إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خاسِرِينَ

محمد سعيد رمضان البوطي

http://www.bouti.com/ulamaa/bouti/bouti_monthly30.htmالمصدر

د. محمد سعيد رمضان البوطي – كلمة الشهر

خطبة الجمعة 20/12/1423 هـ الموافق 21/02/2003م

إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خاسِرِينَ

الحمد لله ثم الحمد لله. الحمد لله حمداً يوافي نعمه ويكافئ مزيده. يا ربَّنا لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك ولعظيم سلطانك. سبحانك لا أحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له. وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله، وصفيه وخليله. خير نبي أرسله. أرسله الله إلى العالم كله بشيراً ونذيراً. اللهم صلِّ وسلِّم وبارك على سيدنا محمد وعلى آل سيدنا محمد صلاةً وسلاماً دائمين متلازمين إلى يوم الدين. وأوصيكم أيها المسلمون ونفسي المذنبة بتقوى الله تعالى.

أما بعد: فيا عباد الله!

آيات ثلاث في كتاب الله سبحانه وتعالى تمنيت لو أن قادة المسلمين وقفوا عندها بشيء من التدبر، إذن لنفضوا عن كواهلهم ركام هذا الذل الذي ارتضوه لأنفسهم.

يقول الله سبحانه: {يا أَيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خاسِرِينَ، بَلِ اللَّهُ مَوْلاكُمْ وَهُوَ خَيْرُ النّاصِرِينَ، سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِما أَشْرَكُوا بِاللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطاناً وَمَأْواهُمُ النّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظّالِمِينَ} [آل ‌عمران: 3/149-151].

آيات ثلاث وكأنها مهجورة من عالمنا الإسلامي، ضُرب بيننا وبينها بسور غليظ، نسينا الكلام، ونسينا صاحبه، ونسينا منزِّل هذا البيان الذي يحمل في طيِّه الضمانة التي لا ريب فيها بأن هذه الأمة منصورة دائماً ما رعت العهد وما التزمت بالوعد. اسمعوا بيان الله: {يا أَيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خاسِرِينَ} [آل ‌عمران: 3/149]، قوة الكافرين لا تكمن في عتاد يتمتعون به؛ وإنما تكمن في طاعتنا لهم: {إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقابِكُمْ}. عندما يطيع المسلمون - لاسيما قادة المسلمين - أعداء الله سبحانه وتعالى ينغضون الرأس لهم، يطأطئون لتهديداتهم ولما يريدونه ويبتغونه منهم، فإن قوة أعداء الله عز وجل تنبع من طاعة المسلمين لهم؛ ولا تنبع من قدرات خاصة أو عدد أو عتاد يتمتع به أعداء الله تعالى {إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقابِكُمْ}.

شاء الكثير - ولا أقول الكل - من قادة المسلمين أن ينغضوا الرأس وأن يركبوا مطية الذّل وأن يستسلموا لعدوان المعتدين ولتهديدات أعداء الدين، شاء أحدهم أن يقول: وأنى لنا بالوقوف في وجه أمريكا وطغيانها. وأعلنوا الطاعة فماذا كانت النتيجة؟ كانت النتيجة هذا الذي يقوله الله عز وجل: {يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خاسِرِينَ}.

ما الذي يجري اليوم أيها الإخوة؟ إن الذي يجري في الخفاء الذي كاد أن يصبح علناً، شيء لا تتخيله الأذهان، ولا تهضمه العقول، ولم نرَ مثله أيام التيار الاستعماري الجارف لكثير من البلاد العربية والإسلامية؛ منذ أيام فرغت وزارة الخارجية الأمريكية من وضع خطة تهدف إلى إخضاع التربية الإسلامية في البلاد العربية للسياسة الأمريكية؛ التي تهدف بدورها إلى تنفيذ رغائب الصهيونية العالمية.

