المميزات العامة للتحكيم التجاري

د. عبد القادر ورسمه غالب

تتعرض العلاقات والمعاملات التجارية، في بعض الأوقات، للخلافات الطفيفة أو تلك المستعصية جدا مما قد يضر بالتعامل بين الأطراف ويؤثر عليه سلبا لدرجة تؤدي لانقطاع العلاقة وتحولها من علاقة حميمة مفعمة بالود الي علاقة عدائية مليئة بالأحقاد والغبن.  ولقد ازدادت وتيرة الخلافات بين الأطراف بسبب تشعب الحياة في كل مناحيها بما في ذلك الأعمال التجارية ودخولها في تفاصيل عميقة وأفكار متبادلة وتطورات متتالية في الأحداث مع التغييرات المستجدة... وكل هذا وغير هذا، أدي بدوره الي حدوث الاختلافات والتمايز والانشقاق في التفكير وكيفية التنفيذ وتبعات ما ينجم عنه، ومن كل هذا قد تتوسع هوة الخلافات وهذا أمر طبيعي ومتوقع الحدوث في المعاملات التجارية، وعلي التجار ورجال  الأعمال والشركات الاستعداد لأي طارئ عند حدوث الخلافات والعمل علي تجاوزها أو تسويتها بأفضل السبل وأقل الخسائر.

عند حدوث المنازعات في المعاملات التجارية فيما بين الأطراف، وبصفة عامة، فان النظر والفصل في القضايا وكافة المنازعات يعتبر من صميم اختصاصات المحاكم القضائية في البلد أي "السلطة القضائية" وذلك بصفتها صاحبة الاختصاص الأولي المبدئ في الفصل في المنازعات وتسويتها وفق الاجراءات القانونية السليمة السارية. وهذا الحق يستمد قوته من الأحكام والمبادئ الدستورية التي يتضمنها الدستور، وعليه وبموجب هذا تتم احالة كل القضايا والمنازعات للمحاكم القضائية بدرجاتها المختلفة للفصل فيها بين المدعي والمدعي عليه ويكون الحكم قابلا للتنفيذ بعد استنفاذ كل مراحل التقاضي ونهاية الاستئنافات.

ولكن، مع مرور الزمن تبين أن اللجوء للمحاكم القضائية والبحث عن العدالة في ردهاتها قد تشوبه بعض أو العديد من المعضلات التي تجعل اللجوء للمحاكم القضائية نغمة وليس نعمة لدرجة قد تصل لنكران العدالة. وذلك، مع الاحترام التام للمحاكم القضائية، بسبب العديد من الأسباب التي ظهرت جليا أثناء ممارسة اللجوء للتقاضي أمام المحاكم القضائية. ونتيجة لهذا الوضع المتكرر، ومستجداته، كان لا بد من البحث عن بدائل أخري مناسبة ومقبولة ومعترف بها قانونا لتسوية المنازعات وحفظ الحقوق وفق أسس العدالة التي ينشدها ويتطلع لها الجميع.

ان بدائل تسوية المنازعات والتي درج الأطراف في اللجوء اليها تشمل التسوية الودية والصلح، التحكيم، التوفيق، الوساطة، أو "الشفاعة"... ولكن باستعراض كل هذه البدائل المتعددة لتسوية المنازعات فإننا نجد أن من أهمها، والتي أثبتت صلاحيتها ونجاحها المنقطع النظير مع مرور الزمن، هو التحكيم التجاري، الذي نجده واقفا شامخا معتزا بنفسه ومقدما لأفضل بدائل تسوية كل المنازعات التجارية بكافة أشكالها وأنواعها وتعقيداتها      وتطوراتها.... والتحكيم التجاري هنا يشمل التحكيم بشقيه التحكيم الفردي (أد هوك) أو التحكيم المؤسسي (انستتيوشينال).

ولكن لماذا يتم اللجوء للتحكيم التجاري؟ هذا سؤال مشروع يردده الكثيرون بحثا عن الاجابة المقنعة المريحة للفكر والبال خاصة وأن الأمر يتعلق بالحقوق والواجبات وما لك وما عليك؟ وأين تذهب في بحثك عن العدالة؟ وهل اللجوء للتحكيم يحقق لك ما تصبو اليه ويوفر القدر المطلوب من العدالة؟

