اللغة بنت الاجتماع

د. مصطفى كرامة مخدوم

د/ مصطفى كرامة مخدوم
إن اللغة التي يتحدث بها الناس تتأثر بالأوضاع الاجتماعية والثقافية ، ويدخلها التغيير والتجديد عبر العصور ، كما نلاحظ ذلك مثلاً في الفرق الكبير بين لغة المعلقات وشعراء الحماسة وبين لغة الصحف والثقافة المعاصرة .
ولهذا قال العلماء : اللغة بنت الاجتماع ، واعتبرها بعضهم نوعاً من الظواهر الاجتماعية التي تخضع لما يخضع له الكائن الحي من الأطوار والتغيرات .
وعند التأمل في اللغة التي يتحدث بها الناس اليوم نجد فيها كثرة المصطلحات التي تختزل في طياتها فكرة معينة من قبيل الألفاظ اللغوية التي استخدمت في غير موضوعاتها الصحيحة مثل الإرهاب والعالمية والدولة الدينية والتشدد والاعتدال والجهاد والحقوق والشرعية الدولية ...
ونستطيع أن نعتبر المصطلح سلاحاً ذا حدين يمكن أن يكون رمزاً يختزل ويختصر تحته معاني مركزة تضبط الفهم والتفكير ، كما يمكن أن يكون فخاً لفظياً ، ومناورة كلامية تساهم في إثارة الفوضى الفكرية وتغييب الرؤية الصحيحة .
إن من أشد الحروب وأنواع الغزو الفكري الذي يتعرض له المسلمون هو حرب المصطلحات التي تمتاز بالتداخل والتشابك والخفاء (وكذلك يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غروراً) .
إن الغرب يطلق بعض المصطلحات التي تنبع من ثقافة معينة وتعبر عن رؤية خاصة ، ثم تسوّق تلك المصطلحات عبر وسائل الإعلام فيتلقفها بعض المثقفين والإعلاميين في عالمنا الإسلامي دون وعي ولا تمحيص فيقعون في التبعية الفكرية كأنهم قوم يفكرون بآذانهم ..
في خضم هذه الحرب الاصطلاحية يجب علينا التيقظ والقيام بدراسة تأصيلية لهذه المصطلحات تكشف حقيقتها وتزيل الضبابية التي تكتنفها .
والتأصيل المطلوب في نظري يتركب من خطوتين :
الخطوة الأولى :
هي التأصيل الكلي بدراسة مبدأ الاصطلاح عموماً وضوابطه العلمية والشرعية ، كالتفريق بين الاصطلاح العام والخاص ، وأيهما الحاكم على الآخر ؟ وكعدم إخضاع النصوص والآثار للمصطلحات الحادثة بعدها ، كما في مصطلح النسخ والفقه والبينة ، بل إن النص الشرعي هو الحاكم على المصطلحات ، فأي مصطلح يعارض النص معارضة تامة فهو مصطلح فاسد ، كما أشار الحافظ العلائي إلى ذلك في مسألة التفريق بين مصطلح الباطل ومصطلح الفاسد ؛ بأن الفاسد ماله وجود ولكن على وجه الخلل والنقص ، وهذا يناقض قوله تعالى ( لو كان فيهما آلهة إلاّ الله لفسدتا ) حيث وصف العالم بالفساد على افتراض تعدد الآلهة ، مع أنه عند العلماء مستحيل الوجود أصلاً وليس من قبيل الموجود على وجه النقص .
ومن ذلك ترك استخدام المجمل أو الذي يتبادر منه المعنى الفاسد إلاّ عند وجود القرينة الدالة على المعنى الصحيح أخذاً من قوله تعالى ( لا تقولوا راعنا وقولوا انظرنا واسمعوا ) .
الخطوة الثانية :
هي التأصيل الجزئي لهذه المصطلحات وذلك بدراسة كل مصطلح على حدة ، وبيان معناه المقصود والحكم عليه بالصحة أو عدمها بعد الاطلاع على الخلفية الفكرية والثقافية والاجتماعية التي أبرزت هذا المصطلح .
وقد يقول بعض الناس : لماذا هذا التضييق في المصطلحات مع أن العلماء يعبّرون في مواضع كثيرة بقولهم : لا مشاحة في الاصطلاح ؟!!
والجواب : هو أن المقصود من هذه العبارة هو ترك التنازع في اللفظ ما دام المعنى صحيحاً لدى الطرفين المختلفين ، وليس معناه رفض مبدأ ( ضبط المصطلحات بالضوابط العلمية ) .
لقد رفض القرآن الكريم تعبير بعض الأعراب من بني أسد عندما أطلقوا المصطلح الشرعي في غير معناه فعبروا عن الإسلام وهو الخضوع الظاهر بلفظ الإيمان الذي يستلزم خضوع الباطن لله تعالى ، فقال سبحانه : ( قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل الإيمان في قلوبكم ) .
ومشروع التأصيل هذا يصعب القيام به على الشخص الواحد ، ولكن لو قام به مركز علمي أو جامعة أو فئة من الناس لكان سهلاً ميسوراً ، ولعل مثل هذا النداء يجد له مجيباً في أمتنا ..