استغلال المعلومات الداخلية

د. عبد القادر ورسمه غالب

قوانين أسواق المال تمنع استغلال المعلومات الداخلية لمصلحة أي شخص مطلع وتحظر الاستفادة من هذه المعلومات لمصلحة المطلع، وكل هذا لتوفير منصة عادلة ينطلق منها الجميع عند رغبتهم في الاستثمار في الأسهم السندات المعروضة للاستثمار في أسواق المال. وفي كل شركة، هناك بعض الأطراف التي لها اطلاع كامل على مجريات الأمور في الشركة وذلك بحكم موقعها المعين في الشركة.
ودرجة الاطلاع بالطبع تختلف وفق المسؤوليات، ولكن ومهما كانت درجة الاطلاع ومهما كان حجم المعلومات المطلع عليها ومهما كان الأثر المترتب عما تم بسبب هذا الاطلاع، فإن قاعدة المنع والحظر باقية ومستمرة ويسأل كل من قام باستغلال المعلومات الداخلية لتحقيق مصلحته خاصة تلك المحظورة علي الكافة.
هناك عدة أسباب تمنع الشخص المطلع من استغلال المعلومات الداخلية التي يطلع عليها لتحقيق مصلحة شخصية ذاتية. وبعض أسباب المنع مرتبط بالشركة نفسها وبعضها مرتبط بالطرف الثالث من خارج الشركة. ومن أهم الأسباب وجود علاقة العمل والثقة المفترضة بين الشركة وجميع من يعمل فيها، إذ إن من يعمل تتوفر له المعلومات السرية الخاصة بالشركة وتوفير هذه المعلومات ينبع من أنه «مؤتمن» عليها ويجب عليه ألا يعمل على استغلالها لأي سبب خارج الإطار القانوني المسموح به وخاصة لتحقيق مصالح أو مآرب شخصية.
وبالإضافة لافتراض عنصر الأمانة والثقة والمسؤولية النابعة من العلاقة التعاقدية بينهما إلا أن قوانين أسواق المال وبكل صراحة تحظر تجاوز حدود هذه الأمانة وتوابعها والقيام باستغلال المعلومات الداخلية، وتنص هذه القوانين على أن من يتجاوز الخط الأحمر في هذا المسار يجب معاقبته بكل قوة لردعه ولردع غيره.
ولتفعيل الاستجابة لتطبيق القوانين ولضمان حسن الممارسة المؤسسية في الشركات المدرجة في الأسواق فإن غالبية الشركات الآن تطلب من الأشخاص المطلعين لديها التوقيع على تعهدات واضحة بعدم استغلال المعلومات الداخلية والإفصاح التام عما يمارسونه في هذا الخصوص سواء لأعضاء مجلس الإدارة أو غيره من اللجان أو الوظائف التنفيذية، ويجب علي إدارة الأسواق التأكد من أن هذا المنحى يتم الالتزام به بصورة سليمة وفاعلة مع وجود الرقابة المطلوبة لتحقيق هذه التوجهات...
ومن هذا تكون هناك مسؤولية تضامنية مشتركة ملقاة على عاتق الشركات وإدارتها المعنية من جهة وعلى إدارة الأسواق وهيئاتها من الجهة الأخرى. كل هذا مطلوب لتضييق الخناق علي من تسول له نفسه بالخروج عن طريق القطيع والبحث عن المصالح الشخصية الذاتية.
لقد ظهرت الحاجة الماسة لضرورة عدم استغلال "المعلومات الداخلية" وذلك عندما قام بعض من يعملون في شركة إنتاج أدوية باستغلال ما لديهم من معلومات حول قرب اكتشاف الشركة لدواء جديد للقضاء علي مرض منتشر بصورة مؤلمة وفتاكة. ونظرا لعلمهم بقرب موعد إعلان هذا الاكتشاف العلمي الهام، قاموا بدورهم بشراء أكبر كمية من أسهم الشركة وظلوا يكتنزون هذه الأسهم في خفاء وبكل شراهة لعلمهم أن الإعلان عن الاكتشاف العلمي الجديد سيرفع قيمة الأسهم عاليا وبمجرد الإعلان عن هذا الاكتشاف العلمي المدوي. وفعلا هذا ما حدث، حيث تضاعفت قيمة أسهم الشركة بمجرد الإعلان عن الدواء الجديد الذي كان ينتظره الجميع في لوعة وضيق. وفجأة أصبح اسم الشركة علي كل لسان وارتفعت حصيلة مبيعاتها من هذا الدواء ومن غيره.
