سماع دعوى التحكيم

د. عبد القادر ورسمه غالب

إن الوصول لمرحلة سماع دعوى التحكيم يعتبر خطوة متقدمة في سير إجراءات التحكيم، وهي الخطوة المناسبة لكل أطراف التحكيم لتقديم وعرض ما عندهم من دعاوى أو دفاع أو مطالبات جانبية. وعلى هيئة التحكيم (أو المحكم الفرد) إرسال دعوة حضور السماع للأطراف وذلك مع تحديد فترة زمنية معقولة ومناسبة تمكنهم من إعداد أنفسهم والظهور أمام هيئة التحكيم في الزمان وفي المكان المحددين. غالبا يكون المكان هو مقر مركز التحكيم كغرفة التجارة الدولية بباريس أو مركز تحكيم دول الخليج بالبحرين أو مركز لندن الدولي للتحكيم أو غيرهم وفي بعض الحالات ربما يتفق الأطراف مع هيئة التحكيم على مكان آخر مقبول للأطراف والهيئة ومعد لهذا الغرض، ومن الأفضل عدم اختيار موقع أحد أطراف الدعوى أو هيئة التحكيم والابتعاد عن هذه الأماكن، ولكن في جميع الأحوال لا بد من توضيح أن من سلطات هيئة التحكيم (المحكم) اختيار وتحديد مكان التحكيم وتاريخ ومواعيد السماع.
وفي بعض الحالات ربما تكون هناك صعوبة في تحديد زمن مناسب ومقبول لجميع الأطراف بما فيها هيئة التحكيم وذلك نظرا للارتباطات والجداول المزحومة وعدم وجود الجميع في مكان واحد. وفي العادة تتمثل الصعوبة في اللقاء الأول نظرا لوجود الأطراف في أماكن أو بلدان متعددة، ولكن هذه الصعوبة قد تقل ويذوب بعض الجليد عندما يكون كل الأطراف ماثلون أمام هيئة التحكيم.
ومن واقع التجربة، نقول يجب على هيئة التحكيم انتهاز فرصة وجود كل الأطراف أمامها واغتنام الفرصة السانحة ليتم وضع جدول زمني متكامل وذلك من بداية سماع الدعوى حتى مرحلة إصدار قرار التحكيم النهائي، وهذا الجدول الزمني من المستحسن أن يتم الاتفاق على محتواه وتواريخه بواسطة كل الأطراف والتوقيع عليه أمام هيئة التحكيم.
وننوه إلى أنه يجب علي هيئة التحكيم التأكد من أن الجدول الزمني الذي تم الاتفاق عليه يقع داخل إطار الفترة الزمنية المحددة للتحكيم وإصدار القرار النهائي وفق النظام المعني، ما لم يتم الاتفاق على التعديل لاحقا، وذلك حتى لا يتم الطعن بالنقض لتجاوز الفترة الزمنية المحددة وهي من أهم مسببات الطعن بنقض حكم التحكيم. وفي وضع هذا الجدول الزمني تلعب خبرة هيئة التحكيم دورا كبيرا في إعداده بما يتوافق مع كل الأطراف والظروف، وفي جميع الأحوال، فان السلطة ترجع للهيئة في وضع تواريخ محددة وإلزام الأطراف بها. وهذا ما يجب أن يحدث خاصة إذا شعرت هيئة التحكيم بأن أحد الأطراف غير جاد أو يحاول التسويف والتلاعب بالزمن دون مبررات وجيهة.
إن إعلان الأطراف للسماع أمر مهم ويجب أن يتم الإعلان وفق الطرق القانونية الإجرائية السليمة وإلا فانه سيفقد قيمته لأنه لا يجوز اتخاذ الإجراءات في مواجهة أي طرف لم يعلن إعلانا صحيحا ووفق الإجراءات القانونية السليمة. وكمثال نذكر، أنه وبالنسبة لإجراءات الجمعية الأمريكية للتحكيم (أي أي أي) فإن هذه الإجراءات تشترط علي هيئة التحكيم منح الأطراف مدة زمنية مقدارها شهر على الأقل للمثول لسماع دعوى التحكيم ولذا يجب على الإعلان التقيد بهذا الشرط الآمر.
يجب على هيئة التحكيم التأكد من أن كل طرف تم إعلانه إعلانا صحيحا خاصة إذا تبين أن أحد الأطراف غائبا عن الحضور. ووفق القانون فان الإعلان الصحيح يمنح هيئة التحكيم الحق بالسير في الإجراءات وعدم تعطيلها لأن الطرف الغائب على علم بها وعليه تحمل تبعات غيابه وكل النتائج المترتبة عن هذا الغياب، هذا ما لم يكن هناك عذرا مشروعا مقبولا ومسببا لهذا الغياب. وفي جميع الأحوال يعود لتقدير هيئة التحكيم القرار فيما إذا كان عذر الغياب مشروعا ومقبولا، وفي مثل هذه الحالات تظهر حكمة هيئة التحكيم وكيفية استخدامها لسلطتها التقديرية.
