التحكيم ومشارطة التحكيم

د. عبد القادر ورسمه غالب

بعض القوانين المنظمة للتحكيم تشير صراحة الي "مشارطة التحكيم" وبما يدل علي عدم استيعاب معني "مشارطة التحكيم" ومدلولها وكيفية تطبيقها خاصة وأن هذه القوانين تشير الي قيام هيئة التحكيم بإعداد "مشارطة التحكيم" أي أن هناك (هيئة تحكيم) موجودة في الأصل، فمن أين أتت هذه الهيئة ؟ وكيف تم تشكيلها ؟ ومن قام بذلك؟ واستنادا علي ماذا؟ وبالإضافة لهذا نلاحظ، وفي نفس القانون، تتم الاشارة الي "اتفاق التحكيم" وهو الذي يقصد به كل اتفاق يتعهد فيه طرفا النزاع بعرض منازعتهم... للتحكيم، أو كل اتفاق لاحق لإحالة النزاع القائم الي التحكيم. 

ان تعريف "اتفاق التحكيم" في القانون هو المطلوب وللدرجة التي يعتبر فيها شاملا لكل الحالات التي قد تطرأ في المستقبل أي يشمل ما قبل النزاع أو تلك التي تطرأ بعد حدوثه وهي حالات "مشارطة التحكيم". وعندما يتم الاتفاق بين الأطراف الي احالة النزاع القائم فعليا بينهما للتحكيم فان هذا الاتفاق اللاحق باللجوء للتحكيم يسمي فنيا "مشارطة التحكيم"، لأن اللجوء للتحكيم لحسم النزاع لم يكن موجودا ولم يتضمنه العقد المبرم سابقا بين الأطراف. وهناك فراغا في العقد المبرم بين الأطراف في ما يتعلق باختيار التحكيم، ولذا يتم ملأ هذا الفراغ بوثيقة جديدة يتم الاتفاق عليها بين الأطراف تسمي "مشارطة التحكيم" وهذه الوثيقة تبين اتفاق الأطراف في تحقيق ارادتهم حول اختيار اللجوء لبديل التحكيم لحسم النزاع. 

واتساقا مع هذا الفهم، نجد أن معظم التشريعات المنظمة للتحكيم لم تضع نصا مستقلا أو تعريفا خاصا ل"مشارطة التحكيم" حتي لا يحدث لبس وعلي اعتبار أن هذا الأمر وارد ضمن تعريف "اتفاق التحكيم". وكأمثلة لبعض التشريعات، نشير الي أن  المشرع المصري لم يضع نصا مستقلا ل"مشارطة التحكيم" انما أوردها ضمن تعريف "اتفاق التحكيم" أي بوجه عام حيث يتضمن كل حالات التحكيم وكما ورد في قانون الأونسيترال النموذجي للتحكيم  لعام 1985 وتعديلاته. وكذلك نفس الحال ينطبق علي المشرع الفرنسي الذي اكتفي بالنص علي شرط "اتفاق التحكيم" وكل ذلك بغية تحقيق الانسجام مع ما حرصت عليه اتفاقية الأمم المتحدة في نيويورك عام 1958 والتي لجأت بصورة واضحة لتفادي استعمال كلمتي شرط "اتفاق التحكيم" و"مشارطة التحكيم" ودمجتهما سويا في نص واحد ومفهوم موحد هو "اتفاق التحكيم"، الذي يتناول الاتفاق، المسبق قبل حدوث النزاع أو الاتفاق اللاحق بعد حدوث النزاع، علي التحكيم وفق رغبة وارادة الأطراف. وفلسفة التحكيم تنبع من تحقيق ارادة الأطراف. 

في ضوء ما تقدم نقول، أن "مشارطة التحكيم" هي عبارة عن اتفاق بين أطراف النزاع على إخضاع نزاع "ما" بين الأطراف يكون قد "نشأ" بالفعل بينهم وبعد ذلك يتفقون بإرادتهم علي احالته الي للتحكيم خصيصا كبديل عن اللجوء للمحاكم القضائية. وعليه فان "مشارطة التحكيم" تكون مطلوبة في ظل غياب أو عدم وجود شرط "اتفاق التحكيم" والذي عادة ما يوجد بمناسبة إبرام عقد ما بين الأطراف وتضمين ما تم الاتفاق عليه وقت ابرام العقد. وبوجه عام فإن وجود "اتفاق التحكيم" مرتبط  بمرحلة ما "قبل نشوء" أي نزاع بين الأطراف، حيث يبنى على تصورات لا ترقى لمرتبة النزاع الحقيقي وإنما تحسبا لوقوعها بسبب ما قد يحدث مستقبلا بين المتعاقدين من منازعات. وبالمقارنة هنا، فان المشارطة أي "مشارطة التحكيم" تتعلق بنزاع موجود بالفعل وعلى أطراف النزاع في هذه الحالة تحديد موضوع التحكيم إن لم يكن قد اتصل بالمحكمة المختصة بنظره، أو المسائل التي يتفق على إخضاعها للتحكيم في حالة ما إذا كان النزاع قد عرض فعلا على المحكمة، وذلك حتى لا يتعرض الاتفاق للبطلان. 

وعليه نقول ان الاشارة ل "مشارطة التحكيم" في قانون التحكيم تضع بعض الالتباس في فهم ما هو المقصود فنيا بالمشارطة "مشارطة التحكيم". ولتجنب سوء الفهم من النواحي الفنية ولتفادي ما قد ينجم من هذا الوضع، فهناك ضرورة لصياغة القانون وحذف و الغاء ما يرد عن "مشارطة التحكيم" والاكتفاء فقط بتعريف "اتفاق التحكيم" والذي يتضمن بل يشمل أيضا ما يعرف فنيا بالمشارطة "مشارطة التحكيم". أيضا، أثناء سير التحكيم وفق "اتفاق التحكيم" المبرم سابقا، يجوز للأطراف تحرير أتفاق تحكيم جديد وهذا يتم عبر "مشارطة التحكيم" التي تتناول الاتفاق الجديد وفق الشروط الجديدة التي يجب أن تتبعها هيئة التحكيم أو المحكم الفرد.

ومن الضرورة بمكان أن نقول أن الأطراف عندما تتجه ارادتهم نحو "مشارطة التحكيم"، سواء كان قبل اللجوء للمحاكم القضائية أو بعدها، عليهم وضع كل التفاصيل المتعلقة برؤيتهم لكيفية مسار التحكيم مع الحرص علي أن تكون "المشارطة" كاملة وواضحة ومستوفية لكل المتطلبات المتعلقة باتفاق التحكيم الشامل. وبموجب هذا التصرف من أطراف النزاع يكون الوصول لحسم النزاع سريعا وبما يضمن تحقيق العدالة الناجزة، وهو الغرض المطلوب من اللجوء لخيار التحكيم كبديل لتسوية المنازعات التي تطرأ بين الأطراف في أي وقت وأي مكان.