توجيهات جمعية المحامين الدولية الخاصة بمنع تضارب المصالح في التحكيم الدولي

د. عبد القادر ورسمه غالب

 

تقوم جمعية المحامين الدولية بمجهودات متواصلة من أجل تطوير مهنة المحاماة لتأخذ مجراها و دورها المنشود وفق أفضل وأسلم الممارسات المهنية لكافة الأعضاء. وفي هذا الخصوص، تقوم الجمعية من وقت لآخر بإصدار بعض التوجيهات والارشادات بهدف اتباعها واسترشاد الأعضاء بمضمونها عند ممارستهم لمهامهم المهنية. وهذه الأعمال الجميلة و المفيدة يجب أن تشكر عليها الجمعية اضافة لكل من يساهم في تحقيقها.

في أواخر العام المنصرم، 2014، قامت جمعية المحامين الدولية بإصدار توجيهات جديدة بشأن منع تضارب المصالح في التحكيم الدولي بكافة أشكاله، وهذه التوجيهات الجديدة تتضمن تعديلات للتوجيهات السابقة التي صدرت في 2004 مع الأخذ في الاعتبار التجربة العملية خلال هذه الفترة. ومن الضروري جدا أن نشير الى أن جمعية المحامين الدولية سبق أن أصدرت في عام 1978، قواعد عامة لتنظيم الممارسات الأخلاقية للمحكمين الدوليين، وتظل هذه القواعد الأخلاقية سارية المفعول بالنسبة لتضارب المصالح في ما لم يرد بشأنه نص خاص في التوجيهات الخاصة بتضارب المصالح لعام 2014

ومتطلبات منع تضارب المصالح في التحكيم الدولي الصادرة من جمعية المحامين الدولية، في رأينا، ذات أهمية خاصة وذلك من ناحية التحكيم كصناعة قانونية متطورة وكذلك من ناحية المحاماة كمهنة لها أعرافها المتأصلة اضافة لوجود علاقة الارتباط القوية بين صناعة التحكيم من جهة وممارسي مهنة المحاماة من الجهة الأخرى. ولقد تم تدارس وضع توجيهات منع تضار بالمصالح، آخذين في الاعتبار المصالح الخاصة بأطراف التحكيم لأهميتها وكذلك مصالح مؤسسات التحكيم والمحكمين والمحامين لارتباطهم المباشر، وذلك لضمان أن يكون لهذه التوجيهات فائدة لكل الأطراف المتعلقة بصناعة التحكيم سعيا لتحقيق العدالة الناجزة في أسمي معانيها.

وغني عن القول، إن التوجيهات الصادرة من جمعية المحامين الدولية لمنع تضارب المصالح في التحكيم تعتبر مكملة لما تتضمنه القوانين المحلية السارية والخاصة بهذا الموضوع، أو تلك القوانين التي يختارها الأطراف وفلسفة التحكيم تنبع أساسا من ارادة أطراف التحكيم، وبالإضافة لذلك، مراعاة للاختصاص. وفي جميع الأحوال يمكن الاسترشاد بالتوجيهات الصادرة من جمعية المحامين الدولية عند غياب النص أو القانون، لأن هذه التوجيهات تم وضعها كاطار عام مكمل لسد الفجوات أو الفراغ القانوني وكذلك لخلق جو مهني سليم وثقافة مؤسسية راسخة لضمان سير التحكيم وفق أفضل الممارسات المهنية المتبعة عالميا.

وكقاعدة أساسية، في هذه التوجيهات فان أي محكم يجب أن يكون محايدا ومستقلا عن أطراف التحكيم في لحظة موافقته على المشاركة في التحكيم ويجب أن يظل كذلك طيلة فترة التحكيم لحين صدور القرار النهائي أو الانهاء الكامل بسبب وقف إجراءات التحكيم. وكقاعدة أيضا، يجب عدم قبول المشاركة في التحكيم في حالة عدم توفر الحياد والاستقلال ويجب الكشف عن هذه المعلومات والافصاح عنها بصورة كاملة، من أجل منع تضارب المصالح لتوفير الثقة المهنية اضافة لصبغ الطمأنينة المطلوبة لصناعة التحكيم.