في الوقت الحاضر ومنذ مدة معتبرة من الزمن أصبح اللجوء للتحكيم التجاري لتسوية المنازعات من أفضل البدائل القانونية المتوفرة لتسوية المنازعات، وهناك الكثيرون من الأفراد والمؤسسات والدول ممن يلجؤون يوميا للتحكيم التجاري بحثا عن العدالة. وهذا يتم عبر التحكيم الفردي أو التحكيم المؤسسي المتوفر عبر العديد من مراكز التحكيم المحلية أو الاقليمية أو الدولية المرموقة. ومع مرور الزمن وما تم تحقيقه، أصبحت ثقافة اللجوء للتحكيم التجاري عامة ومنتشرة في كل الأوساط ، وهذا أعطي زخما ودافعا قويا لصناعة التحكيم ومن يقف خلفها لبذل كل الجهد المستطاع لتطوير التحكيم ليأخذ موقف الريادة ان لم نقل السيادة في الوصول عبر طريقه لمرافئ العدالة السمحة. وهذا ما يتطلع له الجميع وهو المطلوب وبيت القصيد.

ان التحكيم التجاري يتم وفق قوانين أو ضوابط خاصة تصدر في كل بلد بهدف تنظيم وتقنين التحكيم في ذلك البلد، وتعطيه الصفة القانونية الكاملة والالزامية النافذة، ومن هذا الواقع القانوني فانه يجوز للأشخاص المتنازعين اللجوء للتحكيم التجاري لعرض منازعاتهم وفق الكيفية المشار لها في قانون التحكيم أو نظام مركز التحكيم الذي تم اختياره لمتابعة التحكيم فيه. وننصح من يرغب في اللجوء للتحكيم لتسوية المنازعات التي قد تحدث، ادراج "بند التحكيم" في العقود التي يقوم بإبرامها. شريطة أن يكون هذا البند وافيا وشاملا ومغطيا لكل التفاصيل المتعلقة بالتحكيم والاجراءات المرتبطة به خاصة وأن "بند التحكيم" الوارد في معظم العقود غير كافي "بل لا يشفي غليلا" مما يضع العديد من العراقيل أمام سير التحكيم. ومن الأفضل الحصول علي استشارة قانونية تتناول هذا الموضوع بكل التفاصيل القانونية المطلوبة. وكذلك نفس الأمر ينطبق علي "مشارطة التحكيم" حيث يتفق الأطراف وبعد حدوث النزاع علي احالة النزاع للتحكيم، ويجب أن يكون اتفاق "مشارطة التحكيم" واضحا وشاملا لكل التفاصيل حتي يبدأ التحكيم ويسير علي خطي واضحة وحثيثة.

هناك مميزات عامة ومميزات خاصة للتحكيم التجاري تميزه عن غيره من وسائل تسوية المنازعات. ومن المميزات العامة وأساسيات التحكيم التجاري التي يرتكز عليها كمرتكز أساسي، نجد ميزة وجود "فترة زمنية محددة" لنظر النزاع واصدار الحكم النهائي. وأغلب القوانين وأنظمة التحكيم تنص علي انتهاء التحكيم في خلال فترة زمنية لا تتعدي ستة أشهر من تاريخ بداية نظر النزاع والذي تقوم بتحديده هيئة التحكيم (أو المحكم الفرد)، وبعض الأنظمة تنص علي فترة أقل من هذه الفترة. والغرض من كل هذا والذي يتضح جليا، أن تسوية النزاع أمام التحكيم مربوط "بفترة زمنية محددة" يجب ألا يتجاوزها، هذا ما لم يتم الاتفاق لاحقا بين الأطراف المتنازعة علي زيادة المدة، والا بطل التحكيم بالنقض لفوات المدة القانونية المقررة وعدم الالتزام بهذا المبدأ الأساسي.

