التحكيم في الشرع الإسلامي

التحكيم في الشرع الإسلامي



أصل الصلح والتحكيم في الشريعة الإسلامية

      إن الشريعة الإسلامية حينما ختم الله بها شرائعه جعلها صالحة لكل زمان ومكان إلى قيام الساعة ولذا نجد أن هذه الشريعة الغراء قد سبقت جميع الأنظمة وجميع التشريعات المطبقة في دول العالم بل ثبت أن القانون الفرنسي قد أخذ أكثر من 90% من مواده من الفقه المالكي وما هذا إلا دليل على عظمة هذه الشريعة و مكانتها. و لا نكاد نتكلم عن أمر من الأمور التنظيمية أو التشريعية المتعلقة بمصالح البشر إلا ونجد الشريعة قد سبقت إلى ذلك.

    حين نتحدث عن الصلح والتحكيم فنحن نتحدث عن أمرين سبقت لهما الشريعة بمئات السنين و تكلم عنهما الفقهاء منذ القدم فوضعوا له الضوابط والشروط استنتاجاً من آيات الله العظيمة وأقوال رسوله الكريم صلى الله عليه و سلم.

مشروعية التحكيم

في الكتاب :

    بسم الله الرحمن الرحيم

               {فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا}     

                                                                                 سورة االنساء – الآية (65)

               {إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تئدوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ إِنَّ اللّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِ إِنَّ اللّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا}

                                                                               سورة النساء – الآية (58)

        { و إن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكماً من أهله و حكماً من أهلها , إن يريدا اصلاحاً يوفق الله بينهما  إن الله كان عليماً خبيرا}

    صدق الله العظيم

                                                                                       سورة النساء الآية (35)

     

    قال ابن عباس و مجاهد هما الحكمان إذا أرادا الإصلاح وفق الله بينهما .

                                                                                       احكام القرآن لابن العربي ج1 542.

    قال القرطبى : إن هذه الآية دليل إثبات التحكيم.

     فهذه الآية نزلت في تحكيم الزوجين دل على جواز التحكيم في سائر الخصومات و الدعاوى.

                                                                                 بدائع الصنائع ج9 / 408.

     

في السنة

    فإن رسول الله صلى الله عليه و سلم رضي بتحكيم سعد بن معاذ رضي الله عنه في أمر اليهود من بني قريظة ، حين جنحوا إلى ذلك ورضوا بالنزول على حكمه.

                                                                             ( صحيح البخاري – 2816)
في الإجماع

    الصحابة رضوان الله عليهم أجمعوا على جواز التحكيم لأنه وقع لجمع من الصحابة في مواقع و قصص كثيرة و لم ينكر مع اشتهاره فكان إجماعاً.

                                                ( الماوردي – الحاوي الكبير – شرح مختصر المزني)


------------------------

مشروعية الصلح

في الكتاب

    بسم الله الرحمن الرحيم

        { لا خير في كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس ومن يفعل ذلك ابتغاء مرضات الله فسوف نؤتيه أجراً عظيماً }

                                                                               سورة النساء (114)

         {و إن امرأة خافت من بعلها نشوزاً أو إعراضاً  فلا جناح عليهما أن يصلحا بينهما صلحاً  و الصلح خير)

                                                                                 سورة النساء ( 128)

     

    أفادت الآيات مشروعية الصلح ، حيث إنه سبحانه و تعالى وصف الصلح بأنه خير و لا يوصف بالخيرية إلا ما كان مشروعاً مأذوناً فيه.

 

في السنة

    - روى أبو هريرة  رضى الله عنه عن النبي صلى الله عليه و سلم قال: ( الصلح جائز بين المسلمين ) .

     وفي رواية : ( إلا صلحاً أحل حراماً أو حرم حلالاً ) و الحديث واضح الدلالة على مشروعية الصلح.

     

    - عن عبد الله بن كعب عن كعب بن مالك  رضي الله عنه لما تنازع مع ابن أبي حدرد في دين له عليه ، فخرج الرسول صلى الله عليه و سلم إليهما و هما يتنازعان فنادى : يا كعب ، و أشار بيده أن ضع الشطر. فقال كعب قد فعلت يارسول الله. فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم : قم فاقضه .

    رواه البخارى – صحيح البخاري المطبوع مع فتح الباري لابن حجر) هذا الحديث دليل على جواز الصلح بين الخصوم ، ووضع  بعض الحق و استيفاء الباقي ، و ممارسة النبي صلى الله عليه و سلم لذلك بنفسه دليل على مكانته و أهميته.

 

في الإجماع:

    فقد أجمع الفقهاء على مشروعية الصلح في الجملة ، و إن كان بينهم اختلاف في جواز بعض صوره.

 

في المعقول:

    فهو أن الصلح رافع لفساد واقع ، أو متوقع بين المؤمنين ، إذ أكثر ما يكون الصلح عند النزاع . و النزاع سبب الفساد, و الصلح يهدمه و يرفعه ، و لهذا كان من أجل المحاسن.


