منظمة التجارة العالمية و تسوية المنازعات و التحكيم

د. عبد القادر ورسمه غالب

منشور اليوم الخميس 2 يناير 2014 بجريدة عمان الملحق الاقتصادي ص 8

 

منظمة التجارة العالمية و تسوية المنازعات و التحكيم

في أواخر أيام عام 2013 دبت الروح من جديد في منظمة التجارة العالمية التي كانت طريحة الفراش    وتعاني من سكرات الموت لعدة سنين ، و اجتماع ديسمبر 2013 ببالي اندونيسيا أثلج صدورنا و أضاء أملا و إشراقا وسط الظلام حيث تم إعلان الاتفاق بين الدول بدرجة أعادت الحياة لمنظمة التجارة العالمية لتمكينها في لعب دورها المنشود في دعم التجارة العالمية لصالح شعوب كل دول العالم فقيرها و غنيها ، كبيرها و صغيرها ... و نأمل أن نري في القريب مردودا نافعا و أن تتمكن هذه المنظمة ، بعد معاناة المخاض الطويل ، من كسر الرتابة و الخنوع التي نعلم أن بقية المنظمات الدولية ترزح تحتها و تعاني منها لعدة أسباب و مسببات غير منطقية .

الاتفاق أتي بالكثير المثير و لكن ما يهمنا في هذا المجال ، التطرق لكيفية حسم المنازعات التي قد تطرأ بين الدول الأعضاء في هذه المنظمة خاصة و أن التجارة الدولية مليئة بالمنازعات الحادة ، و لا بد من الإشارة إلي أن العديد من المنازعات الكبيرة بين الدول تم حسمها عبر بدائل التحكيم الواردة في أحكام منظمة التجارة الدولية بدءا من اتفاق تسوية المنازعات بين الدول الأعضاء في منظمة التجارة الدولية الموقع في 1994 بمراكش في المغرب ، و لا بد من أن ننوه إلي أن الدخول في عضوية منظمة التجارة العالمية يعني أن الدولة العضو موافقة علي تسوية المنازعات التجارية وفق هذه البدائل المتفق عليها في المنظمة .

و بموجب هذا الاتفاق فانه يجوز للدول الأعضاء ، كمرحلة أولية ، الدخول في "مشاورات مشتركة" فيما بينها في حالة حدوث منازعات تجارية متعلقة بأي من الاتفاقيات الخاصة بمنظمة التجارة العالمية . و إذا لم يتم التوصل في خلال هذه المرحلة لتسوية النزاع بصورة ودية فيتم إحالته إلي "لجنة \ هيئة منظمة التجارة العالمية" لسماع تفاصيل القضية المتنازع عليها و الفصل فيها ، مع العلم أن هذه المرحلة لا تبدأ إلا بعد استنفاذ كل وسائل "المشاورات المشتركة" علي أن يتم هذا في خلال فترة لا تتجاوز (60) يوما .

و يجوز للدولة (المدعية) أن تطلب تكوين "لجنة \ هيئة" لسماع القضية و الفصل فيها ، هذا ، و تنص الأحكام بأنه لا يجوز للدولة الأخرى (المدعي عليها) اتخاذ أي إجراءات قد تقود إلي تعطيل تكوين هذه اللجنة \ الهيئة أو الحد من صلاحياتها . و تتكون هذه "اللجنة \ الهيئة" من ثلاثة أعضاء تقوم بتعيينهم سكرتارية منظمة التجارة العالمية و علي هذه "اللجنة \ الهيئة" سماع الدعوي و منح كل طرف الفرصة لتقديم دعواه أو دفاعه كتابة و شفاهة ، و بعد التداول فيما بينهم تقوم "اللجنة \ الهيئة" برفع رأيها "قرارها" إلي ما يسمي "هيئة حسم المنازعات" في المنظمة و هذه الهيئة يتم تكوينها فقط من الدول الأعضاء ، و هناك نص صريح بان تتم كل هذه الإجراءات في سرية تامة كاملة .

و إجرائيا ، يتم توزيع النص الأخير من رأي "قرار" اللجنة \ الهيئة إلي أطراف الدعوي و بعد ذلك بفترة أسبوعين يتم توزيع  هذا "القرار" علي جميع الدول الأعضاء في منظمة التجارة الدولية . و بموجب أحكام النظام يجب علي "هيئة حسم المنازعات" في المنظمة اعتماد الرأي أو "القرار" المقدم من "اللجنة \ الهيئة" المشكلة لنظر النزاع علي أن يتم هذا خلال (60) يوما من تاريخ استلام "القرار" . مع العلم ، أن هذا "القرار" لا يصبح "نهائيا" نافذا إذا لم تقم "هيئة حسم المنازعات في المنظمة" باعتماده و الموافقة عليه خلا ل هذه الفترة ، أو إذا تقدم أحد أطراف النزاع بخطاب يفيد فيه برغبته في تقديم استئناف ضد القرار . و يجوز لهذا الطرف تقديم استئنافه إلي "هيئة الاستئنافات" المشكلة بموجب أحكام النظام الخاص بتسوية المنازعات في المنظمة . و بموجب هذا النظام فان اختصاص "هيئة الاستئنافات" ينحصر فقط في نظر المسائل القانونية و التفسير القانوني الذي سبق أن قدمته هذه الهيئة ، هذا و في خلال (60) يوما أو علي أقصي حد (90) يوما يجوز "لهيئة الاستئناف" اعتماد القرار أو تعديله أو رفضه ...  هذا ، و بموجب أحكام النظام فانه يجوز للدول الأعضاء في المنظمة التعليق علي قرار "هيئة الاستئنافات" و لكنهم لا يملكون الحق في إلغائه أو تعديله . 

