيضا شيء اسمه الفائدة المركبة إذا لم يقم الإنسان بتسديد القرض وفائدته في السنة الأولى تضاف عليه فوائد جديدة يقال لها الفوائد المركبة، هذا هو الحرام، أما الفرق بين بيع المصارف الإسلامية والمصارف الربوية حينما أشتري من إنسان شيئا بالبيع بالتقسيط يجوز البيع بالتقسيط ولو بأكثر من السعر الحالي لكنه هذا مشروع لأن الله تعالى قال: «وأَحَلَّ اللَّهُ البَيْعَ وحَرَّمَ الرِّبَا» فهذا بيع يُقصد به تغطية حاجات الإنسان، أما الربا فهو استفادة بدون عمل ودون الدخول في مخاطرة واحتمال الربح والخسارة فهذا الذي لا يجوز وهو كسب بدون عمل، أما البيع فيه مخاطرة وفيه عمل وتعرض للخسارة والربح فلذلك يجوز البيع بأكثر من السعر الحالي للأجل أو بالتقسيط وهذا جائز، فالناس لا يفرقون بيقول لك هذا فيه فائدة وهذا فيه زيادة عن الثمن النقدي صحيح المعنى واحد ولكن الوسيلة والأسلوب مختلف ولذلك «أَحَلَّ اللَّهُ البَيْعَ وحَرَّمَ الرِّبَا» لأن الوسيلة هنا جائزة وأما هنا الوســــيلة تكون حراما هــذا هو الفرق،

بعض الناس يطلب من البنك أن يشتري له سلعة ثم يبيع البنك السلعة بسعر أعلى مقابل الأجل أو التقسيط ثم يذهب العميل فيبيعها بسعر أقل حتى يحصل على مقابل هذه السلعة نقدا يعني هل يجوز ذلك؟
- هذا البيع يسمى بيع التورق يعني الوصول للورق الورق هو الفضة في الماضي والآن النقود الورقية حلت محل النقديْن الثمينين وهما الذهب والفضة لا إشكال المعنى واحد، فالوصول إلى العملة أو السيولة النقدية بالتعبير الحديث هذا هو هدف هذا الشخص الذي يلجأ إلى أخذ مال أو أخذ سلعة وشراء سلعة من البنك الإسلامي ثم بيعها بأقل من الثمن الذي اشتراها به هذا التورق في أصله عند جمهور الفقهاء حلال، لكن الذي آل إليه الأمر وهو ما يسمى بالتورق المصرفي وهو أن يكون حيلة للوصول إلى الاقتراض بفائدة حتى ولو باعه وتحمل هو الضرر فالإسلام يحميه من إلحاق الضرر بنفسه ولو باعه بأقل من ثمنه يكون قد وقع في الربا، فلذلك التورق المصرفي يعد ممنوعا وأما إذا كان التورق في أصله لحاجة طارئة اشتريت سلعة ثم بعتها بأقل من ثمنها واستفدت من الثمن ثم سددت المبلغ للمُقرِض البنك أو أي شيء آخر بعد أجل فهذا لا مانع منه،

قلتم أن المصارف الإسلامية لا تتعامل إطلاقا بالربا لكن كيف تَتحدد علاقتها بالبنك المركزي في الدولة ونعرف دائما أن البنك المركزي يتعامل بالربا؟
- هذه مشكلة اصطدمت بها البنوك الإسلامية حين إنشائها ففي قوانين كل دولة إلزام لكل البنوك أن تضع جزء من أموالها قد تصل إلى نسبة الخمس في البنوك المركزية هذا شيء والشيء الآخر أيضا قد تتعامل البنوك الإسلامية مع بنوك أجنبية في أميركا وفي أوروبا وفي غير ذلك من البلاد وتُودع هذه الأموال لتتمكن يوما ما من أن تُجري تحويلاتها إلى تلك البلاد فالأمر واحد انتهت المصارف الإسلامية من هذه المشكلة وقرروا فيما بينهم أنهم يودعون هذه الأموال بدون فائدة وإذا احتاجوا يوما ما إلى شيء من الأموال يدفع البنك المركزي أو البنوك الأجنبية شيئا من هذا المال لتغطية عجز طارئ عليهم دون أن يطلبوا على ذلك فائدة فحدثت مقاصة معاملة بالمثل فلا البنك الإسلامي يدفع فائدة ولا تأخذ هذه البنوك المتعاملة مع البنوك الإسلامية لا تأخذ فائدة، فهنا أسقط الطرفان قضية الفائدة فكان العقد سليما ولا إشكال فيه وتحققت حاجة البنكين،

