من أحكام مركز التحكيم والوساطة لمنظمة الوايبو

د. عبد القادر ورسمه غالب

 تم انشاء منظمة الملكية الفكرية العالمية (الوايبو) للعناية بالأمور الخاصة بالفكر وإنتاج العقل وحماية ما يتعلق بهذه الأمور لتعود بالنفع المادي والمعنوي لصالح أصحابها. وفي هذا المنحى قامت الوايبو بإنشاء مركزا خاصا للتحكيم والوساطة للنظر في تسوية المنازعات التي قد تحدث، ولقد قام هذا المركز بالنظر في عدة قضايا وأصدر بعض الأحكام المهمة التي تعزز من حماية الملكية الفكرية وتؤصل لمشروعيتها.

من ضمن الأحكام الصادرة أخيرا، من هذا المركز، ما يتعلق بحماية العلامات التجارية وأسماء النطاق (دومين نيم) والويب سايت، الخاصة بالمجلات الكبيرة والمشهورة مثل التايم وفوربس.

ولقد اعترضت هذه المجلات على قيام البعض بتسجيل ما يشكل انتهاكا لخصوصية تتعلق بملكيتهم وبأسماء النطاق والمواقع الإلكترونية الخاصة بهم منذ وقت طويل والمعروفة لدي الجمهور.

ولقد شكلت هذه القضايا سانحة أمام «مركز الوايبو للتحكيم والوساطة» ليقرر فيها بعدم جواز انتهاك حقوق الملكية الفكرية، أو القيام بتسجيلها أو تسجيل ما يشكل أي نوع من الخلط في ذهن الجمهور المعني حول الملكية الفكرية المسجلة من قبل وكافة الحقوق المرتبطة بها.

قامت هيئة التحكيم الوايبو بوضع «معيار» هام يتمثل في ثلاثة نقاط محورية للإجابة عليها من أجل الوصول للقرار في مثل هذه المنازعات، وهي أن يكون اسم النطاق والويب سايت (أو العلامة التجارية) الذي قام المدعي عليه بتسجيله مطابق وشبيه أو يقود للاعتقاد بانه نفس الاسم الذي يملكه المدعي من قبل وسبق أن قام بتسجيله؟ وأن المدعي عليه لا يملك حقوقا أو أي مصلحة مشروعة بالقانون في اسم النطاق المتنازع عليه؟ وأن المدعى عليه قام بتسجيل اسم النطاق المتنازع عليه وقام أو سيقوم باستخدامه بسوء نية ولتحقيق غرض غير مشروع بالقانون.

واذا كانت محصلة الاجابة على هذه النقاط بالإيجاب، فيجب وقف المدعى عليه وحرمانه من انتهاك حقوق الآخرين لأن القانون يحميها، والوايبو أنشئت خصيصا لتحميها.

وبصفة عامة نستطيع القول، إن القرارات النهائية الصادر من هيئة التحكيم في دعاوى التايم وفوربس تعتبر «سابقة» هامة للوقوف في وجه مثل هذه المنازعات والتي أصبحت تتكرر كثيرا جدا بدم بارد ووجه جامد، وتسبب انتهاكا صارخا للحقوق الثابتة والمسجلة وفق القانون وبما يضمن كل الحقوق لصاحب الحق.

وفي هذه الحماية، الشاملة لكل حقوق الملكية الفكرية، توفير للثقة ومنح الأمان للعقول الثاقبة لبذل الجهد وخلق المزيد من الإبداع لصالح البشرية المتعطشة دوما لكل انتاج مبدع في كافة ضروب الفكر والملكات العقلية الفردية التي يملكها البعض دون غيرهم.

ونعم بالله. والمبدعون، في الطرف الآخر، في مجال التعدي والتحايل على حقوق الملكية الفكرية كثر لا يحصي لهم عدد، ولا بد من وقفة حازمة لوقف أطماعهم وصيدهم في المياه العكرة. لك أن تتخيل، وهذا ما حدث فعلا، هناك من قام بتسجيل «اسم بنك مركزي معروف جدا» كاسمه التجاري، فماذا يقصد؟ وبالفعل في آخر الأمر وللمعالجة السريعة الفورية تم تقديم مبلغ معتبر له وهو مشكورا تنازل عن اسمه التجاري «المزعوم» لصالح البنك المركزي «المكلوم». ان هذه القضية وبإيجاز تبين خطورة الاستهتار بل ومدى جراءة البعض في التعدي على حقوق الملكية الفكرية المكتسبة وسلبها لمنفعتهم…

كل الحقوق يجب أن تصان ومهما كان صاحبها صغيرا أو كبيرا، مخضرما أو في بداية الطريق…

بحثت هيئة التحكيم في كيفية تحديد ما اذا كان اسم النطاق أو الموقع الإلكتروني «مطابقا أو شبيها» للاسم الحقيقي أو قد «يسبب خلطا» في ذهن الجمهور مما يقود للاعتقاد بأنه الاسم الحقيقي وملك المالك الحقيقي وليس المالك المتعدي ظلما وبهتانا.