لوائح التحكيم الخاصة بالجمعية الأمريكية للتحكيم ونظام منظمة الوايبو وكذلك قانون اليونسيترال النموذجي ومركز تحكيم الخليج بالبحرين جميعها تشير إلى ضرورة أن يتم التأكد من أن الإعلان لحضور السماع تم صحيحا، وإذا كان هناك أي غياب أن يكون مسببا ومشروعا ومقبولا حتى يتم تأجيل السير في إجراءات السماع أمام هيئة التحكيم. وكل هذا لضمان حفظ الوقت وعدم السماح للتسيب أو عدم الانضباط من أي طرف، خاصة وأن السرعة في الحسم وكسب الوقت من أهم الدعائم التي يقوم عليها التحكيم.
من المهم أن نذكر هنا أن غياب المحتكم ضده وبالرغم مما يلقيه هذا من ظلال على شخصيته وقضيته، إلا إن هذا لا يعني بالضرورة إصدار حكم غيابي لمجرد الغياب يتضمن استجابة لطلبات مقدم التحكيم. بل وكممارسة مستمرة في أروقة التحكيم الدولية، يجب على هيئة التحكيم وفي حالة الغياب غير المسبب والمشروع السير في سماع طلبات مقدم التحكيم. وعلى مقدم التحكيم العمل علي إثبات ما يؤيد طلباته أمام هيئة التحكيم التي تقرر وفق ما تبين لها من بينة واثبات.
على هيئة التحكيم عند اكتمال حضور الأطراف لسماع الدعوى العمل علي توضيح الإجراءات ووضع هيكلة لخطة عمل سير السماع حتى يكون كل الأطراف على بينة من البداية. نقول هذا لأن محامي الأطراف مثلا إذا كانوا من دول القانون العام “الانجليزي” ينظرون لإجراءات السماع بطريقة تكون مختلفة من نظرة محامي الأطراف من دول القانون المدني “الفرنسي”، أو أي نظام قانوني آخر، حيث هناك بعض الاختلافات في الإجراءات أمام المحاكم. وهذا قاد لحدوث لبس وسوء فهم في بعض القضايا أمام التحكيم، ولذا من المستحسن تجاوز هذا بتوضيح خطة العمل وخط سير إجراءات السماع.
وأيضا، وضع الخطة قد يكون أكثر فائدة وايجابية في حالة حضور الأطراف بأنفسهم وبدون محامين أو مستشارين فنيين لمساعدتهم في توضيح قضيتهم والسير فيها أمام هيئة التحكيم. وكل هذه الممارسات تتم لكسب الوقت سعيا نحو إصدار القرار النهائي خلال المدة التي يحددها النظام أو القانون.
كقاعدة عامة لا يسمح لأي طرف ثالث أو شخص ليس له علاقة بالنزاع حضور السماع وذلك للحفاظ علي السرية التي تعتبر من مميزات التحكيم، ومن يحضر نيابة عن الأطراف عليه تقديم ما يدل على ذلك وفق ما تطلبه هيئة التحكيم. في بعض الحالات، يجب على المحامين تقديم مستند توكيل معتمد للظهور أمام الهيئة، وكل هذا بالطبع يعتمد على النظام القانوني المتبع والممارسات التي تختلف من مكان لآخر.
وبعد التأكد من إجراءات سلامة حضور الأطراف ومن يمثلهم تقوم الهيئة بإدارة السماع حتى نهايته وفق ما تراه مناسبا وسليما، مع الحرص على التوازن في منح الفرص الكافية والعادلة لجميع الأطراف ومن دون تمييز أو محاباة أو أي سلوكيات تدل على عدم احترام أحد الأطراف أو تجاوز حقوقه. وهنا نقول إن العدالة يجب أن يراها الأطراف ماثلة أمامهم من تصرفات رئيس وهيئة التحكيم. وهذا الشعور هام جدا، وخاصة خلال فترة السماع، للوصول بالتحكيم لغاياته في تحقيق العدالة التي ينشدها الأطراف والجميع معهم. ومرحلة السماع تتيح لكل طرف عرض ما لديه كاملا حتى تتمكن هيئة التحكيم من الإلمام بكل التفاصيل التي تمكنها من إصدار القرار النهائي...