إصلاح النفوس والعقول قبل إصلاح البنوك

رفيق يونس المصري

إصلاح النفوس والعقول قبل إصلاح البنوك

 

يرى بعض الإخوة المعلّقين في المجموعة أن حوارنا في المجموعة مفيد ولكنه لن يجدي شيئًا، وهذا يعني أنه مفيد ولكنه غير مفيد! والحقيقة أني أرجو له أن يكون مفيدًا، لأنه لا بد  أن نتعلم أولاً الصفات الإسلامية للباحث، مثل الصدق والعمق والأمانة والدقة والإنصاف والعدالة. فمن لا تتوافر له هذه الصفات لا يصلح أن يكون باحثًا ولا ناقدًا ولا مناظرًا، ولو فعل شيئًا من ذلك فقد لا يؤبه لقوله أبدًا، فضلاً عن أن تصلح آراؤه وكتاباته للتدريس أو التدريب!

 

جدلنا في المصارف الإسلامية وهيئاتها الشرعية لا يعني أننا ننكر بعض المزايا لها مثل : الحرص على عدم تمويل الأنشطة المحرمة والمكروهة، كما لا ننكر بعض المزايا لأعضاء الهيئات الشرعية، وأنهم متفاوتون في العلم والجدية والرصانة وسائر الصفات التي ذكرناها أعلاه. ومنهم حيتان كبار ومنهم سمك صغير. ومسؤولية الكبار أكبر من مسؤولية الصغار. ولا يمكن أن ننكر أهمية بعض الدراسات والفتاوى من هذا الباحث أو من هذا العالم أو ذاك، من هذا المجمع أو ذاك. ولا ننكر أننا قطعنا شوطًا في مجال الاقتصاد الإسلامي عمومًا، لاسيما من حيث جمع التراث ومعالجة بعض المسائل والقضايا التي لم يسبق معالجتها سابقًا على هذا الشكل ( انظر مقالتي : الاقتصاد الإسلامي : ماذا أضاف؟ وقد كتبتها في وجه من أراد إقفال الاقتصاد الإسلامي نهائيًا ).

 

إنما الخلاف في مسائل كلية محددة، سبق ذكر بعضها كالتي تتعلق بالهيئات من حيث تعدد العضوية ومن حيث حجم المكافآت بالنسبة للبعض على الأقل، بل ربما من حيث ضرورة بقاء هذه الهيئات أو الاستغناء عنها. كل هذا بحاجة إلى دراسة حرّة من الطرفين، لا يقف في وجهها أي تعصب للمنافع الشخصية والمزايا المادية والمناصب الشرعية.

 

فالبنك من ناحية الفلسفة الأصلية الكلية هو مؤسسة رأسمالية إذا كانت خاصة، واشتراكية إذا كانت عامة ( مؤسسة عامة ). ومن ثم فهي مؤسسة جديدة بحاجة إلى دراسة إسلامية نزيهة وصادقة، بعيدة عن التسييس وسائر الآفات التي قد تعتري البحث العلمي الصحيح.

 

البنك مؤسسة رأسمالية لا يسهل على الإسلام هضمها، فقد وجدت تاريخيًا بعد استباحة الفائدة في الغرب، وقامت على أساس الفائدة، كما قامت على أساس الفصل بين البيع والتمويل. فإما أن نغض النظر عنها مؤقتًا ما دام النظام الرأسمالي يسيطر على العالم. وإما أن نقبلها كما هي بدون لف ولا دوران. لا يمكن للبنك أن يعمل تاجر سلع. البنك وسيط مالي، وليس في تراثنا الفقهي ما يساعد على تسويغه شرعًا، لأن التمويل عندنا في الفقه الإسلامي متصل بالبيع ( البيع الآجل ) وغير منفصل عنه. ونحن نباهي الغرب الرأسمالي بذلك، فلا أدري كيف نتناقض أحيانًا ونريد أن نجعل من البنك أداة لفصل التمويل عن البيع، ولو بالتكلف، بتكلف الكثير من الحيل التي تحتاج إلى فحص دقيق ومستمر : هل هي من الحيل المقبولة أم هي حيل غير مقبولة؟ وهل تتفق هذه الحيل مع المقصد الأساسي العام والمقاصد الفرعية أم لا تتفق؟

 

البنك بصراحة تامة لا التواء فيها إما أن نقبله كما هو وسيطًا ماليًا يعمل بالفائدة، وإما أن نرقّع فيه ونعدّل ونهمّش ونجزّئ وتكون النتيجة بنكًا لا يختلف عن البنك التقليدي إلا في الأشكال والأسماء وتكلّف بعض الحركات والأوراق.

 

هذه هي المعضلة! إما أن نعترف بها أو نراوغ ونلف وندور ونلبّس على الناس والدارسين. الخلاف الحقيقي هو في الصدق أو عدمه! ليست كل العقول بقادرة، حتى لو أرادت، على الخوض في هذه الفلسفة الكلية. فهناك تلامذة عقولهم مشوشة لاسيما إذا درسوا وتعلموا على أيدي العلماء الذين عرفوا بالتدليس والتلبيس، وهناك أساتذة ولكن يصعب عليهم الاعتراف. إننا بحاجة إلى علماء من ذوي النزاهة يقولون الصدق ولا يخشون في الله لومة لائم، ولا خسارة منصب ولا فقدان مال. قل آمنت بالله ثم استقم، والله تعالى هو المتكفل برزق عباده. ومن جرّب عرف، ومن خاف خاب.

 

جدة في 14/12/1431هـ

         20/11/2010م

                                                                   رفيق يونس المصري