     (--) عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه و سلم ( أشترى رجل من رجل عقاراً ، فوجد الرجل الذي اشترى العقار في عقاره جرة فيها ذهب ، فقال له الذى اشترى العقار: خذ ذهبك مني ، إنما اشتريت منك الأرض و لم ابتع منك الذهب، و قال الذي له الأرض : إنما بعتك الأرض و ما فيها ، فتحاكما إلى رجل ، فقال الذي تحاكما إليه : ألكما ولد ؟ قال أحدهما : لي غلام ، و قال الآخر : لي جارية. قال أنكحوا الغلام الجارية ، و أنفقوا على أنفسهما منه و تصدقا ) و قد ذكر ابن حجر رحمه الله ما يمكن أن يستدل بظاهر قوله ( فتحاكما ) على أن الذي جرى هنا تحكيم، و إن كان بعض العلماء يرى أنهما تحاكما إلى قاض منصوب للناس و ليس إلى محكم.

                                                                                      ( ابن حجر – فتح الباري)

     

    (--) عن أبي ملكية رحمه الله تعالى ( أن عثمان رضي الله تعالى عنه ابتاع من طلحة بن عبيد الله رضي الله تعالى عنه أرضا له بالكوفة ، فلما تبايعا ندم عثمان ، ثم قال بايعتك ما لم أره ،فقال طلحة : إنما النظر لي ، إنما ابتعت مغيبا ،  و أما أنت فقد رأيت ابتعت.فجعلا بينهما حكما، فحكما جبير بن مطعم رضي الله تعالى ، فقضى على عثمان أن البيع جائز، و أن النظر لطلحة أنه ابتاع مغيبا )

                                                                     ( البيهقى – السنن الكبرى كتاب البيع )

    (--) عن عبد الرحمن بن قيس بن محمد بن الأشعث عن أبيه عن جده ، قال : اشترى الأشعث رقيقا من رقيق الخمس، من عبد الله بعشرين ألفا ، فأرسل عبد الله في ثمنهم ، فقال : إنما أخذتهم بعشرة ألآف، فقال عبد الله : فاختر رجلا يكون بيني و بينك ، فقال الأشعث : أنت بيني و بين نفسك ؟ فقال عبد الله : فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول : ( إذا اختلف البيعان ، و ليس بينهما بينة ، فهو ما يقول رب السلعة أو يتتاركان )

                                     (اخرجه ابو داود و ابن ماجة و اللفظ لأبي داود و صححه الألباني
     

     (--) رسالة عمر بن الخطاب إلى أبي موسى الشعري حول القضاء

    "من عمر بن الخطاب إلى أبي موسى الأشعري القاضي.

         سلام عليك, أما بعد فإن القضاء فريضة محكمة, وسنة متبعة فافهم إذا أدلي إليك, فإنه لا ينفع تكلم بحق لا نفاذ له, آس الناس في مجلسك وفي وجهك وقضائك, حتى لا يطمع شريف في حيفك, ولا ييأس ضعيف من عدلك, البينة على من ادعى, واليمين على من أنكر, والصلح جائز بين المسلمين, إلا صلحا أحل حراما أو حرم حلالا, ومن ادعى حقا غائبا أو بينة فاضرب له أمدا ينتهي إليه, فإن بينه أعطيه بحقه وإن أعجزه ذلك استحللت عليه القضية فإن ذلك هو أبلغ في العذر وأجلى للعماء, ولا يمنعنك قضاء قضيت فيه اليوم فراجعت فيه رأيك فهديت فيه لرشدك إن تراجع فيه الحق , فإن الحق قديم لا يبطله شىء, ومراجعة الحق خير من التمادي في الباطل, والمسلمون عدول بعضهم على بعض, إلا مجربا عليه شهادة زور, أو مجلودا في حد, أو ظنينا في ولاء وقرابة, فإن الله تعالى تولى من العباد السرائر, وستر عليهم الحدود إلا بالبينات والأيمان, ثم الفهم الفهم فيما أدلي إليك مما ورد عليك مما ليس في قرآن وسنة, ثم قايس الأمور عند ذلك واعرف الأمثال, ثم اعمد فيما ترى إلى أحبها إلى الله وأشبهها بالحق, وإياك والغضب والقلق والضجر والتأذي بالناس والتنكر عند الخصوم, فإن القضاء في مواطن الحق مما يوجب الله به الأجر ويحسن به الذكر, فمن خلصت نيته في الحق ولو على نفسه كفاه الله ما بينه وبين الناس, ومن تزين بما ليس في نفسه شانه الله, فإن الله تعالى لا يقبل من العباد إلا ما كان خالصا, فما ظنك بثواب عند الله في عاجل رزقه وخزائن رحمته.

                                                 والسلام عليك ورحمة الله".