ووفق التوجيهات فان ما ينطبق على "المحامي" أيضا يشمل كل العاملين معه وذلك بهدف توسيع القاعدة لتحقيق المزيد من الحرص لدعم مصداقية التحكيم وكل ما يرتبط به، وهناك من يقول أن في هذه النقطة تجاوز غير مبرر. وبصفة عامة، فان التوجيهات الصادرة من جمعية المحامين الدولية تتعلق بالممارسات الدائرة والتوجيهات بخصوصها، وفي هذا الخضم تم تقسيم ما يحدث بخصوص "التنازل عن التمسك بتضارب المصالح" الي قوائم مختلفة منها "القائمة الحمراء" والتي بدورها تتكون من "القائمة الحمراء غير القابلة للتنازل" و "القائمة الحمراء القابلة للتنازل". والحالة الأولي تختص بحالات تضارب المصالح للدرجة التي لا ينفع فيها التنازل بتاتا، وعليه يجب عدم الاشتراك في التحكيم لوجود تضارب المصالح الصارخ. أما الحالة الثانية، فتختص بحالات تضارب مصالح لدي المحكم تم الافصاح عنها أو يعلم بها الأطراف ولكن بالرغم من وجود التضارب الا انهم يتنازلون عن التمسك بها ويقرون بهذا التنازل وعليه يشارك المحكم في التحكيم. وهناك "القائمة البرتقالية" التي تتضمن حالات معينة خاصة بتضارب المصالح لعدم توفر الحياد والاستقلال لدى المحكم، ولكن الأطراف بالرغم من علمهم بتضارب المصالح لعدم الحيدة والاستقلال الا انهم لا يقدمون أي اعتراض في الوقت المحدد لذلك، ويؤخذ هذا التصرف كموافقة ضمنية منهم علي عدم الاعتراض علي استمرار المحكم في التحكيم. وأخيرا هناك "القائمة الخضراء"، التي تمتد لتشمل تلك الحالات التي تقع خارج مجال "القائمة البرتقالية". وفي حالات "القائمة الخضراء" فان المحكم في الحقيقة لا يشعر بوجود ضرورة للإفصاح عن أي حالة معينة أو أن ما يعتري تلك الحالة لا يستدعي الافصاح عنها مثل زمالة الدراسة في الصغر مع أحد الأطراف، أو الزمالة في النادي الاجتماعي، أو في "مجموعات" التواصل الاجتماعي الالكتروني.

وكأمثلة لحالات "القائمة الحمراء غير القابلة للتنازل"، وفقا للتوجيهات الصادرة من جمعية المحامين الدولية، فهي تتمثل في تلك الحالات التي يكون فيها المحكم محاميا للطرف أو موظفا لديه، المحكم مديرا في المؤسسة أو لديه علاقة مالية أو فائدة مرتبطة، المحكم أو الشركة التي يعمل فيها يقومون بتقديم استشارات قانونية بصفة دائمة و متصلة، وفي مثل هذا الحالات فان تضارب المصالح غير قابل للتنازل عنه و لذا لا يجوز بتاتا الاشتراك في التحكيم. أما حالات "القائمة الحمراء القابلة للتنازل" تشمل المحكم الذي يقدم رأيا قانونيا حول النزاع لأحد الأطراف، المحكم الذي له علاقة ارتباط سابقة بموضوع النزاع، المحكم الذي يملك أسهم بصورة غير مباشرة، المحكم الذي له صلة قرابة بأحد الأطراف، وتضارب المصالح في هذه الحالات قابل للتنازل بسبب أن العلاقة قد تكون قديمة وغير مباشرة أو لعدم قوة العلاقة أو انتفاء التأثير القوي علي مجريات التحكيم أو أطرافه.

أما "القائمة البرتقالية"، فتشمل حالات تقديم خدمات سابقة لأي من الأطراف قبل ثلاث سنوات مثلا، أو بالظهور نيابة عنه كمحام أو محكم أو قامت شركته بتقديم هذه الأعمال، أو تقديم خدمات في الوقت الحاضر تشمل ما تقدم، أو امتلاك أسهم أو منافع مشتركة أو الكتابة وابداء الرأي عن موضوع النزاع بأي طريقة، وهنا يتم الافصاح ويعلم الأطراف بوجود التضارب ولكنهم لا يعترضون في الوقت وبالشكل المناسب.  و "القائمة الخضراء"، تشمل حالات تقديم خدمات سابقة أو في الوقت الحاضر لها علاقة بموضوع النزاع أو بسبب وجود علاقة مع أي من الأطراف، ولكن هذه العلاقة لا ترقي لدرجة التأثير على المصالح أو يكون التأثير عديم الأثر ولا يحرك ساكنا. وعليه قد يشارك المحكم أو يستمر في التحكيم لأن تضارب المصالح لا يشكل خطرا في مثل هذه الحالات. والأمثلة لكل الحالات أعلاه كثيرة لا يمكن حصرها، بل من الصعوبة حصرها كليا.

 ان جمعية المحامين الدولية تهدف من هذا العمل الى تقديم الدعم للتحكيم وتقوية كل أواصره حتى يستمر في نهجه بقوة بعيدا عن الاعتراضات والنقض والطعون التي تشكك في صحة التحكيم بسبب أمور يمكن تجاوزها أو الاصرار علي تحقيقها منذ بداية التفكير في الدخول في التحكيم، أي بداية من اختيار المحكم أو هيئة التحكيم بحثا عن أقصي درجات الكمال الممكن تحقيقه عبر منفذ التحكيم كأحد أفضل البدائل لتسوية كافة المنازعات.

ولنحرص على تطبيق مرامي و "روح" هذه التوجيهات، الصادرة من جمعية المحامين الدولية، بعيدة النظر ثاقبة التفكير بحثا عن مرافئ العدالة الناجزة لكل من يطرق أبواب التحكيم الذي يثبت أهمية وجوده  في كل يوم.