لكن هناك نوع من التحايل أو لنَقُل:
- لا ليس تحايلا،
هناك بعض البنوك الربوية أصبحت تفتح دائرة أو بنكا جديدا يسمى بنكا إسلاميا؟
- والله هذه نحن كل هذه النوافذ نحن نرفضها، أنا اشتغلت في البنوك الإسلامية وشرطنا على من يفتح نوافذ إسلامية أولا أن يكون المال من مصدر مباح ليس من الأموال التي تختلط فيها الأموال الربوية بغيرها هذا أول شرط، الشرط الثاني هذا خداع النافذة الإسلامية هذه في واقع الأمر هي مجرد طريقة تحايل لإقناع هؤلاء السُذج والبسطاء أنهم يعاملونهم بالطريقة الإسلامية وهم في غالب الأمر لا يطبقون هذه الأحكام الإسلامية،

تحدثتم عن وضع الأفراد ولكن ما الحكم في وضع الدول الإسلامية التي تضع مليارات الدولارات في بنوك غربية ربوية؟
- الجواب واضح وهو أن هذه الشريعة الحنيفية لا تُفرق في التعامل والعقود بين الفرد وبين الدولة وما ينطبق على الأفراد ينطبق على الدول والمؤسسات والجماعات، فالإثم يشمل الجميع فيما إذا تورطوا في إيداع هذه الأموال في البنوك والمصارف الأجنبية وهي معرضة للتجميد ثم المصادرة وكذلك إذا أخذوا فوائد عليها أيضا يلحقهم الإثم لا فرق بينه وبين أي شخص عادي،

كيف يمكن تأصيل النظرية الاقتصادية الإسلامية وما السبيل لتعميم تدريسها بجامعاتنا؟
- أنا أحيي هذا الطلب وأؤكد عليه ولذلك بادرت كثير من الجامعات الإسلامية ولله الحمد وأول ما بُدئ به بالسودان من دراسة الاقتصاد الإسلامي، ونحن دائما في كل جامعة نصر ونلح ونطلب بضرورة دراسة الاقتصاد الإسلامي وإعطاء النظرية الاقتصادية الإسلامية حقها من البحث والتأصيل والتنقيب، فأنا أضم صوتي إلى هذا لكن العبرة بهؤلاء هل ينفذون ويستمعون لنداءاتنا ورجاءاتنا أم أنهم مُعرضون عن كل ما نقول؟ هذه المشكلة مشكلة التنفيذ أما كلامك فهو سليم؟

ما هي حدود سلطة الدولة على السوق يعني السوق تخضع لرقابة السلطة لأن السلطة يفترض أن تكون في الإسلام هي دولة العقيدة لكن السلطة الآن في الدول الإسلامية لا تلتزم تماما بالمبادئ الإسلامية في المجال الاقتصادي؟
- هذا مما يحز في النفوس وهذا هو الذي يجعلنا أن نقول أن هذه الشريعة غائبة أن التطبيق في أغلب الدول الإسلامية فواجب كل دولة أن تعود إلى الاستظلال والتفيؤ بفيء هذه الشريعة والالتزام بكل ما جاء فيها وكل ما ورد فيه الوحي الإلهي فسلطة الدولة مسؤولة، ومن أول واجبات الحاكم المسلم أن يطبق أحكام الشريعة وأن يكون له رقابة على السوق وعلى الأعمال والأفراد والعقود والتحركات فالتقصير هو في الحقيقة تقصير من هذه الدول وتلك الأنظمة والمشكلة مشكلة أنهم يطبقون في غالب الأمر القوانين الوضعية ويهملون تطبيق هذه الشريعة التي لم يبقَ لها ظل من التطبيق إلا في نطاق أحكام الأسرة فقط وهذا المسؤولية فيه عليهم،

سؤال عن التعامل الإسلامي ألا يُفترض أن تكون ملكية البضاعة فعلية وليست صورية حيث نرى أن البنك لا يقوم بتمويل الصفقة إلا بعد ضمان البيع للمقترض وبذلك تكون ملكية وهمية وهنا أريد أن أطرح أيضا سؤالا عن مسألة البيع والشراء عبر الإنترنت وبيع الغرر كنت تحدثت في هذه النقطة ولكن نريد أن نفصل فيها ما هو بيع الغرر؟
- بيع الغرر هو بيع الأشياء الاحتمالية المترددة بين الوجود والعدم وبالتالي فقد نهى النبي عليه الصلاة والسلام نهى عن بيع الغرر وقال «لا تشتروا السمك في الماء فإنه غَرر» أي يحتمل اصطياده ويحتمل عدم الاصطياد وكل عقود الغرر مثل التأمين التجاري وكل العقود لبيع الأشياء قبل وجودها كبيع الثمار قبل بدو صلاحها أو بيع الأشياء قبل وجودها أو بيع الجنين في بطن أمه قبل أن يولد كل هذه من بيوع الغرر فهي ممنوعة ولا تحل في شرع الله لأنها تؤدي إلى إحداث منازعات في الوسط الإسلامي وبالتالي يقع الطرفان في خصومات شديدة لأنه لا يتمكن البائع من تسليم السلعة وهذا واجب عليه لأن من شروط البيع أن يكون الإنسان مالكا للسلعة وفي حيازته أي قبضه فلا يجوز، نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن بيع ما لم يكن موجودا عند الإنسان لا يحل سلفه ولا بيعه‚