ومن الناحية المبدئية يجب علي هيئة التحكيم التمسك والتقيد التام بالمدة القانونية المقررة، ما لم تكن هناك حالات استثنائية فردية يتفق بموجبها أطراف النزاع علي زيادة المدة... وهذا بالطبع يعود لرغبة الأطراف وتقديرهم للمدة، ومبدأ "المدة القانونية المقررة" يضع علامة فاصلة وهامة فيما بين اللجوء للتحكيم أو للمحاكم القضائية لأن التحكيم يتضمن الزاما قانونيا بالانتهاء الكامل واصدار القرار "النهائي" لهيئة التحكيم في خلال "المدة القانونية المقررة"، بينما هذا الوضع غير متوفر عند عرض النزاع أمام المحاكم القضائية والتي تصدر قراراتها في العادة وفق ما تيسر من زمن أمام المحاكم والاجراءات المتبعة. وهذا الزمن، أمام المحاكم القضائية، قد يطول أو قد يتطاول لسنوات بل لعشرات السنوات أو ربما لفترة زمنية قد تمثل جحودا ونكرانا للعدالة أمام المحاكم لأنها تصبح عدالة غير ناجزة، وتأخير العدالة نكران للعدالة، نقول هذا مع علمنا الخاص بأن هناك قضايا مستمرة أمام بعض المحاكم القضائية لأكثر من خمسين عاما أو أكثر وهي ما زالت في مراحل التقاضي الأولي... والأمثلة كثيرة وفي عدة دول تنادي بتطبيق العدالة واستقلال القضاء والحفاظ علي الحقوق... وكل هذا يحدث بالطبع، لأن المحاكم ذات درجات قضائية متعددة لنظر الدعوي والاستئنافات والطعون. كما ان المحاكم القضائية تعمل وفق اجراءات مطولة بغرض اتاحة العدالة للأطراف ولكن هذه الاجراءات الموضوعة بحسن نية قد يتم اساءة استخدامها بأي من الأطراف أو من يمثلونهم بما في ذلك المحامين. وبسبب "مط" الفترة الزمنية أمام المحاكم القضائية وطول مدة التردد أمام هيئاتها الموقرة، وطول انتظار النطق بالحكم، وبعد ذلك المطاولات التي تتبع في اجراءات التنفيذ... لكل هذا الهدر للوقت دون فائدة ملموسة، ونظير المعاناة والمشقة وفقدان الأعصاب التي يتعرض لها الأطراف أمام المحاكم في انتظار العدالة، نظير كل هذا أصبح التحكيم الملجأ الشرعي والبديل القانوني المناسب للبحث عن العدالة السريعة الناجزة وذلك لتميزه بصفة الزامية "المدة القانونية المقررة" وهذا يعطي التحكيم وضعا خاصا خصوصيا. وعامل الزمن والوقت في المعاملات الآن له وزن بلا حدود اضافة لما له من قيمة مادية كبيرة جدا.

وكذلك من مميزات التحكيم التجاري، عند مقارنته مع المحاكم القضائية، نجد أن هيئات التحكيم في العادة يتم اختيارها من كفاءات ذات تخصص ومعرفة فنية بطبيعة النزاع. فاذا كان النزاع مثلا هندسيا فان هيئة التحكيم تتكون أو تضم مهندسين، واذا كان النزاع في تقنية المعلومات والكمبيوتر مثلا فان هيئة التحكيم تتكون أو تضم أخصائيين من تقنية المعلومات والكمبيوتر... وهكذا فان هذا ينطبق علي كل التخصصات المالية والمحاسبية والزراعية والصناعية والقانونية أو غيرهما... وهكذا، يتم اختيار أعضاء الهيئة من ضمن كفاءات متخصصة ذات خبرة مهنية وفنية كافية لنظر النزاع والفصل فيه وفق ما لديها من تجارب مباشرة ومعرفة تخصيصية متراكمة. وهذا الوضع التخصصي "النادر" تتميز به هيئات التحكيم، وهو بالضرورة قد لا يكون متوفرا بالقدر الكافي أمام المحاكم القضائية التي تضطر في حالات عديدة لتعيين "خبراء" أو شهود خبرة فنية لمساعدتها في فهم التفاصيل الفنية المرتبطة بالنزاع، والخبير بدوره قد يحتاج لخبير أو خبراء وهكذا وسط هذا الوضع يضيع الزمن وقد تضيع معرفة التفاصيل الفنية لأن الخبير قد يفشل في توصيل المعلومة الصحيحة للمحكمة الموقرة أو قد تفشل المحكمة الموقرة في استيعابها أو استيعاب جزء منها لأي سبب. وفي حقيقة الأمر، فان المحاكم القضائية تعاني من بعض الخبراء ومن ضعف أدائهم أو ربما سوء سلوك بعضهم... ومن كل هذا تتضرر العدالة ويتضرر الأطراف كثيرا ويضيع النزاع والوقت والمال والحقوق المرتبطة بهما. وبالمقابل، في نفس الوقت، فان "التخصصية" المتوفرة في هيئة التحكيم نفسها قد تمكنها من استيعاب أبعاد المشكلة بكل سهولة ويسر لأنهم علي علم ببواطن الأمور ومجرياتها، وكل هذا يسهل مهمة هيئة التحكيم في سرعة الفصل وكذلك حسن وسلامة ودقة الفصل في النزاع.