وتبين لاحقا أن هناك من استفاد من هذا الوضع أيضا إذ إن بعض من كانوا على اطلاع بمجريات الأمور في الشركة قاموا باستغلال هذه المعلومات الداخلية لمصلحتهم الشخصية وحرصوا بكل سرية وفي خفاء تام بالحصول علي أكبر نسبة من أسهم الشركة لعلمهم التام أن أسعارها سترتفع بعد حين. وهكذا، ومن واقع استغلالهم للمعلومات الداخلية وفيما بين ليلة وضحاها قاموا بجني الملايين من الأرباح الآتية من الفرق في أسعار الأسهم.
وبسبب هذه الممارسات الأنانية وغير السليمة وصلت الأمور إلي ردهات المحاكم من المستثمرين ومن حملة الأسهم ومن غيرهم.
وقالت المحكمة العليا في أمريكا في هذه السابقة إن هذه "الفئة" من المستثمرين يجب أن تكون الفائدة المادية وبالا عليها وليس فائدة لها، خاصة أن هؤلاء البشر جشعون وأنانيون وتنقصهم الأمانة والنزاهة وأنهم ضربوا بعرض الحائط كل الثقة التي كانت ممنوحة لهم من الشركة بل ومن كل المجتمع التي يترقب الأفضل من الشركات المرخصة لخدمته وليس للبحث عن تحقيق الفوائد المادية النتنة وخداع الجميع باستغلال مواقعهم الخاصة التي يجلسون عليها في الشركة.
هناك قضايا كثيرة جدا في هذا الخصوص لدعم الأسواق وحماية المستثمرين، ولكن هذه القضية كانت من أوائل السوابق القضائية الهامة جدا لحماية المستثمرين في أسواق المال والتي وضعت منهجا واضحا وطريقا مهيئا لتحديد العلاقة بين الشركة والشخص العمل بها "المطلع"، وحدود هذا الاطلاع وأهميته وكيفية الموازنة فيما بين المصالح الشخصية وتلك المصالح العامة. ولقد كان لهذه السابقة القضائية الأثر الكبير وقصب السبق في إعادة النظر في وضع القوانين المنظمة لأعمال أسواق المال وحماية كل قطاعات المستثمرين في هذه الأسواق عبر توفير الفرص المتساوية العادلة للجميع ومنع استغلال ما يحول دون ذلك.
أيضا استمرت التوجهات لمنع استغلال المعلومات الداخلية لمصلحة أي شخص في المتجارة والاستثمار في أسواق المال، وحرصت هيئات أسواق المال وإدارات أسواق المال علي تطبيق القوانين وتحديثها لتوفير أفضل "المناخات" الملائمة  للاستثمار في هذا القطاع الحساس جدا والهام جدا.
والآن كل القوانين، والممارسات السليمة، تحظر استغلال المعلومات الداخلية.
ولم يقف الأمر في هذه الحدود بل تم إصدار معاهدة دولية تحظر استغلال المعلومات الداخلية، والتحقت معظم الدول بهذه المعاهدة مما يعطي هذا الأمر بعدا دوليا تتسابق كل دول العالم نحو تحقيقه في أراضيها ومن حولها في كل أرجاء العالم. وكل هذا لمنح المزيد من الضمان لحماية الاستثمار والمستثمرين في أسواق المال وقفل الطريق أمام من تسول له نفسه اغتنام الفرص والعمل تحت ستار الظلام لتحقيق الفائدة الشخصية الضيقة.
ولذا علي من يأتي للاستثمار في أسواق المال أن يأتي وهو نظيف النفس وعفيف اليد والعقل، وعلى كل من يملك أي معلومة عن الشركة تؤثر علي السوق القيام بالإفصاح الفوري عنها للجميع أو عدم استغلال فترة عدم الإعلان عنها للجميع لتحقيق مصلحة شخصية ضيقة. ومن لا يتعفف، ومن لا تردعه نفسه فإن القوانين والمعاهدات الدولية وممارسة الأسواق السليمة كفيله بردعه. ولنجعل الاستثمار في أسواق المال نظيفا وبعيدا عن أنانية "الأنا"...