هذه الخطة تنص على ضرورة تطوير المبادئ الاعتقادية، وتشذيب الكثير والكثير منها، تنص على ضرورة تغيير المبادئ الإسلامية السلوكية.

تنص على ضرورة تغيير المبادئ الإسلامية السلوكية، تنص فيما تنص عليه على ضرورة إلغاء مقرر التربية الدينية للطلاب بدءاً من الابتدائي فالإعدادي فالثانوي، والاستغناء عنها بلقاءات يتم الحديث فيها عن الأخلاق الإنسانية والاجتماعية.

تهدف هذه الخطة فيما تهدف إليه إلى تحويل الدين الإسلامي إلى جملة مبادئ تشكل الجامعة المشتركة بين الإسلام والمسيحية واليهودية.

الجهاد الذي ينص عليه بيان الله عز وجل في محكم تبيانه ينبغي أن يلغى وينبغي أن يُجْتَثَّ، وما ينبغي أن يدور الحديث عن الجهاد لا في كلام مدرس يلقي درسه في مدرسة، ولا في لسان خطيب يلقي خطبته في المسجد الجامع على الأمة.

تهدف هذه الخطة فيما تهدف إليه إلى ترويج المصارف الربوية وقطع الروافد التي تنعش المصارف الإسلامية.

تهدف هذه الخطة فيما تهدف إليه إلى إلغاء كل كلمة تسيء إلى اليهودية أو تشير إلى أنها قد اقتنصت حقوقاً أو ظلمت أمة أو استلبت أرضاً أو بلاداً.

والآن كيف تنفذ هذه الخطة؟ عن طريق لجنة ثلاثية تُشَكَّل من طائفة من رجال الأزهر وطائفة من رجال الفاتيكان وطائفة من اليهود.

ولا تخفي الإدارة الأمريكية، بل الخطة الأمريكية؛ لا تخفي رضاها عن إدارة الأزهر في هذه الأيام. أجل، هذه الخطة التي ستُكَلَّف هذه اللجنة الثلاثية بترويجها ثم بتنفيذها ثم بحمل العالم العربي والإسلامي على تطبيقها وعلى حصر مهام الخطباء، والخطباء خاصة، ضمن هذا المنهج وضمن هذه الخطة المرسومة، هذا المنهج ينبغي أن تُحمل عليه الأمة الإسلامية حملاً، وينبغي أن يعاقَب كل من يَنِدّ أو يبتعد عن تطبيقها.

ما موقف العالم العربي والإسلامي من ذلك؟

لعلكم اطلعتم على جانب من هذا؛ ففي الأمس القريب أعلن شيخ الأزهر أن الرِّبا الذي كان إلى اليوم محرماً لم يعد بعد اليوم محرماً. أعلن ضرورة الترويج للمصارف الربوية ومن ثَم فلم تعد حاجة بعد اليوم إلى المصارف الإسلامية.

لعلكم عرفتم الآن تفسير هذا الإعلان؛ إنه أول خطوة من الخطوات التنفيذية لهذه الخطة التي فرغت الخارجية الأمريكية بالأمس من وضعها. وهذا هو السر في رضا الخارجية الأمريكية عن الأزهر وإدارة الأزهر.

عودوا إلى قول الله سبحانه: {يا أَيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خاسِرِينَ} أتلاحظون مصداق كلام الله {يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقابِكُمْ}؟ هذا هو الرد الذي يجري اليوم. بأي قوة تَمَّت؟ لا والله لم يتم ذلك ولن يتم بقوة العتاد الأمريكي أبداً، وإنما تم ذلك بطاعة المسلمين لما تريده تلك الطُّغْمة. طاعة المسلمين هي مَعِين القوة لأعداء المسلمين، هذا بيان الله سبحانه وتعالى.