وأيضا من مميزات التحكيم التي تميزه عن المحاكم القضائية، أن التحكيم يتم في اطار "السرية" المطلقة وبعيدا عن العلنية والاعلام العام أو الخاص. وكل معلومة يتم تبادلها في ردهات التحكيم تتم بسرية محكمة وكتمان تام، وتظل مكتومة في داخل أروقة التحكيم فقط ، حماية لأصحابها وحقوق أصحابها المتعلقة بالتجارة أو "الصنعة" أو غيره وتظل هذه السرية تحيط بسياج التحكيم وما دار ويدور حوله الي ما لا نهاية وفي هذا فوائد عديدة للأسرار التجارية والمالية والصفقات المستمرة وما تم بشأنها... وهذا الوضع "السري" الخاص بالتحكيم تنظمه القوانين والعلاقة التعاقدية بين الأطراف اضافة الي الالتزامات المهنية للمحكمين أنفسهم والتي تلزمهم بالحفاظ التام علي السرية... ومثل هذا الوضع غير متوفر في المحاكم القضائية التي تظل أبوابها في الغالب مفتوحة ومشرعة أبوابها يدلف منها من يدلف، ويرخي بسمعه من يرخي، وكل ذلك يتم بغرض توفير الشفافية اللازمة للعلم بالقانون والافصاح التام بأعمال المحاكم وما تحتويه أضابير التشريعات القانونية والاجراءات المرتبطة بها، من أجل "العلم بالقانون" وبهدف تثقيف الجميع بالمعلومات القانونية الضرورية وتوفيرها لهم لمعرفتها والاستفادة منها في شتي المناحي انطلاقا من قاعدة... ان الجهل بالقانون ليس بعذر...

من المميزات العامة أيضا للتحكيم التجاري، انتهاء البغضاء والشحناء والكراهية بين الأطراف المتنازعة وذلك لأن تسوية النزاع وحسمه تم في سرية تامة ووفق اختيار الأطراف ومشاركتهم في اختيار "هيئة التحكيم" وكذلك المشاركة الفعلية في اختيار الاجراءات والقانون والمكان واللغة وغيرهما، المتعلقة بالتحكيم وأعمال هيئة التحكيم. وفي هذه المشاركة عدة عوامل ايجابية، خاصة الجانب النفسي حيث يشعر الأطراف أن ما أصدرته هيئة التحكيم سواء لصالحهم أو ضدهم تم بمشاركتهم في اختيار كل الخطوات منذ البداية. وهذا غير متوفر عند نظر النزاع أمام المحاكم القضائية، لعدم توفر المشاركة التي تتم في حالة اللجوء للتحكيم. ومن كل هذا، يشعر الأطراف بالارتياح من القرار الصادر من هيئة التحكيم حتي لو لم يكن لصالحهم، ولقد شاهدنا هذا بأنفسنا في حالات عديدة حيث يتصافح الأطراف ويقبلون بعضهم بعضا وتري الراحة النفسية بادية علي وجوهم وأساريرهم. وبالمقارنة، فان سير الاجراءات أمام المحاكم القضائية يورث العداوة بين الأطراف وبين عوائلهم لأن ما يدور أمام المحاكم هو عبارة عن "حرب" كؤود ينتصر فيها من ينتصر ويهزم فيها من يهزم... ولا أحد يقبل الهزيمة مهما كانت ويظل يفكر ويبحث طيلة عمره في كيفية الانتقام أو رد الاعتبار لنفسه أو لعائلته مما لحقهم من هزيمة من الطرف الآخر. ولكل هذا تستمر المنازعات أمام المحاكم وكلما استمرت ازداد معها الحقد والزعل والرفض والبحث المضنى عن هزيمة الطرف الآخر بأي وسيلة. وكل هذا لا يوجد، أو اذا وجد لا يكون كبيرا، في التحكيم لأن أطراف النزاع هم من اختار هذا الطريق وهم جزء لا يتجزأ منه.

 هذه أهم المميزات العامة التي يتميز بها التحكيم التجاري والتي من أجلها يلجأ العديد من أصحاب المنازعات لطرق أبواب التحكيم بحثا عن تسوية هذه المنازعات، وفق المعطيات والمميزات التي يجدونها، وهي مغرية ومشجعة للركض نحو التحكيم كأفضل البدائل القانونية المتوفرة لتسوية المنازعات التجارية. ومن واقع التجارب والنتائج والممارسات العديدة في عدة أماكن، تبين أن اللجوء للتحكيم التجاري يوفر العدالة المطلوبة للأطراف المتنازعة، بكل مقاييسها، وذلك استنادا لما هو متوفر من المميزات "العامة" العديدة في صناعة التحكيم والتي أشرنا لها أعلاه. ولا بد من القول أن هناك مميزات "خاصة" أخري بالتحكيم التجاري سنتناولها في مقال مستقل...