"وثيقة العمل" أجندة عمل هيئة التحكيم

د. عبد القادر ورسمه غالب

منذ بداية العمل في بداية القرن الماضي في محكمة التحكيم في غرفة التجارة الدولية، ظلت محكمة التحكيم تعكف وتحرص عند بداية كل تحكيم، علي وضع «وثيقة العمل أجندة عمل هيئة التحكيم» في إطار عام يتم عرضه علي الأطراف المحتكمة للاتفاق عليه باعتماده أو اضافة أو حذف فقرات منه وفي النهاية يتم التوقيع علي الصيغة النهائية لبرنامج وثيقة العمل أو أجندة عمل هيئة التحكيم المتفق عليها. و هذا الوضع يشبه تماما ما يعرف بوضع نقاط النزاع أمام المحكمة المدنية قبل السير في اجراءات الدعوي. وتناول وتحديد وثيقة أجندة العمل «تيرمز أوف رفرنس» يعتبر من أهم المميزات التي يتميز بها عمل محكمة التحكيم التابعة لغرفة التجارة الدولية، وهو طبعاً يلعب دوراً في تسهيل العملية لهيئة التحكيم وللأطراف وكذلك لبقية الجهات خاصة عندما يتم الطعن بالنقض لعدم تغطية جميع النقاط المتنازع عليها أو لعدم قيام الهيئة بمهمتها..

كان يتوجب علي «هيئة التحكيم» وضع وثيقة أجندة العمل في البداية وكحد أقصي قبل البدء في إجراءات السماع. وكان علي هيئة التحكيم رفع وثيقة العمل لمحكمة التحكيم للحصول علي موافقتها، ولكن حرصا علي كسب الوقت تم صرف النظر عن الحصول المسبق علي موافقة محكمة التحكيم بل يكتفي بما قامت به «هيئة التحكيم» بنفسها، وفي حالات كثيرة يتم أو تم أخذ « وثيقة أجندة العمل» التي وقعها الأطراف كأنها الوثيقة الأساسية لاتفاقهم علي التحكيم.

و بالرغم من أن البعض يعتبرون أن إعداد «وثيقة أجندة العمل» قد يستغرق وقتا محسوبا علي التحكيم الا ان وضعها في بداية إجراءات التحكيم تبين له فوائد عديدة من أهمها اتفاق الأطراف المحتكمة وهيئة التحكيم علي هيكل النزاع والتفاصيل الأساسية المرتبطة به، وكذلك يمحنهم الفرصة لوضع بعض الأمور الإجرائية مثل اختيار القانون الواجب التطبيق وكيفية تعيين أو إعادة تعيين هيئة التحكيم ومكان التحكيم…. وغيره.

من الفوائد أيضا، أن كل طرف يضع طلباته ويعرف حدودها وكذلك الطلبات المقابلة وحدودها، والوصول لهذه المرحلة لا يتم إلا بعد النقاش واستعراض التفاصيل وفلترة الطلبات لتحديد ما هو مطلوب فعلا وما هو معترض عليه فعلا. وتحديد كل هذه التفاصيل يسهل الأمر أمام هيئة التحكيم التي عليها تناول هذه التفاصيل ووضع رأيها حيال كل نقطة في قرارها النهائي.

وفق نظام تحكيم غرفة التجارة الدولية، فعلي «هيئة التحكيم» وبمجرد استلامها لملف التحكيم من سكرتارية الغرفة القيام بالاطلاع على التفاصيل الضرورية والمستندات المرفقة بغرض وضع الـ «تيرمز أوف رفرنس» وثيقة أجندة العمل في مستند واحد لعرضه على أطراف النزاع، وهذه الوثيقة تتضمن العديد من النقاط منها مثلا، أسماء وصفات الأطراف المحتكمة، عناوين الأطراف التي يتم مخاطبتهم عبرها لأغراض التحكيم، موجز لطلبات الدعوي وما يطلبه المحتكم من الهيئة والمبالغ المطلوبة وكذلك موجز للطلبات المقابلة والدفاع وإذا هناك طلبات مقابلة وقيمتها، تفصيل نقاط النزاع بين الأطراف المحتكمة، أسماء وعناوين أعضاء هيئة التحكيم، مكان التحكيم، تفاصيل عن القانون الواجب التطبيق علي النزاع والإجراءات اللازم اتباعها، وربما بعض التفاصيل المتعلقة بسلطات هيئة التحكيم وهل يجوز لها مثلا اتخاذ إجراءات للصلح من عدمه أو أي تفاصيل أخري متعلقة باختصاص هيئة التحكيم أو المحكم .