تُرى ما الموقف الذي سيتخذه المسلمون بعد هذا الذي تمَّ؟ أن تضع أمريكا أنفها في الأمور الداخلية في أخص ما يتعلق بأمر المسلمين؛ عقائدهم، مبادئهم، شرائعهم. هذا تم هذا أيام الاستعمار الفرنسي في سورية؟ هل تم هذا أيام الاستعمار البريطاني في مصر؟ هل تم هذا في عهد من العهود الغابرة في هذا العصر؟ أين هي الديمقراطية؟ أين هي الحرية التي تريدنا أمريكا عليها عندما تهدد الخطباء الذين لا يلتزمون بهذه الخطة بالعقاب والنكال؟ أجل.

تُرى ما الموقف الذي سيتخذه قادة المسلمين؟ أسأل الله عز وجل أن يجعل من هذا المنعطف الخطير والخطير الذي نمر به سبب يقظة المسلمين ولقادة المسلمين.

العالم الإسلامي ليس محصوراً في أزهره. وإذا كان الأزهر بالأمس متألقاً بحراسة الإسلام وله أيامه البطولية الناصعة، وشاء القدر الإلهي أو شاء الله سبحانه وتعالى بأقداره الربانية أن يغيب ذلك اليوم وأن نجد أنفسنا أمام أزهر قد مُسِخ، فإن العالم الإسلامي ليس محصوراً في الأزهر، والعالم الإسلامي أقدس وأَجَلُّ وأبقى من أن يكون مقياسه متمثلاً في الأزهر الذي يُخْضِعه حاكم مصر لما يشاء.

نعم. الأمل بالمسلمين في عامة العالم الإسلامي، الأمل في البلاد العربية الإسلامية الأخرى. وأنا أَعُدّ أيها الإخوة ولا أبالغ أن سورية كانت ولا تزال بحمد الله مثال الوعي الإسلامي، مثال الانضباط الحق بحقائق الإسلام. قد نخطئ، قد تزل بنا القدم لكننا لا نغطي زلاتنا بالكذب على الله، لا نغطي أخطاءنا بتبريرها والتلاعب بدين الله سبحانه وتعالى. هذه مزية عُرِفنا بها. نعم. قد يوجد بيننا من يصفق ومن يؤيد هذه الخطة وربما سمعتم من يؤيد وهو بحمد الله قليل وربما كان واحداً فقط. ربما رأيتم من يؤيد فعلاً تجفيف الروافد التي تنعش المصارف الإسلامية التي تغزو بحمد الله أوروبة اليوم، ويحاول أن يبرر هذه المصارف الربوية ويعلن أنها لم تَعُد من الربا في شيء. ولكن التيار الرباني هو الغالب. ولكن العصمة الإلهية هي الغالبة أيها الإخوة.

عودوا إلى بيان الله عز وجل، عودوا إلى الآية الثانية التي يطمئننا الله عز وجل فيها ويؤنسنا بأنه قريب منا، لن يتخلى عنا: {بَلِ اللَّهُ مَوْلاكُمْ وَهُوَ خَيْرُ النّاصِرِينَ} [آل ‌عمران: 3/150]. اطمئنوا {بَلِ اللَّهُ مَوْلاكُمْ وَهُوَ خَيْرُ النّاصِرِينَ} . ليت أن المسلمين وفي مقدمتهم قادة المسلمين يقفون أمام هذا الكلام وينتعشون بالقوة التي تفد من الله عز وجل إلى المسلمين عبر قناة هذه الآية {بَلِ اللَّهُ مَوْلاكُمْ وَهُوَ خَيْرُ النّاصِرِينَ} لكن إن أطعتم الله بدلاً من إطاعة أعداء الله عز وجل، إن مددتم يد البيعة مجدداً إلى الله سبحانه وتعالى. افعلوها وانظروا {بَلِ اللَّهُ مَوْلاكُمْ وَهُوَ خَيْرُ النّاصِرِينَ}. عندما يدرك قادة المسلمين هذا المعنى الأغر، عندما يتذوق قادة المسلمين القوة الكامنة في هذه الكلمة {بَلِ اللَّهُ مَوْلاكُمْ وَهُوَ خَيْرُ النّاصِرِينَ} لن يقول قائلهم مستخذياً ذليلاً مَهِيناً مُسْتَعْبَداً: أنى لي بمحاربة القوى الأمريكية، لن يقول ذلك.