و عند تقديم الاستئناف يتم نظره بواسطة هيئة مكونة من ثلاثة أشخاص يتم اختيارهم من ضمن سبعة أعضاء و هؤلاء يشكلون "هيئة الاستئنافات الدائمة" التابعة لمنظمة التجارة العالمية ، و مدتهم القانونية أربعة سنوات يتم استبدالهم بعدها مع الأخذ في الاعتبار أن هؤلاء الأشخاص لا يمثلون و غير مرتبطين  بدولهم بل يتم اختيار كل منهم وفق الخبرات التراكمية المتوفرة في مجالات القانون و التجارة الدولية مع ضرورة التوزيع العادل و منح الفرص المتكافئة لكافة الدول أو المناطق التي تتشكل منها عضوية منظمة التجارة العالمية ، إذ لا يعقل أن يكونوا جميعهم مثلا من أوربا أو أمريكا ...

 مما تقدم نلاحظ أن إجراءات تسوية المنازعات في منظمة التجارة العالمية تتميز عن غيرها من المنظمات أو هيئات حسم المنازعات خاصة في منح الفرصة للطرف الذي لا يقبل القرار في تقديم الاستئناف و في هذا ، بالرغم من محدودية صلاحيات هيئة الاستئنافات ، تميز لأنه يشكل حقا إضافيا ممنوحا بموجب نظام تسوية المنازعات التابع لمنظمة التجارة العالمية . و من الطريف أيضا ، أنه يجوز للطرف الذي صدر الحكم ضده و في خلال فترة لا تتجاوز شهرا أن يطلب مهلة سماح ل "فترة معقولة" للتنفيذ قد تمتد إلي (15) شهرا و ذلك لتعديل أوضاعه قبل التنفيذ أو ليتمكن من تنفيذ القرار ، هذا و إذا لم يوافق الطرف الآخر علي تحديد "الفترة المعقولة" فيجب أن يتم عرض الموضوع علي محكم يتفق عليه الأطراف للنظر في الخلاف و التحكيم هنا إلزامي ، و هناك حالات معينة يتم فيها تشكيل "هيئة تحكيم" وتكون قرارات التحكيم نهائية ، و يجب علي سكرتارية المنظمة المتابعة الدقيقة و الرصد لهذه القرارات .

و مما يميز إجراءات تسوية المنازعات في منظمة التجارة العالمية أيضا الاعتراف بعدم  المساواة في بعض الحالات بين الأطراف المتنازعة خاصة عندما يكون أحدهم من الدول "النافذة" المتقدمة و الطرف الآخر من الدول "غير النافذة" النامية أو غير النامية ... و هنا تشير الأحكام إلي منح "اعتبار خاص" للمسائل التي تخص الدول النامية و غير النامية ، كمنحهم مثلا المزيد من الوقت فيما يتعلق بالفترات الزمنية المحددة في النظام و التساهل معهم ، و ضرورة العمل أيضا علي اختيار عضو من أعضاء "اللجان \ الهيئات" المشكلة للنظر في المنازعات من أبناء هذه الدول مع ضرورة توفير المساعدات الفنية لهذا العضو ليتمكن من تنفيذ دوره ، و أيضا الحرص علي تقديم الاستشارات القانونية و الفنية لهذه الدول من مركز خاص في سكرتارية المنظمة لتقديم هذه المساعدات لتتمكن الدول من تقديم "الدعوي" أو "الدفاع" وفق الأحكام القانونية و الإجراءات السليمة ... و فوق كل هذا إلزام السكرتير العام للمنظمة و إداراتها التنفيذية بمد يد العون و التعاون بحسن نية و شفافية كاملة مع جميع الدول النامية و غير النامية اعترافا بحقيقة عدم مقدرتهم للصمود أمام الدول "العظمي" النافذة و إيمانا بضرورة تقديم كل المساعدات الممكنة لهم قدر المستطاع و بما يمكنهم من الوقوف المتكافئ ك "أنداد" أمام الطرف الآخر  ...

و من هنا نلفت نظر دولنا الأعضاء في منظمة التجارة العالمية إلي ضرورة الاستفادة من هذه المميزات الخاصة التي تتوفر ، و بدرجة معقولة ، في نظام تسوية المنازعات الخاص بالمنظمة . و في ظل هذه الحقائق علينا ألا نخاف من الدول التي تسمي "العظمي" بل علينا الاستفادة من الوضع "التفضيلي" الممنوح للدول النامية و غير النامية و الحرص علي المطالبة بكافة حقوقنا التجارية مع طلب المساعدات الفنية و القانونية الضرورية لأن منظمة التجارة العالمية ملزمة بتقديمها و إذا فشلت يمكن كشف عدم تعاونها و عرض الموضوع بكل شفافية أمام كل الدول الأعضاء ... يتبع

د. عبد القادر ورسمه غالب

المستشار القانوني و رئيس دائرة الشؤون القانونية لبنك البحرين و الكويت

و أستاذ قوانين الأعمال و التجارة بالجامعة الأمريكية بالبحرين

Email: awghalib@hotmail.com

Twitter: @1awg