كانت «وثيقة العمل» لا تتناول تفاصيل كثيرة بل تعطي وصفا عاما عن الأطراف وهيئة التحكيم ولكن بموجب التعديلات الأخيرة لنظام تحكيم غرفة التجارة الدولية أصبح إلزامياً الإشارة لبعض النقاط في هذه المرحلة ومن أهمها وضع موجز لطلبات أطراف النزاع «الادعاء والدفاع»، وضع قائمة تتضمن نقاط النزاع بين الأطراف (هذه نقطة هامة جدا لدي محاكم القانون العام الانجليزي ولا بد من اتباعها في القضايا المدنية والاتفاق عليها بين الأطراف والمحكمة قبل بدء السماع، ودائما في هذه المرحلة تظهر مقدرات وملكات القاضي في تمكنه من صياغة نقاط النزاع بصورة واضحة وكاملة)، تفاصيل القانون أو القوانين الواجبة الاتباع علي النزاع والإجراءات القانونية المرتبطة بها وربما تتم إضافة الفقرات الخاصة بشروط التحكيم ...

هذه النقاط الآن يجب أن يتم وضعها في «التيرمز أوف رفرنس» والا أصبحت خاوية ومخالفة للنظام.

و كلما كانت «الوثيقة الأجندة» واضحة ومحددة المعالم فإنها تعتبر «خارطة طريق» و«منارة» لهيئة التحكيم وكذلك لكل أطراف النزاع لأنها تبين المسالك والطرق التي سيتم سلكها وارتيادها وكيفية تحقيق ذلك، واذا عرفنا الطريق فان الوصول لنهايته قد تكون من الأمور السهلة. ولذا فان هذه المرحلة هامة جدا لنجاح التحكيم والوصول لنهاياته في وقت سريع وبطريقة مقبولة.

ان استيعاب ال «تيرمز أوف رفرنس» يعتبر أهم نقطة لاستيعاب قضية التحكيم وكل ما يرتبط بها وما لكل طرف في التحكيم وما عليه؟ ودور المحكم أو هيئة التحكيم كبير وأساسي في وضع هذه الشروط وشرحها للأطراف بصورة كافية ونافية للجهالة، وكذلك علي أطراف الدعوي اقتناص هذه المرحلة لوضع وعكس قضيتهم بصورة واضحة وكاملة من دون نقص أو زيادة مع عرض وجهة النظر بصورة تمكن الأطراف الأخرى من استيعاب القضية وما يترتب عليها من طلبات وحقوق خاصة وأنهم قد يعترفون لك ببعض الطلبات ويقرون بها لصالحك.

أذكر في احدي القضايا، وأثناء نقاش هذه التفاصيل لوضع «وثيقة أجندة العمل» لتوضيح قضية كل طرف، أن المحتكم ضده «رئيس الشركة « وقف أمام الهيئة وقال أنه لا يعلم بهذه التفاصيل ولم يتم عرضها عليه في أي مرحلة سابقة وقال أنه بدأ في اكتشاف بعض التفاصيل الآن وأن الكثير كان غائبا عنه وطلب منحه فرصة ليوم واحد لمراجعة المختصين التنفيذيين بالشركة لمعرفة التفاصيل ودراستها للتعقيب عليها

المفاجأة أنه أتي في اليوم التالي وأقر بأحقية مطالبات الطرف في دعواه وقال أنه كان لا يعلم الحقيقة إلا بعد طرحها أمام هيئة التحكيم حيث علم بحقيقة الأمور…. وهكذا، لهذه المرحلة أهمية خاصة لأن كل طرف سيعرف الحقيقة التي سيسر التحكيم نحو البحث عن تفاصيلها...