أخلاقيات العمل المصرفي الإسلامي

خولة فريز النوباني

أخلاقيات العمل المصرفي الإسلامي.. خولة فريز النوباني

  ترتبط الأخلاق بارتباط وثيق في جميع أمورنا الحياتية، وكأمة مسلمة كانت الأخلاق أول ما يميزها، حيث أن تفعيل الأخلاق في الحياة المعاشة إنعكس إيجابا على جميع الأمور الحياتية، ولا شك أن كل ما يرتبط بالمسلم لا ينفك عن المرجعية الأخلاقية هذا إن شئت أن تكون مسلما حقيقيا لا مسلم هوية مسطرة بأحرف جوفاء تخلو من المعنى الذي يعكس إدراكا حقيقيا لأهمية الأخلاق.

وبما أن مفهوم خلافة الإنسان لله على الأرض يرتبط بتعمير الأرض، وإعمار الأرض لا يتأتى إلا عن طريق العمل، والعمل بمفهومه الواسع يرتبط بحركة الإنسان وأدائه فإن من أهم ما ميز المسلمون الأوائل هو إدراكهم لأهمية هذا الجانب وقدرتهم على تفعيل الأخلاق والأداء الإسلامي في أي عمل يقومون فيه سواء أكان على الصعيد السياسي أو الإجتماعي أو الإقتصادي، ونعلم جميعا أثر هذا التعامل في نشر الإسلام وإقبال الناس على الدخول فيه.

وما نحن بصدد الحديث عنه هو أخلاقيات العمل المصرفي الإسلامي وذلك  لما لهذا القطاع من دور في التعريف بالمفاهيم المالية الإسلامية وصولا بها إلى التفاعل الواقعي مع المجتمعات وذلك بحد ذاته هدف دعوي نحن بحاجة لإضاءة تسلط عليه من أجل إبراز حقيقة العدالة التي تتعطش لها المجتمعات سواء أكانت غربية أم إسلامية.

وما نلاحظه عند بعض العاملين في هذه المؤسسات الهامة هو استتار العامل الأخلاقي والمهني بالرغم من أنه الركيزة الأولى التي بعث بها النبي صلى الله عليه وسلم وذلك ما يؤكده الحديث الشريف " إنكم لن تسعوا الناس بأموالكم ، ولكن يسعهم منكم بسط الوجه وحسن الخلق".

وعدم إدراك أثر هذا التعامل على إقبال الجمهور على التعامل مع المصارف الإسلامية أو أي أمر له علاقة بالدين ينم عن إغفال لجانب عظيم الأهمية في أثر انعكاس الصورة المشرقة للإسلام والتي آن الأوان لأن يجند كل مسلم نفسه لتمثلها حق التمثيل وبإخلاص في كل شأن من شؤون حياته وتزداد الحاجة إلى تمرين النفس على التعامل الصحيح إن كان المسلم في موقع يحتم عليه التعامل مع الجمهور.

وقد ابتدع الغرب أسلوب القسم قبل ممارسة بعض المهن تذكيرا بأهمية الإلتزام الأخلاقي في إكتمال الصورة عن مهنة معينة ونحن نجدد الإلتزام في كل يوم خمس مرات إلا أننا لا نلمس الأثر الفعلي في العموم عند التعامل مع الآخرين، وفي العمل المصرفي الإسلامي تتجلى بعض هذه التصرفات السلبية مما يثير نفورا عند البعض ويخرج ليحدث الناس بها ويساهم في نشر الصورة السلبية عن كل تعامل إسلامي على وجه العموم، ونحن لا ننكر أن هذه الصورة السلبية لا تعمم ولكنها موجودة في كثير من الأماكن التي حملت في مسماها كلمة الإسلام صراحة او ضمنا ، مما يرتب عليها عبئا أكبر في التمثل الحقيقي بالإسلام ويضعها تحت دائرة النقد بل أحيانا يضعها في مواجهة من يبحث عن النقد لأجل النقد فقط وبعيدا عن الموضوعية .

وإضافة إلى أن مهنة المحاسبة والمالية المصرفية محكومة بضوابط أخلاقية خاصة في المهنة وبما يحتم على الملتزم فيها أن يظهر بمظهر يعكس الإلتزام المهني إلا أن ذلك يتعزز عند إضافة المسمى الإسلامي للمؤسسات المالية بما يلزم العاملين فيها بمعايير وضوابط أخلاقية مستمدة من الشريعة الإسلامية الغراء والتي تنبع من منطلق الرقابة الذاتية ومحاسبة النفس.

وقد وضعت هيئة المحاسبة والمراجعة للمؤسسات المالية الإسلامية ميثاقا لأخلاقيات العاملين في هذه المؤسسات وأشارت إلى البعد الديني بالإضافة إلى القيم المستمدة من حصيلة التجربة الإنسانية كإطار يحكم التعامل المالي الإسلامي حيث ورد في مصدر الميثاق "وبما أن العمل المصرفي الإسلامي مهنة تتأثر بقيم المجتمع وأخلاقياته فإن التأثير ينبغي أن يكون لقيم المجتمع الإسلامي وأخلاقياته وأن يظهر ذلك في التكوين الشخصي، والتأهيل الفني، والمزاولة المهنية للعاملين في المؤسسة". ومن مبدا الواقعية في الحكم على مثل هذه الحالات والتي نجدها متداولة في أحاديث بعض العامة الذين قد يصطدموا بموظف ينوء بأعباء مالية وأخرى نفسية قد لا تؤهله لإتقان العمل وإبرازه بالصورة التي من الواجب أن يكون عليها، فيكون الضحية في هذه الحالة هو العميل، ونذكر هنا بما للحوافز، والمتابعة، والعقوبات من أثر في تعزيز الموظف وإعانته على الإلتزام بأخلاقيات المهنة.

إن الإهتمام بالتركيز على إلزامية ارتباط الأخلاق بالعمل عبر أداء الموظفين في المصارف الإسلامية وكل عمل إسلامي، يساهم في تمثيل صورة إيجابية وواقعية في الأداء الإسلامي ويساهم في زيادة الإقبال على التعامل مع المؤسسات الإسلامية، وذلك يعد واجبا دينيا دعويا مهنيا يستحق المجاهدة، وعلى المؤسسات الإسلامية أن لا تقبل بمستوى أقل من ذلك .

 ومن الواجب أن تهتم المؤسسات المالية الإسلامية ممثلة بإداراتها بهذا الجانب سواء بالمراقبة أو بإفساح المجال لسماع الشكوى ووضع آليات للحد من أي سلبية عبر نشر هذا الفكر عن طريق تدريب الموظفين ورسم خطوط واضحة لهم تساهم في دوام تذكيرهم بأخلاقيات العمل الإسلامي سواء عن طريق ورشات عمل أو لوحات يكتب عليها شعار يذكر بقيم أصيلة في الدين من مثل الأمانة والإخلاص والتقوى ومراقبة النفس ..... أو غير ذلك وصولا إلى مؤسسات مالية إسلامية تعد النموذج والقدوة في التعريف بهذا النظام الإقتصادي المتكامل والذي ينشده الإسلام عبر تعاليمه السمحة