وفي هذه القضايا، قررت هيئة التحكيم أن «فوربس ببليش.كوم» يعتبر «مطابقا وشبيها» أو قد «يسبب خلطا» في الذهن مع «فوربس ببليشنق.كوم» ومع «فوربس كستم ببليشنق.كوم».وكذلك من الواضح التطابق والتشابه وتسبيب الخلط بين «لايف ماق.كوم» الويب سايت لمجلة «تايم لايف ماقازين آنسي» وان تسجيل «لايف ماقازين.كوم» و»لايف ماقازين.نت» أو»لايف ماقازين.أورق» يعتبر مطابقا وشبيها أو قد يسبب خلطا، ولذا يجب أن يتم الرفض كحماية للويب سايت «الأصلي". وكل هذا، حفاظا على كل الحقوق التي نشأت بسبب العرق البدني والجهد الفكري الثاقب المتواصل…

وفيما يتعلق بنقطة ما اذا كان الاستخدام ل «غرض غير مشروع وفق القانون»، فإن هيئة التحكيم قررت أن هذه النقطة قد لا تنطبق اذا اتضح أن المدعي عليه استخدم اسم النطاق وقام بعرض البضاعة أو الخدمات بـ «حسن نية» ودون علمه بأي نزاع أو قضية حول الاسم، وكذلك لا تنطبق عندما يكون هناك ارتباط مسبق بين الاسم والمدعي عليه حتي ولو لم يكن هناك حقوق لاسم تجاري أو خدمة مرتبطة به، وأيضا في الحالات التي يستخدم المدعي عليه الاسم لأسباب غير تجارية وبطريقة مشروعة وبدون أي قصد لتمويه المستهلك أو الاضرار بالاسم التجاري المسجل…

وبالنسبة للاستخدام بـ «سوء نية»، قالت هيئة التحكيم، بأن هذا يتبين من دراسة الحالة ولكن سوء النية يكون واضحا بينا في تلك الحالات التي يسعي فيها المدعى عليه لإقناع أو إلزام المدعي بشراء الاسم التجاري الذي قام بتسجيله، أو عندما يتضح أن المدعي عليه قام بهذا العمل بغرض منافسة المدعي صاحب الاسم التجاري الأصلي في التجارة أو تقديم الخدمة، أو لخلق بلبلة في ذهن الجمهور بأنه نفس الاسم التجاري المعروف لديهم منذ فترة ويتعامل الجميع معه لأنه حاز علي ثقتهم ونال اعجابهم…

بتوفر هذه النقاط يتبين أن العمل تم بسوء نية واضح وبتخطيط اجرامي لتحقيق غرض غير مشروع مما يسبب ضررا لحقوق الملكية الثابتة والمكتسبة بحكم القانون.

ولنرجع مثلا لمجلة «التايم» المرتبطة بأحد هذه المنازعات والتي يحاول البعض استغلال اسمها لمصلحته وسنري حجم المجهود الذي بذله جميع من عمل بهذه المجلة، والتي يتفق الغالبية منا علي أنها مجلة ذات قيمة، وأنهم حفروا اسمها بأناملهم وريشهم وأفكارهم بكل صبر وعلى مدى السنين المتواصلة مما شكل ثروة مادية ومعنوية بل ومكانة خاصة لهذا الاسم…

فهل نسمح بسرقة مثل هذا التراث ممن عمله بأياديه وأفكاره؟ من دون شك، فان القرارات الصادرة من مركز التحكيم والوساطة التابع للوايبو في هذه القضايا، وغيرها، تشكل اطارا قانونيا سليما لتسوية المنازعات المتعلقة بحقوق الملكية الفكرية واعطاء كل ذي حق حقه، والوقوف المشروع في وجه المعتدين السالبين لعصارة الأفكار وعرق الابداع.

وهذه حقوق ذات أولوية لا تدانيها حقوقا أخرى ولذا فهي تحتاج لسياج من الحماية يستمد قوته من النكهة والطعم الخاص لهذه الحقوق «الخاصة". ونشد بقوة علي يد «الوايبو» بكل اقسامها وخاصة مركز التحكيم والوساطة لتسوية المنازعات، ونتطلع للمزيد......