انظروا إلى كلام الله بعد ذلك: {سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِما أَشْرَكُوا بِاللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطاناً وَمَأْواهُمُ النّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظّالِمِينَ} [آل ‌عمران: 3/151].

لكن في سبيل من سيلقي الله الرعب في قلوب الكافرين؟ في سبيل مَن أيها الإخوة؟ في سبيل عباده الذين يستنصرون به، الذين يستنزلون النصر من عليائه، في سبيل أولئك - وليكونوا قلة - الذين صدقوا الله ما عاهدوه عليه، والتزموا أوامره جُهد استطاعتهم واعتزوا بالله عز وجل بدلاً من أن يَذِلوا ويهونوا لسلطان أعداء الله سبحانه وتعالى. في سبيل هؤلاء يلقي الله عز وجل الرعب في قلوب أعدائهم، فإن غاب هؤلاء وإن نظرت يميناً وشمالاً فلم تجد إلا من يطأطئ الرأس ويُنْغِض الرأس لتهديدات أعداء الله عز وجل الذين أعلنوا الحرب على دين الله، في سبيل مَن سيلقي الباري عز وجل الرعب في قلوب الكافرين؟

أيها الإخوة:

الأمل بالله عز وجل لا ينقطع، والمؤمن لا ييأس من رَوح الله قط، وأنا أتأمل من كرم الله وجوده أن يكون هذا المنعطف الخطير الذي يمر به عالمنا الإسلامي منعطف إيقاظ لا منعطف إهلاك وتدمير لهذه الأمة. آمُل أن تكون هذه السياط التي تتهاوى على ظهور الأمة الإسلامية سياط تربية لا سياط إهلاك. والله عز وجل يقول في حديثه القدسي: ((أنا عند ظن عبدي بي)) ونحن والله ما نظن بمولانا إلا خيراً، أجل. وأنا أسأل الله عز وجل أن لا يجعلنا من أولئك الذين أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم عنهم قائلاً: ((ستتبعون سَنَن من قبلكم شبراً بشبر وذراعاً بذراع حتى لو دخل أحدهم جُحر ضب لدخلتمونه)) وفي رواية: ((لو أن أحدهم جامع أمه في الطريق لفعلتموه)). أسأل الله أن لا يجعلنا في هذا العصر من هؤلاء الذي أخبر عنهم رسول الله صلى الله عليه وسلم.

خلاصة الكلمة التي أقولها وليت أنها تبلغ آذان المسلمين جميعاً وفي مقدمتهم قادة المسلمين. أريد أن أقول:

إن كنتم حقاً تحبون العزة وتحبون النصر، وإن كنتم حقاً تشمئزون من العبودية لغير الله وتشمئزون من الذّل؛ فها هو ذا باب النصر مفتوح أمامكم، ها هو ذا مفاتيح النصرة ملقاة بين يديكم. استعملوا المفاتيح وادخلوا بوابة النصر. هكذا يقول الله عز وجل، لا تطيعوا الكافرين وأطيعوا الله. أجمعوا أمركم على أن تكونوا صفاً واحداً تتجهون إلى تنفيذ أوامر الله، إلى تنفيذ ما قد شرع الله عز وجل، إلى التحقق بوصايا الله سبحانه وتعالى وستجدون أن مَعِين القوة قد آل إليكم، وأن الله عز وجل قد بثَّ الرعب في قلوب أعداء الله عز وجل وأعدائكم. أما إن كنتم قد بعتم العزة بالذل، وآثرتم المهانة على الكرامة، فذلك شأنكم وقبور المهانة مفتحة لمن يريد أن يدفن نفسه بها.

أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم.